
في بلد طالنا قدم نفسه باعتباره نموذجًا للتعايش الديني في أفريقيا، جاءت أحداث منطقة “أرسي” بإقليم أوروميا لتطرح تساؤلات خطيرة حول مستقبل العلاقة بين المكونات الدينية والإثنية في إثيوبيا، فالهجوم الذي أسفر عن تدمير أكثر من 200 عقار تعود لمسيحيي أرثوذكس وإحراق كنيسة تاريخية يزيد عمرها على قرن من الزمات، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد حادث أمني مرتبط بمواجهات مسلحة، بل يمثل مؤشرًا على تحولات أعمق تشهدها الدولة الإثيوبية التي تواجه منذ سنوات واحدة من أعقد الأزمات السياسية والأمنية في تاريخها الحديث.
وفقا لبيانات حديثة كشفتها منظمة مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED )الدولية المستقلة، المتخصصة في رصد النزاعات المسلحة والعنف السياسي عالميًا، أن أعمال العنف التي استهدفت المسيحيين الأرثوذكس في منطقة أرسي ليست حادثة معزولة، بل تأتي ضمن نمط متصاعد من الاستهداف سجلته المنطمة منذ عام 2023.
وتعد منظمة ACLED من أهم قواعد البيانات العالمية المعنية بتتبع الصراعات والأزمات الأمنية، وتعتمد عليها مراكز الأبحاث والمؤسسات الدولية في تحليل اتجاهات العنف والنزاعات حول العالم.
وجاءت هذه الأحداث بالتزامن مع الانتخابات الإثيوبية التي جرت في الأول من يونيو، وهي انتخابات لم تكن متوقعًا أن تحدث تغييرًا سياسيًا جوهرًيا في بنية السلطة، لكنها تحولت إلى مناسبة كشفت حجم الاحتقان الكامن داخل المجتمع الإثيوبي، فالانتخابات التي يفترض أن تكون أداة للاستقرار السياسي، تحولت في بعض المناطق إلى عامل ساهم في مضاعفة التوترات وتسريع اندلاع النزاعات القائمة بين الدولة والجماعات المسلحة من جهة وبين المكونات المجتمعية المختلفة من جهة أخرى.

اللافت في حادثة أرسي أن الاستهداف لم يكن موجهًا ضد منشآت حكومية أو مواقع عسكرية، بل طال منازل وممتلكات مدنيين وكنيسة أرثوذكسية، وهو ما دفع كثيرين إلى وصف ما جرى بأنه يحمل أبعادًا طائفية ودينية تتجاوز الاعتبارات الأمنية التقليدية، غير أن قراءة المشهد الإثيوبي بصورة أكثر عمقا تكشف أن القضية أكثر تعقيدًا من مجرد صراع بين المسلمين والمسيحيين أو بين الأديان المختلفة.
فعلى مدار عقود طويلة عاش المسلمون والمسيحيون في إثيوبيا ضمن نسيج اجتماعي واحد، وشكل التنوع الديني أحد أبرز سمات الدولة، وتضم البلاد واحدة من أقدم الكنائس المسيحية في العالم، كما تضم مجتمعات إسلامية عريقة يعود وجودها إلى بدايات الدعوة الإسلامية، لذلك فإن اختزال الأزمة الحالية في إطار صراع ديني مباشر قد يكون تبسيطًا مخلا لحقيقة المشهد.
الأقرب إلى الواقع أن إثيوبيا تشهد تداخلا معقدًا بين الانتماءات العرقية والسياسية والدينية، ففي كثير من المناطق لا يتم النظر إلى الأفراد فقط من خلال معتقداتهم الدينية، بل أيضًا من خلال انتماءاتهم الإثنية ومواقعهم داخل الصراعات السياسية المحلية، ولهذا يصبح الدين أحيانا عنوانا ظاهريا لصراع أعمق يتعلق بالهوية والسلطة والنفوذ والسيطرة على الأرض.

