يوسف إدريس.. الطبيب الذي شخص وجع المصريين بالقصة القصيرة

نهاد شعبان

في مثل هذا اليوم، 19 مايو، وُلد الكاتب الكبير يوسف إدريس، ذلك الاسم الذي تحول مع السنوات إلى علامة فارقة في تاريخ الأدب العربي، وأحد أبرز من أسسوا لفن القصة القصيرة في مصر والعالم العربي، لم يكن يوسف إدريس مجرد أديب يكتب الحكايات، بل كان صاحب مشروع إنساني انحاز فيه للناس البسطاء والمهمشين، ونجح في تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى أدب حي ينبض بالمشاعر والأسئلة.

استطاع يوسف إدريس أن يصنع لنفسه مكانة استثنائية بين أبناء جيله، ليس فقط بموهبته الكبيرة، ولكن بقدرته الفريدة على الاقتراب من الإنسان المصري الحقيقي، ذلك الإنسان الذي يعيش بعيدا عن الأضواء، ويحمل همومه اليومية بصمت، ولهذا ظل أدبه قريبا من القراء، مهما تعاقبت السنوات وتبدلت الأجيال.

من “القصر العيني” إلى عالم الأدب
بدأ يوسف إدريس حياته المهنية طبيبا بعد تخرجه من كلية الطب عام 1951، حيث عمل في مستشفى القصر العيني، وكان يبدو أنه يسير في طريق مهني مستقر وناجح، لكن خلف المعطف الأبيض، كان هناك كاتب يتشكل بهدوء، يراقب البشر، ويتأمل حكاياتهم، ويشعر أن رسالته الحقيقية تتجاوز علاج الأجساد إلى التعبير عن آلام الناس وأحلامهم.

داخل المستشفى، رأى يوسف إدريس وجوه الفقراء والبسطاء عن قرب، وشاهد التفاوت الاجتماعي والقهر الإنساني في صورته الأكثر وضوحا، تلك المشاهد لم تمر داخله مرورا عابرا، بل تحولت إلى مادة إنسانية صنعت جزءا كبيرا من عالمه الأدبي فيما بعد، وربما لهذا السبب شعر سريعا أن الطب، رغم أهميته، ليس المكان الذي يستطيع أن يحقق فيه ذاته بالكامل.

ومع الوقت، اتخذ القرار الأصعب في حياته، حيث ترك مهنة الطب التي درسها سنوات طويلة، واتجه إلى الصحافة والأدب، ليعمل محررًا في جريدة “الجمهورية” عام 1960، ويبدأ مرحلة جديدة أكثر اقترابا من شغفه الحقيقي.

الحس الثوري وبدايات التمرد
لم يكن يوسف إدريس بعيدًا عن السياسة أو القضايا الوطنية خلال شبابه، فمنذ سنوات الدراسة الجامعية، شارك في مظاهرات عديدة ضد الاستعمار البريطاني، وكان يمتلك حسا ثوريا واضحا جعله دائم الاشتباك مع الواقع السياسي والاجتماعي من حوله، وهذا التمرد المبكر دفعه إلى السجن والابتعاد عن الدراسة، وهي تجربة تركت أثرا عميقا في تكوينه النفسي والفكري، فقد خرج منها أكثر قربًا من فكرة الحرية، وأكثر انحيازا للإنسان البسيط الذي يدفع ثمن القهر والاستبداد في كل زمان، وفي خلال تلك الأجواء المشحونة، كتب يوسف إدريس أول قصة قصيرة في حياته، لتكون نقطة التحول الحقيقية في مستقبله، حيث أن القصة لاقت إعجابا كبيرا بين زملائه، وشعر وقتها للمرة الأولى أن الكتابة ليست مجرد هواية عابرة، بل قدر حقيقي ينتظره، وبعد ذلك بدأت أعماله تجد طريقها إلى النشر في صحف ومجلات مهمة مثل “المصري” و”روز اليوسف”، لتبدأ رحلة الكاتب الشاب الذي سيصبح لاحقًا أحد أهم الأصوات الأدبية في العالم العربي.

