ضحايا الصراع الأسري.. منع الأبناء من رؤية آبائهم يؤثر على حياة الأطفال ويدمر صحتهم النفسية

الأب الغائب قسرًا.. الوجه المنسي في معارك الحضانة والرؤية

بين الأم والأب الطفل الخاسر الأكبر في معارك الأحوال الشخصية

الرؤية حق الطفل وخبراء يحذرون من آثار إقصاء الأب

أطفال على هامش الصراع.. الحضانة بين القانون والاحتياجات النفسية

في ظل النقاش الدائر حول تعديلات قانون الأحوال الشخصية، لاسيما ما يتعلق بسن الحضانة ومراعاة المصلحة الفضلى للطفل ونفسيته، تتعدد الآراء بين مؤيد ومعارض، فبينما يركز جانب من النقاش على حماية الطفل وضمان استقراره النفسي، يذهب آخرون إلى ضرورة إعادة النظر في بعض المواد، في ظل وجود حالات يُحرم فيها الآباء من التواصل الكامل مع أطفالهم، بل يتحول الطفل لورقة تستخدمها بعض الأمهات للأسف في المكايدة والمساومة مع الأب بحرمانه من ابنه، والأخطر هو حرمان الطفل نفسه من أبيه، وهو ما يمثل كوارث نفسية واجتماعية على حياة الطفل ومستقبله؛ نتيجة فقدان دور الأب الذي تؤكد الدراسات النفسية أن وجوده في حياة الطفل مهم جدًا لسلامته النفسية والسلوكية.

وهو ما دفع بعض الأطراف السياسية إلى طرح مشروعات قوانين لتعديل سن الحضانة بما يضمن أيضًا إتاحة دور أكثر توازنًا للأب في حياة الطفل، في ظل لجوء بعض الأمهات لعقاب الأب والانتقام منه بحرمانه من أطفاله كورقة ضغط بعد الانفصال، دون الأخذ في الاعتبار أن الطفل أكثر احتياجًا للأب من احتياج الأب لطفله، وأنه الطرف الأكثر تضررًا من صراع الأبوين، والمكايدة والتي يدفع هو ثمنها.

وفي نهاية المطاف تبرز الأزمة الحقيقية حول تحول الطفل إلى ضحيّةٍ في صراع الأمهات، فلا يُحرم من أبيه فحسب، بل يُحرم أيضًا من جده وجدته وعماته وروابطه الأسرية كافة، فالقضية ليست مجرد حقوقٍ للمرأة فقط، أو الرجل فقط بل هي حق الطفل في أن ينشأ داخل بيئة سليمة ومتوازنة توفر له الأمان والاستقرار والدعم الأسري.

وفي إطار هذه القضية، تبرز حاجة ملحة إلى تسليط الضوء على أهمية دور الأب في حياة أطفاله، ليس فقط باعتباره مسؤولا عن الرعاية والإنفاق، وإنما كشريك أساسي في الدعم النفسي والتربوي وبناء شخصية الطفل وتعزيز شعوره بالأمان والاستقرار والانتماء.

ويرى مختصون أن غياب الأب، أو إقصائه الكامل عن حياة أبنائه بسبب الخلافات بين الزوجين، قد يترك آثارًا نفسية وسلوكية ممتدة على الأطفال، خاصة خلال سنوات التكوين الأولى، والتي يكون فيها الطفل في حاجة إلى علاقة متوازنة ومستقرة مع كلا الوالدين بعيدًا عن الصراعات الشخصية، وتمتد هذه الحاجة لفترة المراهقة التي يحتاج فيها الصبي خاصة لوجود أبيه في حياته للتأثير الإيجابي على سلامته النفسية.

من خلال هذا الطرح، تبرز نماذج لآباء يقولون إنهم تحولوا من شركاء في تربية أبنائهم إلى مجرد زوار محرومين حتى من حق الرؤية، كما أن الحرمان يمتد لذوي الطفل من ناحية والده، بسبب الخلافات بين الزوجين بعد الانفصال.

