عقب “تصفير” المستحقات للشركات الأجنبية.. هل ندخل عصر الوفرة في الاكتشافات البترولية؟

المستحقات المتأخرة للشركاء الأجانب كان يمثل ضغطًا على ميزان المدفوعات

بعد مرور سنوات عديدة، شهدت تعثر الاكتشافات البترولية وتوقف العمل في مواقع التنقيب، لتراكم مديونيات شركات البترول العالمية العاملة في لتصل إلى 6.1 مليار دولار، إلا أن خطة الدولة كانت حاسمة في سداد كامل مستحقات الشركاء الأجانب، حيث طوت وزارة البترول رسميًا واحدًا من أعقد الملفات الاقتصادية وأكثرها تأثيرًا على أمن الطاقة، بإعلانها تصفير كامل مستحقات الشركاء الأجانب والوصول بالمديونية إلى “نقطة الصفر”.

وكان ملف المستحقات المتأخرة للشركاء الأجانب يمثل ضغطًا على ميزان المدفوعات، وعقبة رئيسية أمام تدفق الاستثمارات الضخمة في قطاع الكشف والتنقيب عن المواد البترولية في مصر، إلا أن النجاح في سداد كامل المديونيات فتح أفاقًا وتطلعات نحو تحقيق مزيد من الاكتشافات للإقتراب من الإكتفاء الذاتي، فهل يتحقق هذا الحلم؟ بخلاف طرح سؤال: “ماذا بعد تصفير المستحقات؟”

جذب كبرى شركات التنقيب العالمية  

ومع الدخول رسميًا في فصل الصيف، مطلع الأسبوع المقبل، يتوقع أن تزداد احتياجات مصر من الغاز الطبيعي بنسبة 10% لمجابهة الزيادة في درجات الحرارة وزيادة الطلب على الكهرباء، ومتوقع أن يصل الاحتياج اليومي للغاز في شهري الذروة ” يوليو – اغسطس” لـ 7.9 مليار قدم مكعب، مقارنة بنحو 7.2 مليار قدم مكعب لنفس الفترة من العام الماضي.

ويبلغ إنتاج مصر من الغاز حاليًا 4 مليارات قدم مكعب يوميًا، مع تدبير الكميات الإضافية عبر الاستيراد لتغطية الفجوة بين الإنتاج المحلي وإجمالي الاستهلاك.

ومع الانتهاء من ملف المستحقات المتأخرة، متوقع أن تزداد الاكتشافات وتقل فاتورة الاستيراد، ويقول الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول، والخبير الدولي للطاقة، إن تصفير مستحقات الشركات الأجنبية يأتي في توقيت شديد الحساسية بالنسبة لسوق الطاقة العالمي ومنطقة شرق المتوسط، حيث تشهد تنافسًا بين عدة دول لجذب كبرى شركات التنقيب العالمية مثل “إيني وشل وتوتال”.

حفر أكثر من 480 بئرًا استكشافية

وتُخطط مصر لحفر أكثر من 480 بئرًا استكشافية وتنموية باستثمارات ضخمة تُقدر بـ5.7 مليار دولار حتى عام 2030، بهدف تعزيز الإنتاج المحلي وتأمين احتياجات السوق المصري من الطاقة والحد من فاتورة الاستيراد.

تأخر سداد مستحقات الشركات سابقًا كان يضع مصر في تصنيف عالي المخاطر رغم جاذبية حقولها، يضيف أبو العلاء في تصريحه لـ”ليبرالي”، بينما بعد تصفير المستحقات بات الوضع مختلف تمامًا واطمئنت الشركات، لافتًا إلى أن الشركات متعددة الجنسيات تبحث دائمًا عن البيئة الأقل مخاطرة لإيداع رؤوس أموالها.

ويوضح أستاذ هندسة البترول، أن مصر ستجني سريعًا ثمار  التصفير، عبر إعادة تفعيل الاتفاقيات المعلقة، حيث وقعت وزارة البترول مذكرات تفاهم واتفاقيات مبدئية للتنقيب في مناطق جديدة بالبحر الأحمر وغرب المتوسط، وتصفير الديون سيحول هذه الاتفاقيات الورقية إلى خطط عمل تنفذها الحفارات فورًا على أرض الواقع.

تدفق رؤوس أموال أيسر.. وبشروط تمويلية أفضل

ويشير أبوالعلا إلى أن الشركات العالمية كانت تضطر سابقًا لاقتراض أموال بفوائد مرتفعة من البنوك الدولية لتمويل عملياتها التنقيبية والاستكشافية في مصر بسبب احتجاز مستحقاتها، ما كان يرفع من كلفة المشروعات ويخفض تكلفة التمويل إلى أدنى مستوياتها، إلا أن الوضع الآن سيفتح الباب لضخ استثمارات في مسارات تكنولوجية جديدة تماماً كانت مؤجلة، بخلاف خفض تكلفة التأمين على الاستثمارات الموجهة لقطاع الطاقة المصري، وهو ما يعني تدفق رؤوس أموال أيسر وبشروط تمويلية أفضل بكثير خلال الفترة المقبلة.

