34 عاماً على رحيل “شهيد التنوير” فرج فودة الفكرة لا تموت برصاصة

تحل اليوم الذكرى الرابعة والثلاثون لاغتيال الكاتب والمفكر المصري البارز الدكتور فرج فودة، الذي طالته يد الإرهاب الأسود مطلع تسعينيات القرن الماضي عقب سلسلة من الفتاوى التكفيرية والتحريضية أطلقها أئمة التطرف، في واحدة من أبشع الجرائم التي هزت الوجدان الثقافي العربي وأعادت صياغة أسئلة حرية الفكر والتعبير في المنطقة، واحتفاءً بهذه الذكرى، تعقد الجمعية المصرية للتنوير ندوة ثقافية في تمام السادسة من مساء الأربعاء المقبل بمقر حزب الوفد بمنطقة الدقي، حيث يستضيف اللقاء كلاً من الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة حسام الحداد في كلمة بعنوان “هكذا تحدث فرج فودة”، والباحث أحمد سامر في ورقة بحثية تحت عنوان “هكذا يحدث في تديين الدولة”.

تفكيك بنية التطرف ودحض “المظلومية السياسية”.

وقد عُرف فودة بشجاعته الفكرية ومشرطه التحليلي النافذ في تفكيك بنية تيارات الإسلام السياسي، لاسيما في كتابه الشهير “الإرهاب”، الذي فند فيه حجج الجماعات المتطرفة ودحض روايتها التاريخية التي حاولت ربط نشأتها الدموية بـ “المظلومية السياسية” أو الصدام مع نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وفي سطور كتابه، يوثق فودة نشأة العنف الديني مؤكداً أن الإرهاب السياسي الديني قد بدأ تاريخياً مع نشأة جماعة الإخوان المسلمين، حيث كانت البيعة تتم على المصحف والمسدس، وهو ما اعترف به المرشد العام الأسبق أبو النصر في مذكراته المنشورة بجريدة الأحرار، مشيراً إلى أن مؤسس الجماعة حسن البنا قد لمعت عيناه وسعد سعادة بالغة حين أخرج أبو النصر مسدسه مؤكداً له أن المسدس هو الحل الحقيقي.

عقيدة التنظيم السري.. الرحم الحقيقي للإرهاب

ويستطرد فودة في قراءته المعمقة لاعترافات عبد المجيد حسن، قاتل رئيس الوزراء النقراشي باشا، مبرزاً خطورة التأصيل الفقهي المنحرف للاغتيال داخل التنظيم السري، وكيف زيف الفقهاء التاريخ لإقناع الشباب بأن الاغتيال السياسي “سُنّة”، في تشويه صارخ للنصوص والآيات القرآنيّة الدالة على حرمة الدم، ويخلص المفكر الراحل من خلال ذلك إلى نتيجة حاسمة بأن عقيدة التنظيم السري هي الرحم الحقيقي للإرهاب وليست البيئة السياسية المحيطة، وأن الإخواني سيد قطب لم يكن مجرد كاتب عابر، بل مارس دور “منسق الحدائق” لترتيب فكر تكفيري دامٍ، قطوفه حمراء قانية تزعج كل مؤمن بالدستور والقانون.

من مدرجات الزراعة إلى معارك العلمانية والدولة المدنية

وتعود الجذور الأولى للمفكر الراحل إلى بلدة الزرقا بمحافظة دمياط التي ولد فيها عام 1945، ورغم مسيرته الأكاديمية العلمية وحصوله على درجة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي من جامعة عين شمس، فإن شغفه الحقيقي وطموحه المعرفي انحازا كلياً إلى الفكر السياسي والديني، ليتحول خلال ثمانينيات القرن الماضي إلى الصوت العلماني الأبرز والمدافع الصلب عن مدنية الدولة، والفصل الحاسم بين الدين والسياسة، وقد أثرى المكتبة العربية بمؤلفات اتسمت بالجرأة والعمق وقراءة التاريخ الإسلامي قراءة نقدية تفكيكية، من بينها “الحقيقة الغائبة”، و”قبل السقوط”، و”النذير”، و”زواج المتعة”، ولم ينكفئ الراحل في صومعته الأكاديمية بل خاض مناظرات علنية شهيرة استقطبت الرأي العام، كان أبرزها مناظرة معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1992، والتي رسخ فيها رؤيته بأن الدين علاقة روحية سامية بين العبد وربه ولا يجوز تحويله إلى أداة للصراع السياسي.

المفارقة المأساوية.. رصاصات الجهل تقتل الجسد وتخلد الفكرة

وفي ثامن الأيام من يونيو عام 1992، وأثناء مغادرته مكتبه بمدينة نصر برفقة ابنه وصديق له، غيبت رصاصات الغدر فرج فودة عن المشهد الثقافي، ولعل المفارقة الأكثر مأساوية وصدمة في التحقيقات الجنائية اللاحقة، كانت اعتراف الجناة بأنهم لم يقرأوا حرفاً واحداً من مؤلفات الرجل، بل كانوا مجرد أدوات صماء نفذوا فتوى بالقتل والتهدير أصدرها شيوخ التطرف، ورغم مرور عقود على غيابه الجسدي، لا يزال فكر فرج فودة حاضراً بقوة كمنارة تنويرية يُستدعى نتاجها في كل معركة فكرية ضد التطرف، بوصفه رمزاً للشجاعة وحرية التعبير، وشاهداً حياً على أن رصاصات الظلامية قد تقتل الجسد، لكنها تعجز تماماً عن اغتيال الفكرة.