نهاد شعبان

تحل اليوم ذكرى ميلاد الفنان الراحل أحمد مرعي، أحد أبرز أصحاب الأداء الهادئ والموهبة الاستثنائية في تاريخ الفن المصري، والذي استطاع أن يترك بصمة فنية مختلفة في السينما والدراما، خاصة من خلال الأعمال التاريخية والدينية التي تألق فيها على مدار سنوات طويلة، ليصبح واحدًا من الفنانين الذين ارتبطت أسماؤهم بالأعمال الراقية والرسائل الفنية العميقة.
وُلد أحمد مرعي، واسمه الحقيقي أحمد جلال بسيوني مرعي، في 14 مايو عام 1942 بقرية الدواخلية التابعة لمركز المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، ونشأ وسط بيئة مصرية بسيطة صنعت بداخله ملامح الفنان الهادئ القريب من الناس، ومنذ سنواته الأولى، ظهرت ميوله الفنية وقدرته على التعبير والأداء، ما دفعه إلى الالتحاق بالمعهد العالي للسينما قسم التمثيل، ليتخرج عام 1965، قبل أن يعمل معيدًا بالمعهد، في خطوة عكست تفوقه الأكاديمي وموهبته المبكرة.

موهبة استثنائية
امتلك أحمد مرعي حضورًا مختلفًا على الشاشة،؛ لم يكن من الفنانين الذين يعتمدون على الصخب أو الاستعراض، بل كان من أصحاب الأداء الصادق القائم على التفاصيل الدقيقة والانفعالات الهادئة، وربما لذلك وجد نفسه بقوة في الأعمال التاريخية والتراثية والدينية، حيث كانت ملامحه الشرقية وصوته الرزين وقدرته على التعبير تمنحه مصداقية كبيرة في تجسيد تلك الشخصيات.

الأعمال التاريخية
برع الراحل في تقديم الشخصيات التاريخية والدينية، وشارك في عدد من أهم الأعمال السينمائية التي تحولت إلى علامات بارزة في تاريخ السينما العربية، ومن أبرز تلك الأعمال فيلم المومياء، الذي يعد أحد أهم أفلام السينما المصرية وأكثرها تأثيرًا، حيث شارك فيه بأداء ترك أثرًا واضحًا لدى الجمهور والنقاد على حد سواء، كما كان من أبرز المشاركين في فيلم الرسالة، ذلك العمل السينمائي العالمي الذي حقق نجاحًا واسعًا في العالم العربي وخارجه، وأسهم في تقديم صورة مميزة للفن العربي أمام الجمهور العالمي.

بصمة سينمائية
ولم تتوقف مسيرته عند هذه الأعمال فقط، بل شارك أيضًا في مجموعة كبيرة من الأفلام المهمة التي تنوعت بين الوطنية والاجتماعية والإنسانية، من بينها فيلم أغنية على الممر، الذي يعد من أبرز أفلام البطولة والفداء في تاريخ السينما المصرية، إلى جانب أفلام “اثنان ضد القانون”، و”الحقيقة.. ذلك المجهول”، و”الهروب إلى السجن”، و”الأونطجية”، و”3 وجوه للحب”، وغيرها من الأعمال التي أكدت قدرته على التنقل بين الشخصيات المختلفة بسلاسة واقتدار، ورغم أنه لم يكن من نجوم البطولة المطلقة، فإن أحمد مرعي استطاع أن يفرض حضوره الفني بأسلوبه المختلف وأدائه المتقن، ليصبح من الفنانين أصحاب البصمة الخاصة، الذين يتركون أثرًا بمجرد ظهورهم على الشاشة.

نجاح تلفزيوني
وفي الدراما التلفزيونية، حقق الفنان الراحل نجاحًا لافتًا، خاصة في المسلسلات التاريخية والدينية التي وجد فيها المساحة الأكبر لإبراز موهبته، وشارك في أعمال مهمة ما زالت حاضرة في ذاكرة الجمهور حتى اليوم، من أبرزها مسلسل “سليمان الحلبي”، و”محمد الفاتح”، و”أحمد بن ماجد”، و”مصرع المتنبي”، و”الجريمة والعقاب”، و”الوعد الحق”، و”عنترة”، و”الشبيهان”، و”ملحمة الحب والرحيل”، و”ليلة سقوط غرناطة”، و”أيوب البحر”، وتميز أحمد مرعي بقدرته على تقديم الشخصيات المركبة ببساطة شديدة وصدق واضح، فكان يعتمد على الإحساس الحقيقي أكثر من المبالغة، الأمر الذي جعله يحظى بتقدير النقاد والجمهور معًا، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالأعمال التاريخية ذات القيمة الفنية الرفيعة.

جوائز وتكريم
وخلال مشواره الفني، حصد أحمد مرعي عددًا من الجوائز والتكريمات المهمة، كان أبرزها حصوله على جائزة أفضل ممثل عام 1969 عن فيلم 3 وجوه للحب، وهي الجائزة التي أكدت موهبته الكبيرة وقدرته على تقديم أداء استثنائي يلامس المشاعر بصدق، كما شارك في أعمال حققت نجاحات عربية ودولية، وأسهمت في تقديم صورة مشرفة للفن المصري خارج الوطن العربي، ليصبح واحدًا من الفنانين الذين حافظوا على قيمة الفن ورسالة الدراما في زمن كانت فيه الجودة عنوانًا رئيسيًا للإبداع.

رحيل مبكر
وفي 16 يوليو عام 1995، رحل أحمد مرعي عن عالمنا عن عمر ناهز 53 عامًا، بعد رحلة فنية ثرية بالأعمال المهمة التي ما زالت تحظى بمكانة خاصة لدى الجمهور حتى اليوم، ورغم رحيله المبكر، بقيت أعماله شاهدًا على موهبة استثنائية لفنان لم يبحث عن الأضواء بقدر ما سعى إلى ترك أثر حقيقي في وجدان المشاهد، وبعد مرور سنوات طويلة على غيابه، لا يزال اسم أحمد مرعي حاضرًا بقوة في ذاكرة محبي الفن الراقي، باعتباره واحدًا من الفنانين الذين قدموا أعمالاً خالدة أثرت المكتبة الفنية المصرية والعربية.