وفي حالة منطقة أرسي، يرى مراقبون أن استهداف المسيحيين الأرثوذكسي لا ينفصل عن حالة الاحتقان المتراكمة بين بعض الجماعات المسلحة والسكان الذين ينُظر إليهم باعتبارهم مرتبطين تاريخيًا أو ثقافيًا بمؤسسات الدولة المركزية، وهنا تتحول الهوية الدينية إلى أداة للتصنيف والاستهداف داخل صراع سياسي وأمني أوسع نطاقًا.
لكن ذلك لا يقلل من خطورة ما حدث، فحين يتم إحراق كنيسة وتدمير مئات المنازل بسبب هوية أصحابها الدينية أو العرقية، فإن الرسالة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية لتصل إلى محاولة ترهيب مجتمع كامل وإشعاره بأن وجوده أصبح موضع تهديد، وهذا النوع من العنف يمثل أحد أخطر أشكال الصراعات لأنه يستهدف النسيج الاجتماعي نفسه ويخلق جروحًا يصعب التئامها حتى بعد انتهاء العمليات المسلحة.

كما أن الرقم المعلن، وهو تدمير أكثر من 200 عقار، يحمل دلالات تتجاوز الخسائر المادية، فاستهداف هذا العدد الكبير من الممتلكات يوحى بوجود عملية منظمة هدفت إلى إحداث تأثير نفسي واجتماعي واسع النطاق، فالرسالة هنا ليست فقط معاقية أفراد أو أسر بعينها، بل دفع مجتمع كامل إلى الشعور بعدم الأمان وربما التفكير في النزوح أو مغادرة المنطقة.
ويأتي هذا التطور في وقت تواجه فيه حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، تحديات متزايدة على أكثر من جبهة، فمنذ انتهاء الحرب في إقليم تيجراي لم تنجح أديس أبابا في تحقيق الاستقرار الكامل، إذ انتقلت بؤر التوتر إلى أقاليم أخرى مثل أمهرة وأوروميا، حيث تنشط جماعات مسلحة تتحدى سلطة الدولة وتسيطر أحيانا على مساحات واسعة من المناطق الريفية.
وتكمن المشكلة الأكبر في أن استمرار هذه الصراعات لفترات طويلة يضعف قدرة المؤسسات الرسمية على احتواء النزاعات المحلية، ويمنح الجماعات المتطرفة والمتشددة مساحة أكبر لاستغلال المخاوف والهويات الدينية والعرقية من أجل حشد الأنصار وتبرير أعمال العنف.

وفي هذا السياق، يصبح المدنيون هم الخاسر الأكبر، فالمسيحيون الأرثوذكس الذين تعرضوا للهجوم في أرسي ليسوا وحدهم ضحايا الأزمة الإثيوبية، إذ شهدت السنوات الأخيرة أيضا حوادث استهدفت مسلمين ومؤسسات دينية مختلفة في مناطق أخرى من البلاد، وهذا يعني أن الخطر الحقيقي لا يهدد طائفة بعينها، بل يهدد مبدأ التعايش نفسه الذي شكل أحد ركائز المجتمع الإثيوبي لعقود طويلة.
الأكثر إثارة للقلق أن تكرار هذه الحوادث قد يدفع بعض المكونات المجتمعية إلى تبني خطاب دفاعي أو انتقامي قائم على الهوية الدينية، وهو ما قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من العنف المتبادل يصعب السيطرة عليها، وعندما يتحول الشعور بالمظلومية إلى وقود للتعبئة السياسية أو المسلحة، تصبح فرص المصالحة أكثر تعقيدا وتزداد احتمالات الانقسام المجتمعي.
من هنا تبدو أحداث أرسي أكثر من مجرد حادثة محلية مرتبطة بانتخابات أو مواجهة أمنية، إنها مؤشر على أزمة بنيوية تواجه الدولة الإثيوبية في إدارة تنوعها الديني والإثني في ظل بيئة سياسية مضطربة وانتشار واسع للسلاح والجماعات المسلحة، كما أنها تعكس فشل الجهود الرامية إلى فصل الصراعات السياسية عن الهويات المجتمعية والدينية.
وفي النهاية، فإن تدمير أكثر من 200 عقار مسيحي في أوروميا لا يمثل فقط اعتداء على ممتلكات خاصة أو دور عبادة، بل يكشف عن معركة أوسع تدور حول هوية الدولة الإثيوبية ومستقبل التعايش بين مكوناتها المختلفة، وإذا لم تنجح السلطات في احتواء هذه التوترات ومعالجة جذورها السياسية والاجتماعية، فإن البلاد قد تجد نفسها أمام مرحلة أكثر خطورة، تتحول فيها الانقسامات العرقية والسياسية إلى شرخ طائفي يهدد استقرار واحدة من أهم دول القرن الأفريقي.








