نزع سلاح الحزب أم احتلال أراضي.. ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟

رغم هيمنة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على الساحة السياسية، فإن الحرب المتزامنة من إسرائيل على لبنان تخلف خسائر بشرية، إذ تجاوز عدد القتلى اللبنانيين الألفين، وتشرد أكثر من مليون لبناني منذ الحرب.

وتعد هذه الحرب امتدادًا لهجمات سابقة، حيث أن إسرائيل ولبنان في حالة حرب من الناحية الفنية منذ عام 1948، في ظل غياب أي علاقات دبلوماسية من أي نوع، بينما تمثل حدودهما المشتركة خط مواجهة مستمر.

ومَثل شهر مارس التصعيد الحاد في النطاق والحجم منذ عام 2006، ويمكن تتبع جولة الصراع الأخيرة إلى هجوم حزب الله على إسرائيل عقب هجمات السابع من أكتوبر من جانب حماس، واندلعت الحرب الشاملة في عام 2024 بعد أشهر من المناوشات، وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، شنت إسرائيل المئات من الهجمات على مواقع تدعي أنها لحزب الله.

لطالما بحثت تل أبيب عن ذريعة لاستئناف الحرب، ومنذ بدأ عملية الغضب الملحمي، شنت إسرائيل هجمات عنيفة على لبنان استهدفت مئات المواقع، بما في ذلك مراكز القيادة لحزب الله ومخازن الأسلحة وقادة عسكريين وأفراد، لاسيما من قوات رضوان النخبوية، وتوغلت القوات البرية الإسرائيلية عدة كيلومترات داخل لبنان.

أعاد المسئولون الإسرائيليون صياغة الأهداف المعلنة للصراع، مبتعدين عن نزع سلاح حزب الله الوشيك، مما يشير إلى نهج أكثر إطالة لأمد الحرب، وتبلورت في أهداف أضيق تتمثل في إقامة منطقة أمنية في جنوب لبنان، ومواصلة مهاجمة مواقع حزب الله وعناصره، مع الضغط على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح التنظيم.

 أهداف  إسرائيل
تقول تل أبيب إن هدفها الرئيسي المعلن هو إضعاف حزب الله وليس القضاء عليه، فلطالما انتهجت تل أبيب نهج “السيطرة التدريجية” على جماعات المقاومة، حيث تسعى لإبقائها ضعيفة لمعرفتها تمام المعرفة باستحالة التوصل إلى حل سياسي، لذا فإنها تشن هجماتها المتكررة لمنع جماعات المقاومة من استعادة قوتها، ومع توجه أنظار العالم نحو إيران، استغلت إسرائيل الفرصة لتوجيه سلسة من الضربات العنيفة لحزب الله.

ومع ذلك تنطوي هذه الاستراتيجية على مخاطر مستمرة، فحتى مع تضاؤل نفوذ حزب الله إلا أنه لا يزال قادرًا على زعزعة استقرار شمال إسرائيل والتصعيد بشكل غير متوقع، في حين أن نصيب الأسد من المعاناة سيكون للكثير من اللبنانيين العاديين، ما يجعل إسرائيل تسلم بأن الصراع مع حزب الله سيستمر كسمة متكررة في المشهد الأمني ​​الإقليمي.

تركز تل أبيب أهدافها بشكل خاص على المنطقة القريبة من حدودها الشمالية، حيث تخشى إسرائيل أن ينتهج حزب الله نهج حماس في 7 أكتوبر 2023، في شن غارات عبر الحدود إلى إسرائيل من جنوب لبنان، وكذلك الحد من الهجمات من تهديد ترسانة صواريخ حزب الله، والتي يتكون معظمها من الصواريخ قصيرة المدى مثل كاتيوشا وفجر 1 وفجر 3، والتي لا يتجاوز مدها الـ30 ميلاً  للإصابة داخل إسرائيل.

