فوهات دمت البركانية.. إرث جيولوجي أعادته مأساة المغامر اليمني إلى الضوء

حرضة دمت.. ثروة علمية وسياحية تستحق الحماية والاستثمار

دينا زكريا

أعاد رحيل المغامر اليمني القعقاع العبسي، الملقب بـ”سبايدر مان اليمن”، تسليط الضوء على إحدى أكثر الظواهر الطبيعية غموضًا وإثارة في اليمن، وهي فوهات دمت البركانية الواقعة في محافظة الضالع، حيث تختبئ هذه الفوهات بين الجبال والوديان، لتبقى شاهدة على تاريخ جيولوجي عريق يمتد لملايين السنين، وفيما أثار الحادث تساؤلات بشأن مخاطر خوض المغامرات في المواقع الطبيعية الوعرة، فقد أعاد كذلك الاهتمام إلى منطقة تعد من أبرز مناطق اليمن الغنية بالظواهر البركانية والينابيع الحارة، حيث تمتزج المناظر الطبيعية الخلابة بتضاريس ما زالت تحتفظ بآثار نشاط بركاني قديم.

بقايا براكين صنعت ملامح المكان
تقع مدينة دمت فوق واحدة من المناطق التي شهدت نشاطًا بركانيًا واسعًا خلال مراحل جيولوجية ارتبطت بتكون البحر الأحمر وخليج عدن وانفصال الصفيحة العربية عن أفريقيا، وخلفت تلك التحولات العنيفة عددًا من الفوهات والمخاريط البركانية التي ما تزال واضحة المعالم حتى اليوم، حيث تعد “حرضة دمت” من أبرز وأشهر هذه الفوهات، إذ تبدو كحفرة عملاقة تتوسط تكوينًا بركانيًا دائريًا، فيما تنتشر في محيطها آثار النشاط الحراري الأرضي الذي منح المنطقة شهرتها الواسعة.

مدينة تنبض بالحياة
وعلى خلاف الصورة النمطية للمناطق البركانية القاحلة تحتضن دمت تجمعات سكانية وأراضي زراعية واسعة استفادت من التربة الغنية بالمعادن التي خلفتها الانفجارات البركانية القديمة، كما تشتهر المدينة بينابيعها الحارة التي يقصدها الزوار من مختلف المناطق للاستشفاء والاستمتاع بالمياه المعدنية الطبيعية، ما جعلها وجهة سياحية معروفة على المستوى المحلي.

أكثر من فوهة في قلب دمت
ولا تقتصر الظاهرة البركانية في دمت على فوهة حرضة وحدها، حيث تنتشر في المنطقة عدة فوهات ومخاريط بركانية متفاوتة الأحجام، ما يجعلها أشبه بمتحف جيولوجي مفتوح يروي فصولاً من تاريخ الأرض في جنوب الجزيرة العربية، ويرى باحثون أن هذه التكوينات الطبيعية تمثل سجلاً نادرًا يساعد على فهم التحولات الجيولوجية التي شهدتها المنطقة عبر العصور.

كما تعد الينابيع الحارة إحدى أبرز سمات دمت الطبيعية، ويُرجع المختصون ظهورها إلى تسرب مياه الأمطار داخل الشقوق الصخرية العميقة، حيث تكتسب حرارتها من باطن الأرض قبل أن تعود إلى السطح محملة بالأملاح والمعادن والكبريت، ولهذا السبب تحظى المنطقة باهتمام علمي متواصل لدراسة إمكاناتها في مجال الطاقة الحرارية الجوفية.

ورغم أن فوهات دمت لا تشهد نشاطًا بركانيًا معروفًا في الوقت الراهن، فإن طبيعتها الجيولوجية تجعلها عرضة لمخاطر متعددة، من بينها الانهيارات الصخرية والتشققات الأرضية والسيول المفاجئة.

إرث طبيعي ينتظر الحماية
ومع تزايد إقبال المغامرين وصناع المحتوى على زيارة الموقع خلال السنوات الأخيرة، برزت الحاجة إلى إجراءات تنظيمية وأدوات حماية تضمن سلامة الزوار وتحافظ في الوقت نفسه على هذا المعلم الطبيعي الفريد، حيث يؤكد مختصون أن فوهات دمت ليست مجرد وجهة للمغامرة أو التصوير، بل تمثل ثروة علمية وسياحية نادرة توثق مراحل مهمة من تاريخ تشكل الجزيرة العربية.