“الضاحك الباكي”.. هزم الاحتلال بالضحك وأنهى خطأ طبي رحلته الفنية

في تاريخ الفن المصري أسماء كثيرة صنعت البهجة، لكن قليلين منهم استطاعوا أن يجمعوا بين الضحك والدموع في آن واحد كما فعل نجيب الريحاني، الفنان الذي حمل داخله وجهي المسرح “الضاحك والباكي”، فكان قادرا على انتزاع الضحكة من الجمهور، ثم تركه يفكر في همومه وقضاياه من خلال كوميديا راقية تحمل رسائل إنسانية ووطنية، وفي ذكرى رحيله، يظل “الريحاني” واحدا من أهم أعمدة المسرح المصري والعربي في النصف الأول من القرن العشرين، وصاحب مدرسة فنية ما زالت حاضرة حتى اليوم.

باب الشعرية
وُلد نجيب إلياس ريحانة، الذي عُرف لاحقا باسم نجيب الريحاني، في حي باب الشعرية بالقاهرة عام 1889، كان والده تاجرًا للخيول من أصول عراقية واستقر في مصر وتزوج من سيدة مصرية قبطية، وأنجب منها ثلاثة أبناء كان نجيب أحدهم، وحظى بتعليم جيد في مدرسة “الفرير” الفرنسية، وهناك بدأت ملامح موهبته الفنية في الظهور، حيث برع في إلقاء الشعر والتمثيل خلال الأنشطة المدرسية، لكن طريق الفن لم يكن مفروشًا بالورود، فبعد التخرج عمل موظفا بسيطا في إحدى شركات إنتاج السكر بالصعيد، محاولا تأمين حياته العملية، غير أن شغفه بالمسرح ظل أقوى من أي وظيفة أو استقرار مادي.

رفيق العمر
لم يستطع “الريحاني” التخلي عن حلمه الفني، فجمعته الصداقة والموهبة بالكاتب الكبير بديع خيري، ليشكلا معا واحدا من أهم الثنائيات في تاريخ المسرح المصري، حيث أسس الصديقان فرقة مسرحية استطاعت أن تقدم أكثر من ثلاثين مسرحية، مزجت بين الكوميديا والنقد الاجتماعي والسياسي، واستطاعت أن تقترب من الناس وتعبر عن أحلامهم ومعاناتهم، وخلال سنوات الاحتلال الإنجليزي لمصر، لعبت مسرحيات الريحاني دورا مهما في المقاومة الفنية، حيث حملت الكثير من النقد السياسي الساخر الذي كان يعبر عن رفض المصريين للواقع المفروض عليهم، لتصبح الكوميديا عنده أداة للتعبير الوطني بقدر ما كانت وسيلة للترفيه.

بديعة مصابني
أثناء إحدى جولاته الفنية في لبنان، تعرف “الريحاني” على الفنانة اللبنانية بديعة مصابني، ونشأت بينهما قصة حب انتهت بالزواج، عادت بديعة معه إلى القاهرة، حيث أسست كازينو بديعة الشهير وفرقتها المسرحية التي أصبحت مدرسة فنية خرجت العديد من نجوم الفن في مصر، ورغم النجاح الكبير الذي جمعهما، انتهت العلاقة بالانفصال، وبعد ذلك تزوج الريحاني من الألمانية لوسي دي فرناي، وأنجب منها ابنته الوحيدة “جينا”، التي كانت تمثل جانبا إنسانيا مهما في حياته بعيدا عن أضواء الشهرة.

“كشكش بيه وش السعد”
إذا كان لكل فنان شخصية ترتبط باسمه، فإن شخصية “كشكش بيه” كانت العلامة الأبرز في مسيرة نجيب الريحاني، وقد وصفها بنفسه في مذكراته بأنها “وش السعد” عليه، حيث كان يخرج منها ويعود إليها كلما أراد استعادة نجاحه الجماهيري، ومن خلال هذه الشخصية استطاع أن يرسم صورة ساخرة للمجتمع المصري، وأن يقدم كوميديا قائمة على الموقف والذكاء لا على الافتعال، ولهذا استحق لقب زعيم المسرح الفكاهي، وأصبح واحدا من أكثر الفنانين تأثيرا في تاريخ المسرح العربي.
ومن أشهر مسرحياته الجنيه المصري، والستات ما يعرفوش يكدبوا، وإلا خمسة، وحسن ومرقص وكوهين، وكشكش بك في باريس، ومجلس الأنس، وعشان سواد عينيها، وياما كان في نفسي، وظل يقدم أعماله حتى اعتزل المسرح عام 1946 بعد رحلة طويلة من العطاء.

شاشة السينما
لم يتوقف إبداع “الريحاني” عند المسرح، بل انتقل إلى السينما وترك فيها مجموعة من الأعمال التي تحولت إلى علامات خالدة في تاريخ الفن المصري، حيث قدم أفلاما ما زالت تُعرض حتى اليوم مثل “ياقوت أفندي”، و”بسلامته عايز يتجوز”، و”سلامة في خير”، و”لعبة الست”، و”أحمر شفايف”، و”أبو حلموس”، و”سي عمر”.
وجاء فيلم “غزل البنات” ليكون المحطة الأخيرة في مشواره الفني، حيث شارك في بطولته إلى جانب ليلى مراد وأنور وجدي ونخبة من كبار النجوم، إلا أن القدر لم يمهله لإكمال مشاهده الأخيرة، ما اضطر أنور وجدي إلى تعديل نهاية الفيلم بعد رحيله، ليصبح العمل بمثابة الوداع الأخير لفنان استثنائي.

رحيل مفاجئ
في أيامه الأخيرة أصيب الريحاني بمرض التيفود، وتم نقله إلى المستشفى اليوناني لتلقي العلاج بعدما تأثرت رئتاه بشكل كبير، وتروي الروايات المتداولة أن خطأً في إعطائه جرعة كبيرة من أحد الأدوية المخصصة لعلاج المرض أدى إلى تدهور حالته الصحية ووفاته، وفي الثامن من يونيو عام 1949 رحل نجيب الريحاني عن عمر ناهز الستين عاما، تاركا وراءه إرثا فنيا ضخما وجمهورا أحب فنه وصدق مشاعره، وبرحيله فقد المسرح العربي أحد أبرز رواده، لكن أعماله ظلت حية تتجاوز حدود الزمن.