وقد دعت إسرائيل اللبنانيين إلى إخلاء الجنوب اللبناني بما في ذلك البلدات الحدودية وأحياء في مدن رئيسية كبيروت، وقد شرعت القوات البرية الإسرائيلية في تدمير البنية التحتية العسكرية لحزب الله وإنشاء منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع.

وضع حزب الله
على الرغم من انخراط حزب الله بقوة ورده على عمليات إسرائيل، إلا أن قوته اضعف بكثير مما كانت عليه قبل سنوات، ويمثل وضع حزب الله حاليًا فرصة لخصومه في الداخل اللبناني لتعزيز نفوذهم في مواجهة الحزب الذي كان يتمتع بنفوذ سياسي وعسكري كبير في لبنان، وقد أقر زعيم حزب الله نعيم قاسم، بأن التنظيم تكبد 18 ألف ضحية من بينهم 5 آلاف قتيل، في حرب 2024، كما أنه فقد جزء كبير من ترسانته الصاروخية.

كما فرضت الحكومة اللبنانية بعض القيود على المؤسسات المالية التابعة لحزب الله، وما زاد الطين بلة سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وهو من أهم حلفاء حزب الله وطريق السلاح والتمويل له من إيران، وتزايد الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلى جانب المشاكل الاقتصادية الإيرانية، جعلت من الصعب على طهران الاستمرار في دعم حزب الله ماليًا، والتي ستزيد في المستقبل إذا نجا النظام الإيراني من حربه الأخيرة.

مصير لبنان
لا يزال لبنان عاجزًا عن تنفيذ أي من القرارات التي اتخذها ضد حزب الله أو داعمه الإيراني، بما في ذلك حظر أنشطة حزب الله العسكرية، وتوجيه الجيش اللبناني بنزع سلاح الحزب، وفي غضون ذلك يواصل حزب الله القتال متحديًا أوامر بيروت، وفي خضم هذا المأزق، لم يبد المجتمع الدولي بما فيه الولايات المتحدة، اهتمامًا عمليًا يذكر بإنهاء الصراع في لبنان.

إمكانية نزع السلاح
أوضح رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، إيال زامير، هذا الهدف مع بداية تجدد القتال هونزع سلاح الحزب،  قائلاً إن إسرائيل “لن تتراجع عن نزع سلاح حزب الله”، وقد ردد العديد من كبار المسؤولين الإسرائيليين هذا الموقف منذ ذلك الحين.

إلا أن “زامير” أوضح لاحقًا أنه يتصور تحقيق هذا الهدف من خلال عملية طويلة الأمد، ولعل هذا التقييم يعكس ما توصل إليه الجيش الإسرائيلي، حيث أعاد صياغة أهدافه بشكل أكثر تحديدًا، قائلاً إن نزع سلاح حزب الله عسكريًا أمر غير واقعي لأن مثل هذا المسعى سيتطلب احتلال لبنان بأكمله، وهو ما يتجاوز إمكانيات إسرائيل.

ويفتقر الجيش الإسرائيلي إلى القوة البشرية الكافية لاقتحام هذه المعاقل والسيطرة عليها حتى يتم نزع سلاح حزب الله، ويضم الجيش الإسرائيلي الذي يبلغ قوامه نحو 635 ألف جندي من القوات العاملة والاحتياطية، قوة قتالية أصغر بكثير تستطيع القيام بذلك الهدف.

ما يُعني أنه سيتعين على إسرائيل احتلال أراضٍ غير مستقرة على امتداد خطوط طويلة، مع التقدم شمالا عبر جنوب لبنان، وصولا إلى الضاحية على طول الساحل، وعلى طول الحدود الشمالية الشرقية للبنان مع سوريا، كل ذلك في ظل نقص في القوات وكثرة الانشغالات على جبهات حيوية أخرى.

ومع الاستعداد لاحتمال اندلاع اشتباكات في جبهات إضافية، لا يمكن للقوة الجوية وحدها نزع سلاح حزب الله، وقد أضرت الحملة الجوية الإسرائيلية المتواصلة على مدى الأشهر الخمسة عشر الماضية الحزب، لكنها لم توقفه من إعادة البناء الشاملة.

