نهاد شعبان

مع بداية فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، تصبح شبكة الكهرباء في مصر وغيرها من الدول تحت ضغط متزايد ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، فبين تشغيل المكيفات لساعات طويلة، وزيادة الطلب على الكهرباء في المنازل والمصانع، تدخل المنظومة الكهربائية في حالة استنفار غير معلنة، حيث يلتقي الاستهلاك المرتفع مع الأحمال القصوى، لتظهر صعوبات فنية واقتصادية معقدة.
فالحرارة المرتفعة لا تؤثر فقط على راحة الإنسان، بل تمتد آثارها إلى البنية التحتية للطاقة نفسها، فعندما ترتفع درجات الحرارة، تقل كفاءة نقل الكهرباء عبر الخطوط الهوائية والكابلات، حيث تزيد المقاومة الكهربائية داخل الأسلاك، ما يؤدي إلى فقدان جزء أكبر من الطاقة أثناء النقل، وهذه الظاهرة، التي تبدو بسيطة فيزيائيا تتحول على أرض الواقع إلى عبء إضافي على الشبكة، خاصة في ساعات الذروة.

وفي المقابل، يزداد استهلاك الكهرباء بشكل كبير بسبب الاعتماد المكثف على أجهزة التبريد مثل المكيفات والمراوح، حيث تشير تقديرات قطاع الطاقة في العديد من الدول إلى أن أجهزة التكييف وحدها قد تمثل نسبة كبيرة من الأحمال الكهربائية خلال موجات الحر، وهذا الارتفاع المفاجئ في الطلب يضع محطات التوليد أمام تحدي مضاعفة الإنتاج خلال فترات قصيرة، وهو ما لا يكون دائما سهلا أو اقتصاديا، فالمعادلة ليست مجرد إنتاج المزيد من الكهرباء، بل الحفاظ على استقرار المنظومة بالكامل، كما أن أي زيادة غير مدروسة في الأحمال قد تؤدي إلى أعطال متسلسلة أو انقطاعات في بعض المناطق، خاصة إذا تزامنت مع أعطال فنية أو ضغط على محطات التحويل.
ولا يتوقف تأثير الحرارة عند حدود الإنتاج والنقل فقط، بل يمتد إلى كفاءة المعدات نفسها، فالمحولات الكهربائية على سبيل المثال، تعمل بكفاءة أقل كلما ارتفعت درجة حرارتها، وقد تحتاج إلى تبريد إضافي أو تقليل الأحمال عليها لتجنب التلف، كما تتأثر الكابلات الأرضية والهوائية بالتمدد الحراري، وهو ما قد يسبب في بعض الحالات أعطالا أو تراجعا في الأداء.

من ناحية أخرى، تلعب أنماط الاستهلاك السلوكي دورًا محوريًا في تفاقم المشكلة، فمع ارتفاع الحرارة، يزداد استخدام الأجهزة الكهربائية في نفس الوقت تقريبا، خاصة خلال فترات الظهيرة، وهو ما يعرف بـ”ذروة الأحمال”، وهذا التزامن يخلق ضغطًا كبيرًا على الشبكة مقارنة بأوقات التوزيع الطبيعي للاستهلاك، ولمواجهة هذه الصعوبات، تعتمد شركات الكهرباء على مجموعة من الإجراءات، أبرزها إدارة الأحمال، وتحسين كفاءة محطات التوليد، وتوسيع قدرات الشبكة، كما يتم في بعض الحالات اللجوء إلى حملات توعية للمواطنين بهدف ترشيد الاستهلاك، مثل تقليل استخدام الأجهزة عالية الاستهلاك في أوقات الذروة، وضبط درجات حرارة المكيفات عند مستويات مناسبة، كما تتجه بعض الدول إلى الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية، خاصة في المناطق التي تتمتع بسطوع شمسي مرتفع خلال الصيف، وهذه المصادر يمكن أن تساعد في تخفيف الضغط عن الشبكة خلال ساعات النهار، رغم أنها لا تزال تحتاج إلى حلول تخزين فعالة لضمان الاستفادة منها في أوقات الذروة المسائية.
ورغم كل الإجراءات، تبقى موجات الحر الشديدة تحديا متكررا ومتزايدا، خاصة في ظل التغيرات المناخية العالمية التي تؤدي إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة وزيادة تواتر الظواهر الجوية القاسية، وهذا يجعل من تطوير البنية التحتية للكهرباء ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار تقني، وهوما يؤكد أن العلاقة بين الحرارة المرتفعة والكهرباء هي علاقة ضغط متبادل، فكلما ارتفعت درجة الحرارة، زاد الطلب على الطاقة، وفي الوقت نفسه تقل كفاءة نقلها وتشغيلها، وبين هذين القطبين، تعمل شبكات الكهرباء للحفاظ على استمرارية الحياة اليومية، بينما يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الطلب المتزايد والقدرة على الاستجابة المستدامة.



