437 قضية خلال عامين.. لماذا زادت وتيرة قضايا غسيل الأموال في مصر؟

التحفظ على أصول تتجاوز 7.89 مليار جنيه.. و”نخنوخ” ضمن أحدث القضايا

محمد شعبان: تعديلات تشريعية وتكامل بين الجهات وراء ارتفاع تلك القضايا

مصطفى علوان: الردع العام هو المعيار الحقيقي لنجاح المكافحة

شهدت مصر خلال الفترة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة ملاحقة جرائم غسل الأموال، بالتوازي مع توسع جهات التحقيق في تتبع العائدات غير المشروعة والتحفظ على الأصول المرتبطة بها.

وفي هذا السياق، أعلنت النيابة العامة، في 11 يوليو الجاري، أن عدد قضايا غسل الأموال التي جرى التحقيق فيها وإحالتها إلى المحكمة الاقتصادية بلغ 437 قضية خلال العامين الماضيين، مشيرة إلى أن التحقيقات المالية الموازية أسفرت عن التحفظ على أصول نقدية تجاوزت 7.89 مليار جنيه، إضافة إلى 318.31 مليون دولار وعملات أجنبية أخرى وعقارات، فضلًا عن تفكيك شبكات مالية مرتبطة بتداول العملات المشفرة غير المرخصة.

وتضطلع وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التابعة للبنك المركزي المصري، بدور محوري في هذا الملف، باعتبارها وحدة التحريات المالية المصرية المنشأة بموجب قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002، حيث تتلقى البلاغات عن العمليات المشتبه بها، وتحللها، ثم تحيل نتائجها إلى جهات إنفاذ القانون وسلطات التحقيق المختصة. وتوازيًا مع ذلك، تواصل وزارة الداخلية الإعلان، بصورة دورية، عن ضبط قضايا غسل أموال مرتبطة بجرائم المخدرات والاتجار في البشر وغيرها من الأنشطة الإجرامية. وكان أحدثها اتخاذ إجراءات قانونية بحق ثلاثة متهمين بغسل نحو 220 مليون جنيه من عائدات الاتجار بالمواد المخدرة.

وفي هذا الإطار، برز عدد من القضايا التي حظيت باهتمام واسع، من بينها قضية رجل الأعمال المثير للجدل صبري نخنوخ، التي شهدت توسيع نطاق التحقيقات لتشمل اتهامات بغسل الأموال إلى جانب اتهامات أخرى، مع صدور قرار بالتحفظ على أموال المتهمين لحين الفصل في القضية.

تشريعات حاكمة وتحركات ناجزة

من جانبه، يرى المحامي محمد شعبان، وكيل النائب العام الأسبق، في حديثه لـ”ليبرالي” أن السر وراء زيادات أعداد قضايا غسل الأموال في الفترة الأخيرة، يرجع إلى تعديل التشريع بالفعل في عام 2014 على نحو يوسع من نطاق الاتهام في جرائم غسل الأموال، موضًحا أنه قبل صدور القرار بقانون رقم 136 لسنة 2014 الصادر عن رئيس الجمهورية، كان المشرع المصري ينتهج نهج التجريم المحدد فيما يخص “الجرائم المصدر”.

ويشرح شعبان أن جريمة غسل الأموال هي جريمة مركبة تتطلب جريمة أصلية تسمى “جريمة المصدر”، وهي التي يتم التحصل منها على الأموال التي تكون محل غسل فيما بعد؛ ضرباً المثل بموظف يرتشي فيتحصل على مال، فتكون الرشوة هي جريمة المصدر، بينما فعل التحويل أو التمويه أو الإخفاء أو “التبييض” الذي يتم على المال المتحصل من الرشوة هو جريمة الغسل.

