في جلسة حوارية لـ “ليبرالي”| خبراء يفككون أزمة التعليم: المعلم في مهب العوز.. والسناتر “تعليم موازٍ”.. وأولياء الأمور تحت “مقصلة” المصروفات

نيفين فارس: المعلم هو ضحية غياب التخطيط ونظام قرر أن يوفر ميزانيته من جيوب المدرسين

هلال عبد الحميد: السناتر سوق سوداء.. والمدرس لا ظهير له.. وأولياء الأمور ليس لهم في مصر إلا “ربنا”

داليا الحزاوي: أطالب الوزارة بعدم اتخاذ قرارات “جراحية” في المناهج أو المصاريف دون سماع صوت المتضرر الأول

جيهان سعيد: طموح طلبة التربية الآن هو العمل في سنتر تعليمي وليس التدريس بالمدارس

 أدار الجلسة الحوارية: حسن القباني – مي سليم

في جلسة كانت “محاكمة علنية” لواقع مرير يمس كل بيت في مصر، واتسمت بالشفافية والمواجهة، فتحت “ليبرالي” ملف التعليم، لترصد وجود ما وصفه الخبراء بـ”المقصلة” التي تذبح المعلم، وتستنزف ولي الأمر، وتغتال هوية الطالب، حيث فكك المشاركون أزمات التعليم، بدءًا من “عوز المعلم”، ومرورًا بـ”توحش مافيا السناتر”، وصولًا إلى “أزمة الهوية” في المدارس الدولية، واختلال الرقابة الوزارية مع المصروفات المتوحشة.

شارك في الجلسة كل من النائبة نيفين فارس، عضوة مجلس الشيوخ عن حزب العدل، وهلال عبد الحميد، الخبير التعليمي وعضو مجلس أمناء الحركة المدنية الديمقراطية، وداليا طارق الحزاوي، رئيسة ائتلاف أولياء أمور مصر، وأمينة مساعد أمانة الإعلام بحزب حماة الوطن، ود. جيهان سعيد، القيادية بحزب العدل.

 المعلم.. “رسول” في مفرمة الفقر

في البداية كان السؤال حول تقييم موقف المعلم وهل هو “جاني” بتقاعسه ولجوئه للسناتر، أم “مجني عليه” بظروفه، والذي ردت عليه النائبة نيفين فارس قائلة: “لا يمكننا أن نلوم المعلم وهو يعيش في وضع اقتصادي مهين. الغالبية العظمى من المعلمين مظلومون، والظلم الواقع عليهم جعلهم في حالة استسلام قهري. عندما تضع الدولة المعلم وهو المفترض أنه كاد أن يكون رسولاً في كادر مالي لا يسد رمقه، فهي تقول له صراحة: اذهب وابحث عن مصلحتك في السناتر. المعلم هو ضحية غياب التخطيط، ضحية نظام قرر أن يوفر ميزانيته من جيوب المدرسين”.

النائبة نيفين فارس عضوة مجلس الشيوخ – خاص ليبرالي – تصوير أمير رفاعي

من جانبها، شددت داليا طارق الحزاوي على أن المعلم هو “العمود الفقري”، محذرة من أن أي تطوير تقني أو في المناهج دون تطوير وضع المعلم المادي والمعنوي هو تطوير منقوص، مشددة على أهمية توفير حياة كريمة للمعلمين. وطالبت الحزاوي بتفعيل رخصة مزاولة المهنة لحمايته وتطويره، فيما أشارت إلى قضية “الأعباء الإدارية” خارج اطار الشرح في الفصل، مؤكدة أن المدرس الآن مستنزف في أعمال ورقية وتصحيح واجبات وتقييمات يومية، مما أفقد الحصة قيمتها ، وجعل المعلم “آلة إدارية” بدلاً من كونه “قائداً تربوياً”.

وأوضحت د.جيهان سعيد أن المدرس بات ضحية، منذ وقف التعيينات، التي كانت توفر له احساس بالأمان، ما جعل طموح طلبة التربية الآن هو العمل في سنتر تعليمي وليس العمل في المدراس، ما عزز الأزمة، مستنكرة ضعف رواتبه وحوافزه ما جعله غير قادر توفير التزاماته.

هلال عبد الحميد – خاص ليبرالي – تصوير أمير رفاعي

أما الخبير التعليمي هلال عبد الحميد، فقد قدم أرقاماً ذات دلالة حيث يرى عبد الحميد أن أزمة متراكمة بداية من العمل بنظام “الحصة” الذي يتقاضى بموجبه المدرس مبلغ 50 جنيهاً، وهو مبلغ الذي  لا يكفي لتغطية تكلفة وصوله للمدرسة عبر “التوكتوك”. وأجرى مقارنة مريرة بين متوسط أجر المعلم في مصر (165 دولاراً) وفي الكيان الصهيوني (450 دولاراً)، مؤكداً أن الفجوة الشاسعة تجعل المهنة طاردة للكفاءات. وأضاف: “كثافة الفصول التي تصل إلى 80 و90 طالباً تجعل من المستحيل على أي معلم، حتى لو كان نبياً، أن يوصل المعلومة”.

