ليس اخرهم ..أفريقي يزعُم شق البحر مثل سيدنا موسى.. القصة الكاملة لظواهر مدعي النبوة

بين الوهم والسلطة .. رجل إفريقي يدعي النبوة ويزعم شق البحر مثل سيدنا موسى ويعيد فتح الجدل حول مُدعي النبوة

ترواد على وسائل التواصل الإجتماعي  فيديو لرجل من أصول إفريقية يدعي النبوة وأنه يستطيع فعل المعجزات فجمع مُريديه أمام البحر وقام بتلاوة الصلوات وأمسك بعصا مدعيًا قدرته على شق البحر كما فعل سيدنا موسى عليه السلام عندما عبر البحر هو والمؤمنين وأنقذه الله عز وجل وأغرق فرعون من خلفه، ولكن للأسف بائت بالفشل  فلم يستطيع تنفيذ معجزته، وقاوم الغرق قبل أن تُسقطه موجه أخرى أمام أتباعه.

المشهد أعاد بنا الذاكرة لظاهرة بعض الأشخاص لإدعائهم النبوة وقدرتهم على تنفيذ المعجزات دون عن الآخرين.

منذ مئات السنين ظهر أشخاص يعلنون أنهم أنبياء أو مرسلون من السماء أو أصحاب قوى خارقة تتجاوز قدرات البشر الطبيعية ومع تطور العالم لم تختفِ هذه الظاهرة بل عادت بأشكال جديدة أكثر انتشارًا عبر وسائل الإعلام والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي حيث أصبح من السهل لأي شخص أن يجذب جمهورًا واسعًا ويقنع بعض الناس بأنه يمتلك رسالة إلهية أو قدرة على صنع المعجزات.

النبوة المزعومة في العصر الحديث

خلال السنوات الأخيرة ظهرت شخصيات في دول مختلفة ادعت أنها تتلقى الوحي الإلهي من الله أو أنها تحمل رسالة سماوية جديدة وبعضهم أعلن أنه المهدي المنتظر أو المسيح العائد، بينما حاول آخرون تأسيس جماعات دينية خاصة بهم تعتمد على الطاعة المطلقة والإيمان بشخص القائد.

في العالم العربي ظهرت حالات متعددة أثارت الجدل الإعلامي خاصة في مصر والعراق ولبنان حيث أعلن بعض الأشخاص أنهم أنبياء مرسلون وأن لديهم القدرة على تفسير الدين بطريقة مختلفة، وقد انتشرت أفكارهم بشكل سريع عبر الفيديوهات المباشرة وصفحات التواصل الاجتماعي.

أما على المستوى العالمي فقد ظهرت جماعات حديثة يقودها أفراد يصفون أنفسهم بأنهم المُخلص أو المختار الإلهي ويعتمدون على التأثير النفسي والخطابة القوية لجذب الأتباع والسيطرة عليهم فكريًا وروحيًا.

ظاهرة ادعاء النبوة والخلاص عبر التاريخ الحديث

منذ عام 2003 وحتى 2026 ظهرت في العراق والعالم العربي والعالم جماعات وأشخاص ادعوا أنهم المهدي المنتظر أو ممهدون لظهوره أو حتى المسيح المخلص للبشرية. هذه الظواهر لم تكن جديدة، لكنها عادت بقوة مستفيدة من الأزمات السياسية والاجتماعية ومن الانتشار السريع عبر وسائل التواصل والإعلام

في العراق برز اسم أحمد الحسن البصري الذي أعلن أنه “اليماني”الممهد لظهور الإمام المهدي، وشكّل جماعة عرفت لاحقًا ب”اليمانية”، وقد داهمت القوات الأمنية بعض مقار أتباعه بعد العثور على أسلحة بحوزتهم. وبعدها بسنوات ظهرت جماعة “جند السماء” عام 2007، والتي تبنت أفكارًا دينية متشددة مرتبطة بظهور المهدي المنتظر.

وخلال السنوات الأخيرة تكررت حوادث فردية لأشخاص أعلنوا أنهم الإمام المهدي أو على اتصال مباشر به، كما حدث في بغداد عام 2023 حين صعد رجل فوق سياج أحد المساجد وصرخ أمام الناس معلنًا أنه المهدي المنتظر، بينما شهد عام 2026 توقيف شخص ادعى أنه المهدي وأن النبي عيسى والخضر يرافقانه، بينما أدعى شخص آخر إنه المهدي المنتظر أمام الكعبة المُشرفة.

