
أتمنى قيام البرلمان بتوسيع دائرة التشاور والحوار في المناقشات
للمؤسسة الدينية والجهات الأخرى آراؤها وللبرلمان سلطة التشريع
نحتاج للصوت الحقوقي في النقاش شرط الموضوعية والإيمان بالحوار وتقديم بدائل مقبولة
الزواج في المسيحية سر مقدس يمارسه رجال الكهنوت ومن الصعب استبعاد الكنيسة
لا يوجد بعد منبر كنسي أو مدني مسيحي احتضن حوارًا استيعابيًا يشمل كل الأطراف
حوار- حسن القباني
تبرز أهمية الحديث عن المواطنة ومدنية الدولة، في ظل الجدل الواسع حول قوانين الأحوال الشخصية المرتقبة للمصريين المسلمين والمسيحيين، وفي هذا السياق أجرى موقع “ليبرالي” حوارًا خاصًا مع الدكتور سامح فوزي، كبير باحثين بمكتبة الإسكندرية، والحاصل على جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية العام الماضي، والذي قدم للمكتبة المصرية والعربية العديد من المؤلفات في المواطنة والتنمية والمشاركة والتغيير الاجتماعي.
أوضح “فوزي” أن الفلسفة الواجب توافرها في القانون المرتقب هي الحفاظ على الأسرة المصرية في إطار من الحرية والمسئولية، مشددًا على أهمية أن يمضي البرلمان في مناقشة قوانين الأحوال الشخصية بتمهل، وتوسيع دائرة التشاور والحوار، حتى يخرج القانون إلى النور محل اتفاق، ويكون عاملًا أساسيًا في الحفاظ على الأسرة المصرية، وإلى نص الحوار:
فلسفة التشريع
كيف ترى بدايات الحوار المجتمعي حول قانون الأحوال الشخصية المرتقب؟
القانون له أبعاد شتى، ويرتبط بأمن وسلامة وتماسك المجتمع، ونواته الأساسية الأسرة المصرية، وبالتالي فإن الحوار المجتمعي ينبغي أن يكون بين ممثلي أصحاب المصلحة في القانون، وهم المواطنون، وجمعيات أهلية، وإعلاميين، ومنظمات حقوقية، ورجال الدين، وأكاديميين من تخصصات الاجتماع وعلم النفس، والقانونيين وغيرهم.

وهو ما يتطلب وقتًا طويلاً حتى نصل إلى تقييم حقيقي لمشروع القانون، فلا يكفي آراء خبراء أو قانونيين، لأن هناك فرقًا بين الاتفاق على فلسفة التشريع، وهو يمثل توازن المجتمع، وبين صياغة مواد مشروع القانون وهو عمل الخبراء القانونيين.
وأظن أنه طالما أحيل مشروع القانون إلى السلطة التشريعية تقع مسئولية إطلاق الحوار المجتمعي على مجلس النواب، الجهة المنوط بها التشريع.
وكلما توسع المجلس في الحوار المجتمعي، وارتفع مستوى التنوع في الآراء، كان ذلك مؤشرًا على وضع تشريع جيد.
الحرية والمسئولية
ما هي الفلسفة الواجبة في مثل هذه القوانين لتعزيز المواطنة ومدنية الدولة؟
الفلسفة الواجب توافرها في القانون هو الحفاظ على الأسرة المصرية في إطار من الحرية والمسئولية، وهو ما يتفق مع المواطنة في دولة مدنية حديثة، فلا يجب أن يشهد الزواج انتهاكًا لحقوق الزوجة أو الزوج، أو يترتب على الطلاق الافتئات على حقوق أي منهما.
وإذا كانت مصلحة الأبناء في بقاء الزواج، فإن الطلاق لا يجب أن يكون على حسابهم، أو يتحولوا إلى مجال للمساومة بين المطلق وطليقته، بل نكفل لهم العيش في استقرار مادي ونفسي قدر المستطاع.

حدود الأزهر والكنيسة
كيف ترى مشاركة الأزهر والكنيسة في القوانين والدعوات التي تنادي بمدنية القانون المرتقب؟
هناك فارق بين تطلعات المستقبل والاشتباك مع الحاضر، البعض يتحدث عن دولة غير تلك التي نعيش فيها، ويظنون أن بالإمكان أن نصل إلى قانون يشابه قوانين الدول العلمانية.
قد نعتبر ذلك تصورات مستقبلية لدي البعض، أيًا كان تقييمنا لها، ولكن واقع الحالي يشير إلى أن هناك مشروعي قانون، أحدهما للمسلمين، والآخر للمسيحيين، يعتبران الزواج شأنًا دينيًا، له مرجعيته الدينية، وشروط صحته شرعًا، بخلاف مفهوم الارتباط المدني الذي لا ينطلق من تلك المرجعية، ويتجاوز تلك الشروط في المجتمعات التي تأخذ به.