ويضيف وكيل النائب العام الأسبق أن المشرع كان يحدد جرائم المصدر سابقاً على سبيل الحصر (مثل جرائم المخدرات، والاتجار في السلاح، والإرهاب، وإصدار الشيكات، والنصب، والسرقة)، إلا أنه في عام 2014 أقر بأن كل جريمة ينص عليها القانون وينتج عنها مال بطريقة مباشرة أو غير مباشرة تعتبر جريمة مصدر لغسل الأموال، وهو ما يعد قمة التشديد، والذي يأتي على ضوء المبادئ والتوصيات التي تضعها وتراجعها دورياً مجموعة العمل المالي الدولية بشأن ضوابط مكافحة غسل الأموال وزيادة معاييرها.

ويوضح شعبان أن زيادة عدد القضايا يعكس نشاط الأجهزة المنوط بها تنفيذ القانون بوزارة الداخلية، وتحديداً الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة؛ نظراً لأن النيابة العامة لا تتحرك من تلقاء نفسها دون عرض محاضر عليها، مشيرًا إلى أن القطاع الخاص بمكافحة غسل الأموال بمباحث الأموال العامة ينشط والتنسيق يتزايد بينه وبين الإدارات والقطاعات الأخرى ذات الصلة بمكافحة الجريمة المنظمة، والاتجار بالبشر، والاتجار بالمواد المخدرة والآثار، حيث يتم عمل ربط وتنسيق مع قطاع غسل الأموال فور تحريك أي قضية تدر عائداً مالياً.

وينوه شعبان إلى أن تحريك الـ 437 قضية لا يعني حتمية إدانة جميع المتهمين فيها، بل هي موضع اتهام تخضع للبحث أمام المحكمة وسماع دفاع المتهمين، حيث تصدر المحكمة أحكاماً بالبراءة أو الإدانة؛ موضحاً أنه إذا ثبت للمحكمة أن دلائل الاشتباه قادمة من نمط عادي وأن مصدر المال مشروع وتم إقامة الدليل عليه، فإن الشبهة تتبدد وتحكم المحكمة بالبراءة.

ويشير وكيل النائب العام الأسبق إلى أن قانون مكافحة غسل الأموال شهد عدة تعديلات لتطويره وتحديثه كان آخرها تقريباً في عام 2022، والتي نظمت فكرة “التحقيقات المالية الموازية”؛ بحيث يُجرى التحقيق المالي مع المتهم في جريمة أصلية (كالرشوة) في نفس التوقيت بالتوازي مع القضية الأصلية دون انتظار انتهائها، وذلك لضبط الأدلة منعاً للعبث بها.

فكرة الردع العام

من جانبه، يقول مصطفى علوان، المحامي ورئيس مؤسسة رايتس للاستشارات القانونية والتحكيم الدولي، لـ”ليبرالي”، إن قوانين مكافحة غسل الأموال في مصر قوية وكافية من حيث العقوبات الرادعة، وإن النصوص التشريعية تكفل آلية تتناسب مع جسامة الجريمة، وذلك وفقًا لأحكام قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 وتعديلاته، الذي حدد دور وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتبعيتها للبنك المركزي المصري، حيث تصل العقوبات إلى السجن والغرامة والمصادرة.

ويضيف أن تنفيذ آليات هذا القانون، في ظل التطور المستمر لأشكال الجريمة والتقدم الرقمي، يتطلب تعاونًا إقليميًا ودوليًا لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة، بما يحقق فاعلية مصادرة عائدات الأنشطة الإجرامية واسترداد الأصول، مؤكدًا أن الجرائم، في نظر الفقه، لا تُقاس بقدر الكم، وإنما بمدى القدرة على ردع هذه الظاهرة والقضاء عليها من خلال جهات التحقيق والقضاء.

ويوضح علوان أن انتهاء التحقيقات أمام النيابة العامة وصلاحيتها لأن تكون محل ادعاء أمام المحكمة يُعد مؤشرًا على كفاءة جهاز مكافحة غسل الأموال وفاعليته في ضبط هذه الجرائم وتقديمها إلى النيابة، مؤكدًا أن ارتفاع عدد القضايا لا يعكس بالضرورة اتساع نطاق الجريمة، بقدر ما يعكس القدرة على كشفها واحتواء آثارها، وهو ما يحقق فكرة الردع العام لمن تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الجرائم.