يوسف إدريس والصدام مع السُلطة
عُرف يوسف إدريس بجرأته الكبيرة، سواء في الأدب أو في آرائه السياسية، لم يكن من نوعية الكتاب الذين يفضلون البقاء في المنطقة الآمنة، بل اختار دائما أن يعبر عن مواقفه بصراحة، وهو ما أدخله في صدامات متكررة مع السُلطة، خاصة خلال فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات، بسبب تعليقاته السياسية وانتقاداته الجريئة، فابتعد يوسف إدريس عن المشهد الثقافي لفترة، وقل ظهوره في الصحافة والحياة العامة، لكن حضوره الأدبي لم يختف أبدا، لأن أعماله كانت قد نجحت بالفعل في الوصول إلى الناس وترك أثرا عميقا داخلهم، وبعد حرب أكتوبر، عاد يوسف إدريس إلى الساحة بقوة، وأصبح واحدا من كبار كتاب مؤسسة الأهرام، محتفظا بنفس الروح المتمردة والأسلوب المختلف الذي ميزه طوال حياته.

“أرخص ليالي”.. البداية الحقيقية لأمير القصة العربية
حين صدرت مجموعة “أرخص ليالي”، لم تكن مجرد كتاب قصصي جديد، بل كانت إعلانا عن ميلاد صوت مختلف في الأدب العربي، فقد اعتبرها النقاد واحدة من المجموعات المؤسسة لفن القصة القصيرة في مصر، خصوصا أنها جاءت في وقت لم تكن فيه ملامح هذا الفن قد استقرت بشكل كامل، وتميز يوسف إدريس في قصصه بقدرته المدهشة على بناء الشخصيات بسرعة وعمق في آن واحد، كان يستطيع أن يخلق عالما كاملا من خلال موقف بسيط أو حوار قصير، وأن يجعل القارئ يشعر بأنه يعرف هذه الشخصيات معرفة شخصية.

والأهم من ذلك أنه اقترب من لغة الناس الحقيقية، فابتعد عن التعقيد والتكلف، وكتب بأسلوب بسيط لكنه شديد العمق والصدق، لذلك شعر القراء أن قصصه تشبه حياتهم اليومية، وأن أبطالها يمكن أن يكونوا جيرانهم أو أقاربهم أو حتى أنفسهم.

إخلاص نادر لفن القصة القصيرة
في الوقت الذي اتجه فيه كثير من أبناء جيله إلى كتابة الرواية باعتبارها الفن الأكثر انتشارا وتأثيرا، ظل يوسف إدريس وفيا للقصة القصيرة، مؤمنا بأنها الفن الأكثر قدرة على التقاط لحظة إنسانية مكثفة وصادقة، ورغم أنه كتب رواية “البيضاء”، فإن عالمه الحقيقي ظل دائمًا داخل القصة القصيرة، التي منحها عمره وموهبته واهتمامه الكامل، ولذلك ارتبط اسمه بهذا الفن أكثر من أي كاتب عربي آخر تقريبا، حتى أصبح لقب “أمير القصة العربية” مرتبطا به وحده، وكان يوسف إدريس يرى أن القصة القصيرة ليست فنا صغيرا كما يعتقد البعض، بل مساحة شديدة العمق يمكن من خلالها التعبير عن الإنسان بكل تناقضاته وضعفه وقوته وأحلامه.

الإنسان أولا وأخيرا
ما منح يوسف إدريس هذه المكانة الخاصة هو انحيازه الدائم للإنسان البسيط، فلم يكن مفتونا بالبطولات الكبرى أو الشخصيات الاستثنائية، بل كان يرى البطولة الحقيقية في الإنسان العادي الذي يقاوم الحياة يوميًا بصمت، كما أنه كتب عن الفلاح والعامل والموظف البسيط والمرأة المهمشة، ونجح في أن يمنح هؤلاء جميعا صوتا داخل الأدب، ولهذا السبب بقيت أعماله حية حتى اليوم، لأن الإنسان الذي كتبه يوسف إدريس لا يزال موجودًا في كل مكان، ورغم رحيله في الأول من أغسطس عام 1991، فإن حضوره لم يتراجع، بل بقيت أعماله شاهدة على موهبة استثنائية استطاعت أن تحول تفاصيل الحياة اليومية إلى أدب خالد، وأن تجعل من القصة القصيرة مرآة حقيقية لوجع الإنسان.