محروم من حضن بنتي.. أب يروي معاناته بعد منعه من رؤية طفلته

يروي محمد فايد، 35 عامًا، تفاصيل أزمته مع طليقته وحرمانه من رؤية طفلته “إيلين”، قائلا إنه تزوج في يوليو 2024، لكن سرعان ما نشبت خلافات بينهما عقب ولادة طفلته، إذ أبدى رفضه الاعتماد على الرضاعة الصناعية لتاثير ذلك على صحة الطفلة، وتطورت المشاكل مع الوقت، وادت للانفصال بعد تسوية حصلت فيها الزوجة على كافة حقوقها، ويضيف محمد بينما تم الاتفاق على حقه في رؤية طفلته يومين أسبوعيًا، إلا أنه لم يتمكن من تنفيذ هذا الاتفاق منذ اليوم الأول، كما أنه حاول ست مرات لرؤية طفلته، سواء بشكل مباشر أو بتدخل ودي من أحد شيوخ الأزهر، إلا أن محاولاته قوبلت بالرفض.

وأوضح أنه توقف عن المحاولات بعد منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قائلاً:” بعد كده بطلت أحاول أشوف بنتي، لأنها كتبت على الفيسبوك إني بتذلل عشان ترجعلي، رغم إن كل إللي بطلبه حقي الشرعي والقانوني إني أشوف بنتي، وحق بنتي إنها تعرف أبوها، ماطلبتش منها إنها ترجعلي”.

وتابع محمد بحسرة: “أنا دلوقتي معرفش شكل بنتي عامل إزاي، وعاملها صورة بالذكاء الاصطناعي، وده واجعني جدًا أنا خايف بنتي تطلع شايلة جواها نفس فكرة الكره تجاه الأب، زي ما أمها مكانتش بتحب أبوها وأنا أصلاً كنت بحاول أصلح العلاقة دي”، واستكمل باكيًا:” أنا كل إللي محتاجه أعرف شكل بنتي وأخدها في حضني، وأربيها وأديها حنان الأب، وأعلمها الدين والأخلاق، وأحافظ عليها وعلى مستقبلها، وأشبعها بيا وبحناني بدل لما تكبر عندها مشاكل نفسية، نتيجة غيابي، أنا عاوز أشبعها حب ويكون لي دور في حياتها” .

السند القانوني
تنص المادة ٢/٢٠ من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ۱۹۲۹ على أن “لكـل مـن الأبـوين الحـق فـي رؤيـة الـصغير أو الصغيرة وللأجداد مثل ذلك عند عدم وجود الأبوين , وإذا تعذر تنظيم الرؤية اتفاقًا نظمها القاضي على أن تتم في مكان لا يضر بالصغير أو الصغيرة نفسيًا، وينظم القاضي مواعيد الرؤية، وإذا امتنع من بيده الصغير عن تنفيذ الحكم بغير عذر أنذره القاضي، فإن تكرر منه ذلك جاز للقاضي أن يحكم بنقل الحضانة مؤقتًا”، ورغم نص القانون إلا أن هناك العديد من الأمهات تمتنع عن تطبيق الرؤية، رغم صدور أحكام ، بل يتحول الأمر لمقايضة من الأم للأب بأنها لن تسمح له برؤية ابنه.

أرقام الصراع.. حق الرؤية
تفتح قضايا الرؤية في المحاكم المصرية ملفًا شائكًا يمس استقرار آلاف الأسر؛ فخلف كل رقم حكاية إنسانية معقدة، فبينما تشير تقارير غير رسمية إلى أن ما يقرب من 9 ملايين طفل يتجرعون مرارة الشتات وويلات الانفصال، كشفت البيانات عن واقع مرير يواجه الآباء أيضًا؛ حيث يُقدر عدد الآباء الذين يمارسون حق الرؤية داخل مراكز الشباب بنحو مليون أب، في ظل مؤشرات ترصد تزايدًا يوميًا في هذه الأعداد.