المسيح عيسى بن مريم

ظاهرة “المخلص المنتظر” ليست حكرا على الإسلام فقط، بل ظهرت أيضا في اليهودية والمسيحية، فقبل ظهور السيد المسيح ادعى عدد من اليهود أنهم “الماشيح” المنتظر، وبعد المسيح استمرت محاولات مشابهة، المؤرخون تحدثوا عن شخصيات مثل ثوداس والمصري الكذاب وسيمون الساحر، الذين جمعوا أتباعا وأعلنوا امتلاكهم قوى إلهية أو رسائل سماوية قبل أن تنتهي حركاتهم بالعنف أو الفشل، وفي العصر الحديث ظهر أشخاص مثل جيم جونز وخوزيه لويس ميراندا الذين ادعوا أنهم تجسد للمسيح أو أصحاب رسالة خلاصية.

ويرى علماء النفس والاجتماع أن هذه الظواهر ترتبط بجنون العظمة أو استغلال الأزمات الدينية والاجتماعية لجذب الأتباع والسيطرة عليهم باسم الخلاص والمعجزات.

الألوهية وصناعة الزعامة المطلقة

ادعاء الألوهية ليس ظاهرة جديدة فقد عرفها التاريخ منذ الحضارات القديمة عندما كان بعض الحكام يقدمون أنفسهم باعتبارهم أبناء للآلهة أو تجسيد للروح على الأرض، لكن هذه الفكرة عادت في العصر الحديث بصورة مختلفة حيث ظهر أشخاص يلمحون إلى أنهم يمتلكون طبيعة فوق بشرية أو سلطة مقدسة لا يجوز معارضتها.

لكن الدراسات العلمية والتحقيقات الصحفية كشفت أن عددا من هذه المعجزات كان يعتمد على الخدع البصرية أو التأثير النفسي أو استغلال حاجة الناس للأمل، خاصة في المجتمعات التي تعاني من الفقر أو الأزمات الاجتماعية.

لماذا يصدق الناس هذه الادعاءات

هناك عوامل كثيرة تدفع بعض الناس إلى تصديق من يدعون النبوة أو امتلاك القوى الخارقة فالبعض يبحث عن الأمل في أوقات الأزمات والبعض الآخر يتأثر بالشخصية القوية والكلام العاطفي كما أن ضعف الوعي الديني أو العلمي يجعل بعض الأفراد أكثر قابلية للتصديق.

ولوسائل التواصل الاجتماعي دور كبير في انتشار هذه الظاهرة لأنها تسمح ببناء جمهور واسع خلال فترة قصيرة كما أن تكرار المحتوى والخطابات الحماسية يجعل بعض المتابعين يقتنعون تدريجيًا بالأفكار المطروحة.

البعد النفسي والاجتماعي والديني

يرى علماء النفس أن بعض من يدعي النبوة أو الألوهية قد يعانون من اضطرابات نفسية مثل جنون العظمة أو الهلاوس أو الشعور المرضي بالتفوق بينما يستخدم آخرون هذه الادعاءات كوسيلة للحصول على المال أو النفوذ أو الشهرة، كما تؤثر الظروف الاجتماعية والاقتصادية والاضطرابات الفكرية على ظهور مثل هذه الشخصيات لأن الناس في أوقات القلق والخوف يكونون أكثر استعدادًا للبحث عن قائد يمنحهم الشعور بالأمان والخلاص.

وترفض المؤسسات الدينية هذه الادعاءات وتعتبرها خروجًا عن العقائد المعروفة كما تتعامل بعض الدول مع هذه الحالات باعتبارها تهديد مؤثر للاستقرار الاجتماعي خاصة عندما تتحول إلى جماعات مغلقة تمارس السيطرة الفكرية على الأتباع.

وتُظهر مشاهد الأبعاد الدينية الجوانب الإنسانية  وحاجة الإنسان إلى الإيمان والبحث عن المعنى لكنها في الوقت نفسه تبرز خطورة استغلال الدين والعاطفة لتحقيق النفوذ والسيطرة ولذلك يبقى الوعي والتفكير النقدي والاعتماد على الأدلة من أهم الوسائل التي تحمي المجتمعات من الانخداع بمثل هذه الادعاءات.