إذا نظرنا إلى المجتمع المصري على اتساعه، سنجد الزواج مؤسسة اجتماعية تستند إلى اتفاق ديني، وأي حديث عن الزواج بمعناه المدني لا يزال صادرًا عن نخب محدودة العدد، مدنية في الأساس، ولا يجد قبولاً عند عامة الناس.
والمسألة في رأيي أن الحياة كل لا يتجزأ، فإما أن يكون للمجتمع مرجعية دينية في الحياة، وهو ما نراه الأن، أيًا كان رأينا في ذلك، أو يكون المجتمع علمانيا في كل أبعاده، بما في ذلك الزواج، وهو أمر لا يعدو سوي أن يكون مطلبًا لم ينجح أصحابه في جعله متجذرًا في المجتمع، بل ظل خطابًا هامشيًا لأكثر من قرن من الزمن.
وفي هذا الخصوص فإن المجتمعات العلمانية في الزواج لا تنحي الدين بصورة مطلقة، أتذكر انه عندما طرح زواج المثليين في بريطانيا ظهرت ردود فعل واسعة من المجتمع الديني، إلى حد أن روان وليام أسقف كانتربري الأسبق، وجه رسالة الي الملكة اليزابيث راجيًا إياها ألا تصدر ذلك القانون، وقد لاحظت في رسالته أنه أكد على مفهوم الزواج الديني بوصفه ارتباطًا بين رجل وامرأة يتأسس على الكتاب المقدس.
ليس معني وضع الدين في الاعتبار عند وضع قوانين الأحوال الشخصية أن يتحول القانون إلى منتج تشريعي تضعه المؤسسة الدينية، لأن ذلك يناقض الدستور الذي حصر سلطة التشريع في البرلمان، ولكن يكون للمؤسسة الدينية رأيها، وللمؤسسات والجهات الأخرى رأيها أيضا. وفي النهاية يكون للبرلمان سلطته في التشريع.
اتجاهات مدنية عديدة
هل مصر قادرة على استيعاب مفاهيم الحداثة ولغتها التي ينادي بها التيار المدني في مثل هذه القوانين؟
مصر لها خبرات مهمة في الحداثة القانونية، ليس فقط على المستوى المحلي، ولكن أيضًا في المحيط العربي، وفي الواقع لا أدري على وجه التحديد عن أي تيار مدني نتحدث؟ هناك اتجاهات عديدة في هذا الخصوص.
هناك تيار علماني، يري فصل الدين عن الدولة بالمنطق الغربي، وان كانت العلمانية لها صور متعددة في الغرب ذاته، وهم قلة عددية ليس لهم ارضية مجتمعية، وهناك تيار مدني يري ان الدين له مكانته في ظل دولة ديمقراطية حديثة، لا يكون للسلطة الدينية دور في السياسة، وهو يواجه في الأساس الآراء المتشددة والمتطرفة استنادا إلأى ما يعرف بوسطية الدين، وهناك تيار يدعي المدنية في حين انه سلفي في أعماقه.