ولا يتوقف الأمر عند حدود المشاهدة، بل يمتد إلى نزاعات تنفيذية حادة؛ حيث تشير إحصائيات غير رسمية وجود ما يقرب من 20 ألف حالة احتجاز صغار من قِبل الطرف الحاضن، ومنعهم من حق الرؤية المكفول للطرف الآخر، وتأتي هذه الأزمات كانعكاس مباشر لتصاعد معدلات الطلاق التي بلغت نحو 250 حالة يوميًا، وهو ما يولد ضغطاً هائلاً على أروقة المحاكم بقضايا رؤية وحضانة متلاحقة، تستغرق في المتوسط ما بين 3 إلى 5 أشهر للحصول على حكم قضائي، وقد تمتد لمدد أطول في حالات النزاع المستعصية.

المنظور النفسي
تناولت عدد من نظريات النفس علاقة الطفل بوالده وتطورها عبر المراحل العمرية المختلفة تأكيدًا على دور الأب المحوري في حياة الطفل من بينهم نظرية النمو النفسي الاجتماعي، ونظرية التعلم الاجتماعي، ونظرية النمو النفسي الاجتماعي، ونظرية التحليل النفسي، ونظرية الأنظمة الأسرية، وغيرهم.

نظرية النمو النفسي الاجتماعي

وتوضح نظرية النمو النفسي الاجتماعي أنه عبارة عن تطور عاطفي واجتماعي ونفسي يحدث عبر مراحل العمر، يتضمن تكوين العلاقات وإدارة المشاعر والتفاعل مع البيئة بناءً على نظرية إريك إريكسون، وتلعب علاقة الأب بابنه دورًا محوريًا في نظرية النمو النفسي والاجتماعي ، حيث يمثل الأب القدوة الأولى والموجه الاجتماعي الذي يساعد الابن على تجاوز “الأزمات” النفسية في مراحل مختلفة من حياته،

وتوضح النظرية أهمية هذه العلاقة عبر عدة مراحل
1- بناء الثقة والاستقلال “السنوات الأولى”: في حين توفر الأم غالبًا الأمان العاطفي، يساهم الأب في تعزيز “الانفتاح على العالم” من خلال اللعب البدني والمغامرة، هذا الدور يساعد الطفل على الانتقال من مرحلة الثقة إلى الاستقلال الذاتي، حيث يقلل الأب من “الالتصاق” الزائد بالأم، مما يمنح الابن الشجاعة لاكتشاف قدراته.

2- تشكيل الهوية “المراهقة”: تعتبر هذه المرحلة “الهوية مقابل تشوش الدور” من أهم مراحل تأثير الأب؛ إذ يتطلع الابن لوالده كنموذج لتحديد “معالم الرجولة” والقيم الشخصية، الأب الداعم والمشارك يسهل على المراهق بناء هوية قوية ومستقرة، بينما قد يؤدي غيابه أو الصراع الشديد معه إلى اضطراب الهوية أو تبني هوية سالبة.

3-تطوير الكفاءة والمبادأة: يشجع الأب ابنه على الإنجاز والعمل الجاد (مرحلة الاجتهاد مقابل النقص). الدعم المعنوي والمعرفي من الأب في تأدية المهام يعزز الثقة بالنفس والقدرة على تحمل المسؤولية.

4-التوازن بين الحزم والحنان: يمثل الأب “سلطة آمنة” تضع القواعد وتطبقها، مما يعطي الابن شعوراً بالانضباط والحماية النفسية. هذا التوازن يجنب الطفل القلق المفرط ويعلمه احترام الحدود الاجتماعية.

وتؤكد هذه النظرية أن الأب يعمل كبوابة للابن نحو المجتمع، محولاً إياه من كائن يعتمد كليًا على الأسرة إلى فرد مستقل ومنتج.

نظرية التعلم الاجتماعي

هذه النظرية التي طورها عالم النفس ألبرت باندورا، هي إطار معرفي سلوكي يفترض أن الناس يتعلمون سلوكيات، مواقف، وردود فعل عاطفية جديدة من خلال مراقبة وتقليد الآخرين في سياق اجتماعي، وليس فقط بالتجربة المباشرة ويدمج هذا النهج بين السلوكية والمعرفية، مؤكدًا أن التعلم يحدث عبر النمذجة والتعزيز بالبديل.