“مافيا السناتر”.. عندما تصبح الدروس “ديناً” ثقيلاً

انتقل النقاش إلى ظاهرة “تغول مافيا السناتر”، وكيف تحولت من دروس تقوية إلى نظام بديل لتعليم الدولة؟ ،  حيث أكدت النائبة نيفين فارس أن السناتر بدأت كحل لدعم التعليم ولكن تحوله إلى مشروع بشع ومتوحش يلتهم ميزانيات الأسر المصرية ومزعج لها وباب خراب لها.

داليا طارق الحزاوي- خاص ليبرالي – تصوير أمير رفاعي

وترى داليا طارق الحزاوي أن السناتر هي “عرض لمرض” يتمثل في عدم تناسب المناهج مع الوقت الزمني للعام الدراسي، وضغوط التقييمات المستمرة التي جعلت ولي الأمر يلجأ للسنتر كبديل آمن لضمان النجاح.

وأرجعت لجوء أولياء الأمور للسناتر إلى ضخامة المناهج. “لدينا مناهج في الابتدائي والإعدادي لا تناسب عدد أيام الدراسة الفعلي. المدرس في المدرسة يضطر لـ (الكروتة) ليلحق بالمنهج، وولي الأمر يجد ابنه تائهاً، فيذهب للسنتر مرغماً. موضحًا أن السنتر أصبح (صيدلية) تعالج فشل المدرسة، والمؤسف أن بعض المدرسين يستخدمون أعمال السنة وسيلة ضغط لجذب الطلاب لمجموعاتهم الخاصة”.

وأكدت د. جيهان سعيد أهمية عدم رؤؤسنا في الرمال، مشيرة إلى أن السناتر الآن  هي التي توفر الأمان المادي المزيف للمعلم على حساب جيب ولي الأمر

ووصف عبد الحميد السناتر بأنها “السوق السوداء”، مشيراً إلى أن أغلب القائمين عليها ليسوا تربويين، بل “مؤدون” يعتمدون على “الطبل والزمر والتهريج” لجذب المراهقين. وطالب عبد الحميد بضرورة منح المعلمين المتميزين “تراخيص مزاولة مهنة خاصة” تتيح لهم إعطاء دروس تحت رقابة الدولة وبضرائب واضحة، بدلاً من ترك الساحة لـ “مافيا” غير مؤهلة تعليمياً.

“مقصلة” المصاريف المدرسية

أكدت النائبة نيفين فارس أن التعليم يجب ألا يخضع لمنطق “التريند” والمباهاة الاجتماعية. وقالت: “نلاحظ تفاوتات خرافية في المصاريف بين مدارس متجاورة تقدم نفس الخدمة”. وطالبت بوضع “سقف سعري” ورقابة حقيقية من الوزارة، مؤكدة أن ولي الأمر أصبح في موقف “المجبر” الذي لا يحميه أحد.

وبلهجة حازمة، قالت فارس: “التعليم حق دستوري، لكن ما نراه في المدارس الخاصة هو (بيزنس) فج. نرى مدارس في نفس الشارع والمنطقة، وبينهما فروق أسعار تصل لآلاف الجنيهات دون مبرر تقني. هناك (موضة) تعليمية تجعل أولياء الأمور يلهثون خلف مدارس معينة للمباهاة الاجتماعية، والمدارس تستغل هذا الهوس لرفع المصاريف سنوياً بنسب تتجاوز القانون، والوزارة تكتفي بالمشاهدة”.

د.جيهان سعيد – خاص ليبرالي – تصوير أمير رفاعي

وكشفت د. جيهان سعيد عن وقائع مؤلمة، حيث ترفع المدارس مصاريف الباص والخدمات بنسب تصل لـ 25% فجأة. وروت واقعة حجب نتيجة طالب في مدرسة دولية (مصاريفها تتعدى 60 ألف جنيه) بسبب خلاف على 700 جنيه من مصاريف الباص. وقالت: “الوزارة غائبة تماماً، ورد المدارس دائماً هو: (لو مش عاجبك خد ملف ابنك وامشي)، وهم يعلمون أن ولي الأمر لا يملك رفاهية التغيير في وسط العام”.

وأوضحت داليا طارق أن ولي الأمر يعامل كـ “زبون” في المدارس الخاصة لا كشريك في العملية التعليمية. وانتقدت سياسة “السبلايز” (Supplies) واليونيفورم والرحلات الإجبارية التي تُفرض بأسعار خرافية، مؤكدة أن صوت ولي الأمر مبحوح أمام إدارة مدارس تتصرف كأنها فوق القانون والرقابة.