ونتذكر انه في خضم المواجهة مع الإخوان المسلمين عقب 25 يناير 2011، كنا نسمع منهم انهم يؤيدون الدولة المدنية على اعتبار أن السلطة المدنية في رأيهم هي السلطة التي يمارسها شخص مدني أي غير عسكري، حتى لو كان بمرجعية دينية متشددة في حين أن الدولة المدنية هي في الاساس النقيض للحكم الديني سواء مارسه شخص بلحية أو بدون لحية.
من هنا فإن التيار المدني ملتبس، وهناك بعض المنتمين اليه لديهم خطابات دينية وشبه دينية في المجال العام، ولكن إذا كنا نتحدث عن تيار حقوقي، ينطلق من مبادئ قانونية في المساواة، والعدالة، والمواطنة فإن التجربة اثبتت بأنه يستطيع أن يؤثر إذا طور خطابًا عقلانيًا في المجتمع، دون شطط او استعارة مفاهيم تربك المجتمع، وإذا نظرنا طيلة العقود الماضية سنجد آثارا إيجابية لمثل هذا الاتجاه قي قوانين واستراتيجيات وتوجهات باتت تتبناها مؤسسات الدولة.
ولكن الطريق لا يزال ممتدا، ويحتاج الي جهد وإصرار. وفي قوانين الأحوال الشخصية فإن هذا الصوت الحقوقي مطلوب بشدة، شريطة ان يكون موضوعيا، قادرا على الحوار، وتقديم اقتراحات بديلة مقبولة.
جدل واسع
تحديدًا.. هل تشاركني القول بأن مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين يثير جدلًا واسعًا، حتى قبل الاطلاع على نصوص القانون؟
لديك حق. هناك ناس تشتبك، وتعلق، وتنتقد منذ اللحظة الاولي حتى قبل الاطلاع على القانون.
وقد كنت اتمنى أن يقدم المسيحيون نموذجًا في الحوار الموضوعي العقلاني حول قانون الأحوال الشخصية، ولكن حدثت مظاهر سلبية عديدة من بينها الغضب والحدة وسوء التعبير من جانب البعض، واستدعاء الخلافات بين التيارات الفكرية داخل الكنيسة، وتصفية حسابات مع شخصيات بعينها، وعودة الحديث عن العلمانيين (أي المواطنين العاديين) في مواجهة الإكليروس (أي رجال الكهنوت وبالأخص الرهبان) وجميعها تعبير عن تشرذم الواقع، ولعبت السوشيال ميديا دورا في تأجيجه.
وقد لاحظت أنه لا يوجد منبر كنسي او مدني مسيحي احتضن حوارًا استيعابيًا يشمل كل الأطراف، ويفرز مخرجات واضحة يمكن تداولها مع أعضاء البرلمان، بل كل ما حدث هو تداخل الاصوات، والكل يشير إلى أن الحقيقة تسكن إلى جواره.
صعوبة استبعاد الكنيسة
بعض الأصوات القبطية تطالب بإبعاد الكنيسة عن قانون الأحوال الشخصية.. ما تعليقك؟
يصعب حدوث ذلك لأن الزواج في المسيحية على الأقل عند الغالبية الأرثوذكسية سر مقدس، يمارس في الكنيسة بواسطة رجال الكهنوت. وإذا كانت المحكمة تمتلك سلطة تطليق المسيحيين، فإن الكنيسة وحدها تمتلك سلطة تزويجهم ثانية من عدمه.
من هنا فإن الزواج المسيحي ليس اتحادًا بين رجل وامرأة بعقد مدني فقط، بل يعتبر عقد الزواج اشهارًا قانونيًا، وتوثيقًا مدنيًا لسر مقدس ناله العروسان، وصارا بموجبه جسدًا واحدًا، ليس بفعل الزواج المدني، ولكن من خلال الطقس الديني.
من هنا فإن من ينادي بالزواج المدني للمسيحيين فقط فهو يطالب بزواج رجل وامرأة مسيحيين، دون أن يكون زواجهم مسيحيًا مباركًا من الكنيسة.
وأري من منطلق حقوقي أن تكون هناك إمكانية للأشخاص ان يتزوجوا مدنيًا إذا أرادوا زواجًا أمام المجتمع، وليس الكنيسة، وأن كنت أظن أن نفرا قليلا قد يفعل ذلك لأن الأغلبية العظمي لن تقبل زواجًا إلا داخل الكنيسة.

ولا أظن أن الكنيسة قد تقبل أو تعترف بزواج مدني خارجها لأنه ببساطة ضد العقيدة في جوهرها. وأتذكر أن أحد الاشخاص المسيحيين تحدث منذ سنوات في مؤتمر عن ضرورة الزواج المدني، فقلت له: هل تقبل أن تتزوج ابنتك زواجا مدنيا خارج الكنيسة؟ فصمت، ولم يرد.
ورغم ذلك فإنني مع قبول مفهوم الزواج الكنسي، بمختلف أبعاده، أؤكد على مفهوم الكنيسة ذاته الذي يضم الإكليروس جنبا الي جنب مع المؤمنين العلمانيين (أي من خارج الإكليروس)، والطقوس بما فيها سر الزيجة تشمل صلوات يصليها الكاهن، وصلوات يصليها الشعب، مما يعني وحدة وشركة في الصلاة، مما يستدعي أن تكون روح الشركة بين الجانبين حاضرة في وضع النصوص واللوائح التي تنظم الزواج المسيحي.
تقييم آثر القوانين السابقة
في النهاية.. هناك من يخشون مما أسموه “سلق” هذه القوانين.. كيف ترى هذا الأمر؟

القانون ليس أداة، أو إجراء انفعالي، أو رفاهية شكلية، بقدر ما هو تدخل عقلاني لتنظيم شأن ما لصالح المجتمع. يعني ذلك عدة امور أهمية سلامة النص، ووضوح الرؤية، والحوار والانفتاح، والتأكد من أن نصوص القانون سوف تواجه المشكلات القائمة، ولا تتسبب في مشكلات عند تطبيقها.
أظن أن البداية تكون بإجراء تقييم لآثر القوانين السابقة، وتحديد المشكلات الحقيقية، ووضع الحلول لها، هذا هو المعيار بالنسبة لي، وليست المدة الزمنية التي تنفق في مناقشة القانون واقراره، لأنه قد يستغرق النقاش والتشاور وقتا طويلًا دون أن يأتي المنتج القانوني النهائي مرضيا، وقد يستغرق وقتًا اقل، وكثافة في النقاش الجاد، فيأتي القانون متوازنا، ناجحا في أغراضه.
وفي قوانين الأحوال الشخصية أتمنى ان يمضي البرلمان في مناقشتها بتمهل، وتوسيع دائرة التشاور والحوار، حتى يخرج القانون إلى النور محل اتفاق، ويكون عاملاً أساسيًا في الحفاظ على الأسرة المصرية.