وتسلط النظرية الضوء على أن الطفل يتعلم عن طريق التقليد والملاحظة، ولو كان هذا الطفل “ذكر” فهو يتعلم الأدوار الاجتماعية من خلال الأب ، فالطفل يمر بمراحل نفسية واجتماعية ويساهم فيها الأب بالشعور بالكفاءة والاستقلالية والقدرة على مواجهة المجتمع والثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرارات.

ومن هنا يبرز السؤال الأهم من زاوية الطب النفسي: ما الأثر النفسي المترتب على حرمان الطفل من أحد الوالدين، سواء الأب أو الأم، في مراحل نموه المختلفة؟ وكيف يمكن أن يؤثر هذا الغياب على بناء الشخصية، والاتزان العاطفي، والعلاقات الاجتماعية مستقبلاً؟.

ويؤكد مختصون أن الحفاظ على التوازن النفسي للطفل لا يرتبط فقط بوجود الأب، وإنما بوجود علاقة صحية وآمنة مع كلا الوالدين بعيدًا عن العنف أو الصراعات المستمرة.

غياب الأب وآثاره النفسية

أكد الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي والمخ والأعصاب، أن غياب الأب عن الطفل في المرحلة الأولى من عمره قد يترك آثارًا نفسية واضحة، خاصة إذا لم يوجد شخص آخر يؤدي الدور البديل، مثل الجد أو الخال أو العم أو زوج الأم أو أحد المقربين من الأسرة، موضحًا أن وجود هذا البديل يمكن أن يخفف من تأثير غياب الأب ويعوض جزءًا من دوره التربوي والنفسي.

ضعف الثقة والشعور بالدونية
وأضاف “فرويز” في حديثه لـ”ليبرالي” أن الطفل الذي ينشأ دون وجود أب أو بديل داعم غالبًا ما يتكون لديه شعور بالدونية وضعف الثقة بالنفس، كما يعاني من اهتزاز في الشعور بالأمان والاستقرار العاطفي، وهو ما قد يظهر في صورة سلوك عدواني تجاه الآخرين كنوع من التعويض، أو في صورة انطواء وعزلة اجتماعية.

وأشار إلى أن الاضطراب العاطفي لدى الطفل قد يدفعه أحيانًا إلى البحث عن وسائل خاطئة للتعويض، من بينها بعض الاضطرابات أو الانحرافات السلوكية ذات الطابع الجنسي وهذا بكل أسف شاهدناه كثيرًا جدًا، مؤكدًا أن هذه المشكلات ترتبط بدرجة كبيرة بغياب الدور الأبوي الفاعل.

الدور الفاعل للأب
وشدد “فرويز” على ضرورة وجود الأب في حياة الطفل وقيامه بدور فاعل إذ قد يكون الأب حاضرًا لكنه يؤدي أدوارًا سلبية، مثل العنف أو النقد المستمر أو المقارنة بالآخرين، وهي ممارسات تؤثر سلبًا على تكوين شخصية الطفل، مؤكدًا أن وجود الأب بصورة إيجابية ومتوازنة يساهم في بناء طفل يتمتع بصحة نفسية جيدة وشخصية ناضجة ومتزنة.

غياب الأب يهدد التوازن

قال الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، إن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، موضحًا أن الله عندما أشار إلى سيدنا محمد ﷺ أشار إليه باعتباره رحمة للعالمين، منذ سيدنا آدم وحتى قيام الساعة عبر مليارات السنين، مضيفًا أن الشاعر أحمد شوقي عندما أراد تجسيد هذه الرحمة في شخصية النبي “ص” مدحه وقال “وإذا رحمت فأنت أم وأب هذان في الدنيا هم الرحماء”.

وأكد “هندي” في حديثه لـ”ليبرالي” أنه لا يوجد أحد يستطيع أن يروي ويُشبع مشاعر الطفل الإنسانية والوجدانية، ويساعد على نموه العقلي والجسماني والروحي والنفسي، أكثر من الأم والأب، مشيرًا إلى أن الله عز وجل قال “وكفلها زكريا”، ولم يقل صرف عليها، لأن معنى الكفالة هنا هو الاحتضان والرعاية الكاملة بكل تفاصيلها الدقيقة.