أزمة الهوية و”سقوط” مادة الدين

من جانبها، علقت النائبة نيفين فارس على أزمة الرسوب في مادة الدين بالمدراس الدولية بمقترح تضمن إخراج مادة الدين من المدارس وتدريسها في المساجد والكنائس لضمان قدسيتها، واستبدالها في المدرسة بمادة “الثقافة السلوكية”. وقالت: “الدين في المدارس أصبح مادة مهانة ولا تُحترم. نحن بحاجة لمادة تعلم الطفل كيف يرفض التحرش، كيف يحترم الآخر، كيف يطبق الأخلاق في الشارع، بدلاً من حفظ نصوص لا تنعكس على سلوكه”. وكشفت فارس أن مقترحها قوبل برفض وزاري تقليدي بدعوى أن القيم موجودة في الكتب، وهو ما نفته وقائع الشارع.

ورأت داليا طارق أن وضع مادة الدين خارج المجموع هو القاتل الصامت للهوية قائلة: “عندما تقول للطالب أن هذه المادة لا تضاف للمجموع، فأنت تقول له (لا تهتم بها). ولي الأمر يضغط على ابنه في الماث والسينس ويهمل الدين، والمدرسة تعتبر حصة الدين حصة احتياطية أو حصة لإنهاء منهج العربي. الهوية لا تُبنى بكتب مهملة، بل بمواد فاعلة”.

جلسة حوارية حول تحديات التعليم – خاص ليبرالي – تصوير أمير رفاعي

وأكدت أهمية تطوير أسلوب التدريس بقولها: “نحن نريد ديناً يبني قيماً مشتركة، ولكن بأسلوب تفاعلي لا يعتمد على الحفظ الأصم ليلة الامتحان”.

وعلق هلال عبد الحميد قائلاً: “الدين سلوك، ونحن في مصر لدينا انفصام نكد. نحفظ نصوص الدين في المدرسة ونمارس عكسها في الشارع. القاهرة تُصنف كأكثر مدن العالم تحرشاً، فماذا فعل (الدين المدرسي)؟ الرسوب في المدارس الدولية سببه أن الوزارة فاجأتهم بقرارات الـ 70% نجاح ورسوب دون تدريب، ودون أن يكون هناك مدرسون مؤهلون أصلاً لتدريس المادة بأسلوب يجذب هؤلاء الطلاب”.

ويرى عبد الحميد أن نسب الرسوب العالية تعود لغياب التدريب لمعلمي الدين في تلك المدارس، وتطبيق قرارات فجائية بنسب نجاح عالية دون تمهيد. وأضاف: “القاهرة تصنف كأكثر مدن العالم تحرشاً رغم أننا ندعي أننا مجتمع متدين بطبعه، وهذا يثبت أن مادة الدين في المدارس لم تنجح في تغيير السلوك العام.

وأشار عبد الحميد إلى أن “الدستور المصري يلزم الدولة بنسبة إنفاق 4% للتعليم قبل الجامعي، لكن ما يحدث هو التفاف على الأرقام. الحكومة تدخل (القروض الدولية) و(فوائد الديون) ضمن ميزانية التعليم لتصل للنسبة الدستورية شكلياً. الواقع أن الإنفاق الفعلي متدنٍ جداً، مما أدى لظهور مدارس حكومية (خربة) ومدارس دولية للـ (Elite). نحن نربي أجيالاً لا تعرف بعضها، جيل يتعلم باللغات ويعيش في كومباوندات، وجيل في فصول مكدسة لا يجد مقعداً. هذا قنبلة موقوتة تهدد السلم الاجتماعي”.

توصيات الجلسة

في نهاية الجلسة، طُلب من المشاركين تحديد “أولويات الإنقاذ” لانتشال التعليم المصري من عثرته.وشددت النائبة نيفين فارس على تغيير “ثقافة المجتمع” نحو التعليم وضمان وجود استراتيجيات ثابتة لا تتغير بتغير الوزير، وبناء الإنسان من اللبنة الأولى.

وأكد هلال عبد الحميد أن “إصلاح التعليم يبدأ بإصلاح السياسة”. وطالب بإجراء انتخابات حقيقية لنقابة المعلمين (المجمدة منذ 2013) لتكون هناك قوة تدافع عن حقوق المعلم، مشيرًا إلى أن المدرس ليس له ظهير يدافع عنه وأن أولياء الأمور ليس لهم في مصر إلا “ربنا” على حد قوله، في إشارة عدم وجود أي حماية لحقوقهم. وأضاف: “الوزير في مصر لا يحاسبه أحد، ولا توجد استجوابات حقيقية في البرلمان تطيح بوزير فشل في ملفه. التعليم لن يصلح طالما تتهرب الحكومة من الالتزام بالنسب الدستورية للإنفاق عليه”.

 وطالبت داليا طارق الوزارة بفتح قنوات حوار حقيقية مع أولياء الأمور، وعدم اتخاذ قرارات “جراحية” في المناهج أو المصاريف دون سماع صوت المتضرر الأول. كما طالبت برقابة صارمة على المدارس الخاصة لإنقاذ أولياء الأمور من “الاستغلال” المادي.

ودعت د. جيهان سعيد إلى تحسين فوري لوضع المعلم المادي كأولوية قصوى، مع توفير منصات تعليمية حكومية مجانية قوية ومنافسة تُغني الطالب عن اللجوء للسناتر، وتفعيل دور المدرسة كبيئة آمنة للتعلم.