الحلول الواقعية
يخطط الجيش الإسرائيلي لتقديم اقتراح قريبًا إلى حكومة “نتنياهو” لإنشاء منطقة أمنية في جنوب لبنان على بعد حوالي 2-3 كيلومتر من الخط الأزرق، وهو خط الحدود الفعلي بين إسرائيل ولبنان، وبحسب الخطة لن تُبنى أي مواقع عسكرية إسرائيلية في المنطقة، وسيتم إجلاء المدنيين اللبنانيين من المنطقة لمنع أي احتكاك بين السكان المحليين وقوات الجيش الإسرائيلي.

وقد بدأ الجيش الإسرائيلي بالفعل بالتوغل في جنوب لبنان لإنشاء هذه المنطقة العازلة، حيث سيطر في بعض الحالات على الخط الثاني من القرى الحدودية اللبنانية الواقعة على بعد حوالي 6 كيلومترات من الحدود، وينوي الجيش الإسرائيلي الوصول إلى شمال نهر الليطاني على طول الساحل الجنوبي اللبناني وداخل البلاد قبل التراجع إلى المنطقة الضيقة، وهو أمر لا يمكن ضمانه.

النموذج الياباني
لم تكن اليابان قد هُزمت بشكل كامل في الحرب العالمية الثانية، عندما أُلقيت القنابل الذرية على هيروشيما وناجازاكي، حيث اعتقد بعض الضباط اليابانيين أن الجيش لا يزال يمتلك قوة كافية للتفاوض على سلام مشرف، فقاموا بمحاولة انقلاب قصيرة الأمد لتحقيق توازن على الأرض.

وعلى ما يبدو أن إسرائيل تريد شيئًا مشابهًا مع حزب الله لما سعى إليه الأمريكيون مع اليابان، وهو الاستسلام غير المشروط، وبالتالي تسعى إسرائيل إلى ما هو أبعد من مجرد إجبار الحكومة اللبنانية على تجاوز السياسة المعلنة إلى التنفيذ الفعلي لحظرها أسلحة حزب الله.

إلا أن قدرة الحكومة على الامتثال موضع شك، لا سيما بسبب المخاوف بشأن تماسك الجيش اللبناني إذا أمر بنزع السلاح بالقوة، لذا فإن نزع سلاح المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني حتى نهر العوالي قرب صيدا، على غرار ما طالبت به إسرائيل في سوريا هو الخيار الواقعي، حيث أصرت على نزع سلاح المنطقة الواقعة جنوب دمشق، وهو ما يذكرنا اتفاقية الخطوط الحمراء لعام 1976، وهي اتفاقية سرية بين إسرائيل وسوريا تفاوض عليها الأمريكيون، والتي نصّت على عدم تجاوز سوريا نهر العوالي.

إن التهديدات بالإجلاء يشكل ضغطًا هائلاً على حزب الله وعلى الدولة اللبنانية، فضلاً عن تأثيره على حياة عشرات الآلاف من المواطنين، ومن خلال إجبار السكان على مغادرة جنوب لبنان وأجزاء من البقاع والضواحي الجنوبية، تعيد إسرائيل تشكيل التركيبة السكانية وتنشئ جيوبًا واسعة من النزوح الداخلي، وكذلك مخاطر استعداء الطائفة الشيعية وتفاقم التوترات في بلد منقسم على أسس طائفية.

من السابق لأوانه التنبؤ بدقة بموعد وكيفية انتهاء الحرب، وإذا ما وصلت الحرب مع إيران إلى نوع من الحسم، فمن المرجح أن تستمر جبهة حزب الله وإسرائيل إلى أن تقتنع إسرائيل بأن حزب الله لم يعد قادرًا على الوجود كقوة عسكرية، ولكن من المؤكد أن حزب الله الذي سيخرج من هذه الحرب لن يكون هو نفسه حزب الله الذي دخلها.