ضاعت فلوسك يا صابر
وأوضح أن للأب دورًا، وللأم دورًا، في معايشة الواقع وتقويم السلوك وتطوير الأداء، لافتًا إلى أن حديثه يأتي بمناسبة قانون الأحوال الشخصية الجديد، وسن الحضانة الذي من المفترض أن ينخفض إلى سبع سنوات للولد وتسع سنوات للبنت، إن ما يحدث حاليًا ليس نزاعًا على حضانة الأطفال بقدر ما هو نزاع على الشقة، أي صراع مادي على السكن، موضحًا أن بعض السيدات يعتبرن أن امتداد سن الحضانة حتى 14 أو 15 سنة يمنحهن حق البقاء في الشقة طوال هذه المدة، ثم بعد ذلك يُخير الطفل بين الأب والأم، فيختار الأم لأنه عاش في كنفها ولم يعش مع الأب، وبذلك يكون الزوج الذي تعب واجتهد لتأمين الشقة قد خسر كل شيء ساخرًا “ضاعت فلوسك يا صابر”.

وأضاف أن بعض الحالات قد تشهد زواج الأم عرفيًا، بينما يظل الرجل ملتزمًا بدفع النفقة وهي تقيم في شقته، أو قد تتزوج رسميًا وتنتقل الحضانة إلى الخالة أو غيرها من الأقارب، فتظل الأسرة مستفيدة من الشقة، في الوقت الذي يكون فيه الأب قد خسر الابن، والشقة، والنفقة، وحتى علاقة الجد والجدة بالحفيد، مؤكدًا أن هذا الوضع “غير منضبط.

وشدد على ضرورة أن يكون سن الحضانة متوازنًا، وإنهاء الصراعات المادية والخلافات العائلية، موضحًا أن الأب بالنسبة للابن يمثل الدعم والسند والظهر، وهو مصدر الأمان والحماية، والصديق والمعلم والقدوة والمرشد والموجه والمعين، إذا كان أب سوي ويقوم بدور فاعل في حياة طفله.

الأب ليس محفظة
وأشار “هندي” إلى أن الأب الحقيقي ليس مجرد “محفظة نقود”، بل له دور رئيسي في بناء الشخصية، وتنمية الجوانب الجسدية والعقلية والحيوية والروحية، وتشكيل السلوك وتقويمه، فضلا عن نقل معايير المجتمع الخارجي إلى الطفل، من خلال طريقة الكلام والملبس والتعامل مع الآخرين.

وأضاف أن الأب يقوم بدور مهم في الإعداد الصحي والغذائي والتعليمي والتربوي، وتدعيم الذات، ومساعدة الأبناء على التوافق النفسي مع الحياة، كما يمنح الحب، ويعزز الثقة بالنفس، ويشجع الطفل على التفوق واكتشاف مواهبه، فضلًا عن دوره في الإرشاد التعليمي والمهني، وحتى في مساعدة الابن مستقبلًا على اختيار شريك الحياة.

وأكد أن الأب يمثل “عمود الأسرة”، ولا يمكن الاستغناء عنه، موضحًا أنه لا يصح أن يعيش الطفل حتى سن 15 عامًا بعيدًا عن الأب، في حالة من الجفاف العاطفي وافتقاد المشاعر.

الاستضافة مقابل الرؤية المحدودة

وانتقد الاكتفاء بنظام “الرؤية” لساعتين فقط، قائلا إن الأمر لا ينبغي أن يكون وكأن الأب يدخل سينما بتذكرة ليرى ابنه، مطالبًا بتطبيق نظام استضافة حقيقي يسمح للطفل بقضاء يوم أو يومين مع الأب، مع منح القاضي سلطة تقديرية لتوسيع مساحة الاستضافة.

