أحمد فؤاد نجم.. حكاية شاعر فاز بجائزته الأولى من خلف القضبان

في حضرة “الفاجومي”.. حين صار الشعر سلاحًا للفقراء
نهاد شعبان

في مثل هذا اليوم، 22 مايو 1929، وُلد الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم، ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد شاعر عامية عابر، وإنما حالة إنسانية وثقافية كاملة، استطاعت أن تترك أثرا عميقا في وجدان المصريين والعرب، عرفه الناس بلقب “الفاجومي”، ليس فقط بسبب جرأته الصادمة، وإنما لأنه كان دائم الاشتباك مع الواقع، منحازا للفقراء والبسطاء، وصاحب صوت لا يعرف المهادنة، لذلك لم يكن غريبا أن تختاره المجموعة العربية بصندوق مكافحة الفقر التابع للأمم المتحدة عام 2007 سفيرا للفقراء، باعتباره واحدا من أكثر الأصوات التي عبرت عن المهمشين في العالم العربي.

عاش “نجم” حياة قاسية منذ سنواته الأولى، وعرف الفقر مبكرا، فانعكس ذلك بوضوح على تكوينه الإنساني والشعري، لم يأت شعره من رفاهية الحياة أو من صالونات المثقفين، وإنما خرج من قلب الشارع المصري، من الحارات الضيقة والمقاهي الشعبية والوجوه المنهكة التي كانت تبحث عن صوت يشبهها، ولهذا السبب كان قريبا من الناس دائما، فكان شعره مفهوما وعميقا في الوقت نفسه، ساخرا وغاضبا، لكنه لا يخلو أبدا من الحس الإنساني الدافئ.

سنوات السجن
بدأ أحمد فؤاد نجم رحلته الشعرية خلال خمسينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت تحولات اجتماعية وسياسية ضخمة في مصر، لكن حياته لم تسر في طريق هادئ، حيث تعرض للاعتقال بتهمة التزوير، ليجد نفسه داخل السجن في تجربة ستغير حياته بالكامل، وهناك لم يتحول السجن إلى نهاية أو عزلة، بل أصبح بداية حقيقية لوعيه الفكري والشعري، بعدما التقى بعدد كبير من سجناء الرأي والمثقفين، وكان أغلبهم من الشيوعيين الذين فتحوا أمامه أبوابا جديدة للتفكير والنقاش.

داخل الزنازين، استمع “نجم” إلى قصائد وتجارب إنسانية وسياسية مختلفة، وكان للشاعر فؤاد حداد أثر خاص في تكوينه الشعري، ومن هذه التجربة خرج أكثر نضجا ووعيا، مدركا أن الكلمة يمكن أن تكون سلاحا حقيقيا في مواجهة القهر، وقد لخص تلك المرحلة في ديوانه الشهير “صور من الحياة والسجن”، الذي لم يكن مجرد كتاب شعري، بل شهادة إنسانية على عالم المسجونين وأحلامهم وانكساراتهم، استطاع “نجم” أن ينقل تفاصيل الحياة خلف القضبان بلغة بسيطة ومؤثرة، جعلت القارئ يشعر بأنه يعيش التجربة بنفسه.

البداية الحقيقية
المفارقة الأهم في رحلة “نجم” أن موهبته الحقيقية خرجت إلى النور بينما كان لا يزال داخل السجن، فقد شارك في مسابقة “الكتاب الأول” التي نظمها المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون، وفاز بالجائزة عن أعماله الشعرية، وهو ما فتح أمامه أبواب الاعتراف الأدبي للمرة الأولى، وبعدها صدر ديوانه “من شعر العامية المصرية”، بينما كان ما يزال خلف القضبان.

لم يكن نجم شاعرًا تقليديًا، بل كان صاحب مشروع مختلف تماما، حيث استطاع أن يمنح العامية المصرية قيمة فنية وفكرية كبرى، وأن يحول اللغة اليومية البسيطة إلى أداة للتعبير عن القضايا السياسية والاجتماعية والإنسانية، لذلك شعر الناس أن قصائده تخصهم شخصيا، وأنه يعبر عن أحلامهم وغضبهم وآلامهم، وهو ما منحه مكانة استثنائية بين شعراء جيله.

لقاء التاريخ
في عام 1962 جاءت المحطة الأهم في حياة أحمد فؤاد نجم، حين التقى الشيخ إمام عيسى، في واحدة من أشهر الشراكات الفنية في تاريخ الثقافة العربية، كان اللقاء بين شاعر يكتب بوجع الناس، ومطرب ضرير يمتلك صوتا يحمل صدق الشارع وروحه، فخرج من اجتماعهما فن مختلف تماما، تجاوز حدود الأغنية التقليدية إلى مساحة أوسع من الاحتجاج والغضب والأمل.

كانت أغنية “أنا أتوب عن حبك أنا” هي أولى ثمار هذا التعاون، لكنها لم تكن سوى البداية، بعد ذلك تحولت أغنيات الثنائي إلى جزء من الوعي السياسي والاجتماعي لجيل كامل، خاصة بين الطلاب والمثقفين والبسطاء، فلم تكن أغنياتهم مجرد أعمال فنية، بل كانت أشبه ببيانات شعبية تُغنى في الشوارع والمظاهرات والمقاهي، وقد تعرض الثنائي بسبب مواقفهما السياسية للمنع والملاحقة والسجن، لكن ذلك لم يزد حضورهما إلا قوة وتأثيرا.

قصائد خالدة
استطاع أحمد فؤاد نجم أن يكتب قصائد بقيت حاضرة في الذاكرة العربية حتى اليوم، لأنه كان يكتب بصدق كامل، دون تزييف أو تصنع، تميز شعره بالبساطة والقدرة على التقاط التفاصيل اليومية الصغيرة وتحويلها إلى صور شعرية ساخرة وعميقة في آن واحد، وكان قادرا على التعبير عن الغضب الشعبي بلغة يفهمها الجميع، ولهذا أصبحت قصائده جزءا من الثقافة الشعبية المصرية.

ومن أشهر أعماله التي ما تزال تتردد حتى الآن: يعيش أهل بلدي، هما مين وإحنا مين، جيفارا مات، الخواجة الأمريكاني، تذكرة مسجون، والأقوال المأثورة،  كما أصدر عددا كبيرا من الدواوين المهمة، من بينها كلام على سفر، بيان هام، نوارة، أغنيات الحب والحياة، والفاجومي سيرته الذاتية، بالإضافة إلى الأعمال الشعرية الكاملة، وكانت أعماله دائما تحمل روح التمرد والانحياز للإنسان البسيط.

حضور مستمر
ورغم رحيل أحمد فؤاد نجم، فإن حضوره ما يزال قائما بقوة في الوجدان الثقافي والشعبي المصري، فالكلمات التي كتبها منذ عقود ما تزال قادرة على لمس الناس والتعبير عنهم، لأن الشعر الحقيقي لا يرتبط بزمن بعينه، وقد تحولت تجربة “نجم” إلى مصدر إلهام لأجيال جديدة من شعراء العامية، الذين رأوا فيه نموذجا للشاعر المنحاز لقضايا الناس دون خوف أو مساومة.