ووفقًا لبيانات وزارة البترول، انخفضت مستحقات الشركاء الأجانب تدريجيًا من نحو 6.1 مليار دولار في يونيو 2024 إلى 1.3 مليار دولار في مارس 2026، ثم إلى 714 مليون دولار في أبريل، و440 مليون دولار في مايو الماضي، قبل أن يتم سدادها بالكامل خلال يونيو الجاري.

ويرى أستاذ هندسة البترول، بأن سداد سمتحقات الشركاء الأجانب بالكامل، سيُعطي مصر ميزة تنافسية كبرى، منوهًا بأن الشركات الأجنبية ستنظر للسوق المصري كمنصة آمنة ومستقرة تمويليًا لإدارة عملياتها الإقليمية، وليس مجرد حقول ومقاصد استكشافية مؤقتة، وهذا الاستقرار سيُعد ضمانة لتحقيق التنمية المستدامة في قطاع الطاقة خلال الفترات المقبلة.

ربط حقول الدول المجاورة بالبنية التحتية المصرية لإعادة تصديرها

مصر هي الدولة الوحيدة في شرق المتوسط التي تمتلك محطات لإسالة وتصدير الغاز، وفقًا لأبوالعلا، وتصفير المستحقات سيشجع الشركات ليس فقط على زيادة إنتاج الحقول المصرية كما هو متوقع، لكنه سيدفع الشركات للإسراع في ربط حقول الدول المجاورة بالبنية التحتية المصرية لإعادة تصديرها.

بدوره، قال الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن تصفير مستحقات الشركاء الأجانب في، رسالة مالية واضحة ومباشرة لجميع المؤسسات التمويلية الدولية ووكالات التصنيف الائتماني بأن قطاع البترول يمثل قاطرة الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، وحينما يرى المستثمر العالمي في شتى القطاعات – وليس الطاقة فقط – أن الدولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها وتصفير مديونيات بمليارات الدولارات، فإن مؤشر المخاطر للسوق المصرية ينخفض تلقائيًا.

العلاقة بين مصر والشركات العالمية تقوم على مبدأ تقاسم الإنتاج وشراء حصة الشريك، يضيف القليوبي في حديثه لـ”ليبرالي”، متابعًا: أن التحديات السابقة المرتبطة بنقص العملة الأجنبية رفعت المديونية إلى 6.1 مليار دولار في يونيو 2024، ما أثر بشكل مؤقت على قدرة الشركات على إعادة تدوير استثماراتها، ومع إغلاق هذا الملف تمامًا، استعادت السوق المصرية جاذبيتها القصوى، وسنشهد عودة متسارعة للحفارات وتوسيع عمليات الاستكشاف لتعويض أي نضوب في الآبار الحالية واستقرار إنتاج الغاز.

تصفير المستحقات سيُحسن الجدوى الاقتصادية للمشروعات المشتركة

كما يرى أستاذ الطاقة، بأن تصفير المستحقات سيُحسن الجدوى الاقتصادية للمشروعات المشتركة، وذلك بعد استلام الشركات مستحقاتها المتأخرة، حيث ستتوقف عن تحميل الموازنة العامة للدولة أي أعباء أو فوائد تأخير، وستبدأ في إعادة تدوير هذه الأموال محليًا عبر ضخها في خطوط إنتاج وتوسعات جديدة بالتعاون مع شركات المقاولات والخدمات المحلية، ما يدعم النمو الاقتصادي ككل.

وعلى الصعيد الرسمي، يقول وزير البترول، المهندس كريم بدوي، إن الدولة نجحت في إنهاء ملف المستحقات المتأخرة بالكامل اعتبارًا من 10 يونيو 2026، بعد أن بلغت تلك المستحقات نحو 6.1 مليار دولار في يونيو 2024، مؤكدًا أن هذا الإنجاز يفتح صفحة جديدة لقطاع الطاقة المصري تقوم على الثقة والاستثمار والنمو وزيادة الإنتاج.

إنهاء المديونية المتراكمة يمثل معالجة جذرية لأحد أبرز التحديات التي واجهت قطاع البترول خلال السنوات الماضية، يؤكد بدوي، منوهًا بأن المتأخرات المالية أثرت على خطط الاستثمار وبرامج الحفر والاستكشاف وتنمية الحقول، ما انعكس على مستويات إنتاج النفط والغاز في البلاد.

ويوضح وزير البترول، أن التزام الدولة بالجدولة والوصول لنقطة الصفر بدأ ينعكس فعلياً على الأرض من خلال تحفيز الشركاء الدوليين على استئناف وضخ استثمارات جديدة، والإسراع في ربط الاكتشافات الأخيرة مثل كشف الغاز الجديد في منطقة دلتا النيل بمعدل 50 مليون قدم مكعبة يومياً وضخها في الشبكة القومية.