وأضاف أن من حق الأب، إذا كان قادرًا ماديًا، أن يصطحب ابنه إلى المصيف أو السفر أو قضاء إجازة معه، متسائلًا: “لماذا يُحرم الطفل من ذلك؟”، مؤكدًا أن التربية حق للطفل وليست أداة صراع بين الطرفين.

حقوق الأجداد في الرؤية
كما شدد على أهمية دور الأجداد، موضحًا أن كثيرين يعتقدون أن الرؤية حق للأب والأم فقط، بينما هي حق للأجداد أيضًا، لافتًا إلى أن الجد والجدة يضطران أحيانًا إلى رفع دعاوى قضائية مستقلة لرؤية الأحفاد، وقد يقطع كبار السن مئات الكيلومترات للوصول إلى أماكن الرؤية، في معاناة كبيرة لهم.

وأكد أن وجود الطفل وسط الجد والجدة يمنحه فرصة للاستفادة من خبراتهم وحنانهم وعطفهم، مشيرًا إلى أن كل الدراسات تؤكد أن غياب الأب يؤدي إلى الفشل الدراسي، والتعاطي والإدمان، والانقياد العاطفي، والاستغلال الجنسي، كما يؤثر على نمو الطفل وشخصيته، وعلى تكوين الضمير لديه وقدرته على تقبل أصدقائه وأداء أدواره الاجتماعية.

غياب الأب وتأثيره النفسي

وأضاف أن الأطفال الذين يغيب الأب عن حياتهم يعانون ضعفًا في الثقة بالنفس، وقلقًا دائمًا، وشعورًا بالاغتراب، لافتًا إلى أن دراسة أمريكية أُجريت عام 2025 على خمسة ملايين طفل وُلدوا بين عامي 1988 و1993 كشفت أن أبناء الطلاق الذين يعيشون مع أحد الوالدين فقط قد يكون متوسط أعمارهم أقل من أقرانهم بخمس سنوات، نتيجة غياب التغذية السليمة والرعاية الصحية، واحتمالات الانحراف أو التعاطي وما يرتبط بذلك من مخاطر الموت المبكر.

وأشار إلى أن دور الأم لا يمكن إنكاره، مستشهدًا بالمثل المصري القائل: “من غير أم حاله يغم”، موضحًا أن الأم تمثل العطف والحنان والاحتواء والاهتمام بالتفاصيل وتحمل المشقة، وهي “شمعة تحترق” من أجل طفلها، ترعاه وتتابع دراسته واحتياجاته اليومية.

الرؤية حق الطفل
وأكد أن الرؤية حق للطفل وليست حقًا للأب أو الأم، وأن المعايشة أيضًا حق للطفل وليست وسيلة صراع بين الطرفين، مطالبًا بوجود “رؤية نفسية” وفق احتياجات الطفل، بما يسمح للأب بمتابعة ابنه وقت المرض أو الأزمات أو الدراسة، إلى جانب تفعيل “الرؤية التكنولوجية” عبر السوشيال ميديا والفيديو كول لضمان استمرار التواصل.

الأسر المتوازنة تصنع طفلًا سويًا
وشدد على ضرورة أن يشعر الطفل بأنه ليس طرفًا في الصراع، وألا يُستخدم كورقة ضغط أو وسيلة لنقل الرسائل بين الوالدين، مؤكدًا أن الأبحاث أثبتت أن أبناء الطلاق الذين يعيشون في بيئة نفسية وصحية مستقرة بعيدًا عن النزاعات يكونون أكثر توازنًا وتفوقًا دراسيًا من أبناء الأسر التي تعيش في مشكلات دائمة.

واختتم حديثه بالتأكيد على أهمية احتواء الأب والأم معًا، حتى يخرج طفل متزن ومتوازن وقادرًا على العطاء داخل المجتمع، مستعيدًا بيت الشعر “وإذا رحمت فأنت أم وأب هذان في الدنيا هم الرحماء”.

وفي النهاية، تبقى مصلحة الطفل النفسية هي المعيار الأهم الذي يفترض أن يسبق أي خلاف بين الأبوين، إذ أنه الطرف الأكثر حاجة إلى حماية تُعيد إليه الاستقرار النفسي والأسري.