نقيب المهندسين في حوار لـ”ليبرالي”: أعداد خريجي الهندسة تفوق احتياجات سوق العمل ونحتاج إلى ضوابط للجامعات

تصوير/ أمير رفاعي

محمد عبدالغني: نستعد لإطلاق شهادة “المهندس الممارس”.. ونرفض إنشاء مجلس هندسي لأنه ينتزع اختصاصات النقابة

ندرس احتياجات سوق العمل خلال السنوات العشر المقبلة لإعادة ضبط القبول بكليات الهندسة

النقابة تتحرك في مسارين متوازيين: إصلاح التعليم وتنظيم مزاولة المهنة وونسق مع الوزارة لحل أزمة التعليم الهندسي

لن نقبل أي تسوية مع شركة “يوتن” على حساب حقوق المهندسين

الهندسة المدنية تعاني تشبعًا في الوقت الحالي.. والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي من أكثر التخصصات طلبًا

قانون التصالح في مخالفات البناء يحتاج إلى حوار مجتمعي وإشراك نقابة المهندسين في صياغة وتنفيذ آلياته

قال الدكتور محمد عبد الغني، نقيب المهندسين، إن النقابة لن تفرط في حقوق أعضائها أو أصول صندوق المعاشات مهما كانت الضغوط، مؤكدًا أن باب الحوار لا يزال مفتوحًا لحل أزمة شركة “يوتن”، لكن دون المساس بحقوق المهندسين، كما كشف عن رؤيته لتطوير التعليم الهندسي، وتحسين أوضاع المهنة، وزيادة موارد النقابة، إلى جانب موقفه من أبرز القضايا التي تشغل جموع المهندسين، مؤكدا أن المرحلة المقبلة تتطلب إصلاحات حقيقية تعيد للنقابة دورها المهني والخدمي.
وفي حواره مع “ليبرالي”، فتح نقيب المهندسين ملفات شائكة تتعلق بالاستثمار، والمعاشات، وأزمة شركة “يوتن” مع النقابة، ومستقبل العمل النقابي، وخطط النقابة خلال الفترة المقبلة.

إلى نص الحوار:

أزمة التعليم الهندسي في مصر

بداية.. هناك جدل كبير حول أعداد المقبولين بكليات الطب والهندسة، بينما تعاني نقابة المهندسين من ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين.. كيف ترى هذه الأزمة؟

نحن أمام تحدٍ كبير يواجه مهنة الهندسة، بل ومعظم المهن، ويتمثل في ضرورة إعادة تنظيم ممارسة المهنة بصورة احترافية. وقد سبق أن طرح السيد الرئيس فكرة أن تكون ممارسة المهن المختلفة مرتبطة بالحصول على ترخيص، وهي رؤية مهمة للغاية.

في الماضي، كانت منظومة إعداد المهندس داخل كليات الهندسة كافية لإخراج كوادر على أعلى مستوى، ولذلك خرجت مصر عبر تاريخها مهندسين شهد لهم العالم بالكفاءة، وكان المهندس يتخرج مؤهلًا لممارسة المهنة مباشرة، لكن الوضع تغير خلال العقود الأخيرة، وهو ما فرض تحديات كبيرة تستوجب التدخل لإصلاح المنظومة.

ما الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة؟

 خلال فترة فرض الحراسة على نقابة المهندسين بين عامي 1995 و2012، شهد التعليم الهندسي توسعًا غير مسبوق، حيث اتجهت استثمارات كبيرة إلى إنشاء المعاهد الهندسية والجامعات الخاصة التي تضم كليات هندسة، باعتبارها من أقل التخصصات تكلفة من حيث المعامل والتجهيزات، في الوقت الذي ظل المجتمع ينظر إلى الهندسة باعتبارها من أكثر المهن مكانة.

نتيجة لذلك، ارتفع عدد المقبولين بكليات ومعاهد الهندسة بصورة هائلة؛ فبعدما كانت الأعداد تتراوح بين 9 و12 ألف طالب سنويًا، أصبحت تصل إلى 40 و50 ألف طالب، في تخصصات لا يحتاج إليها سوق العمل بنفس هذه الأعداد، وهو ما ترتب عليه زيادة معدلات البطالة بين المهندسين بسبب تخريج أعداد تفوق احتياجات سوق العمل، و تأثر جودة العملية التعليمية، لأن الزيادة الكبيرة في أعداد الطلاب لم يصاحبها نمو مماثل في أعداد أعضاء هيئة التدريس أو الإمكانات التعليمية، وهو ما انعكس على مستوى الخريجين.

 كيف ستتعامل النقابة مع هذه الأزمة؟

 نعمل وفق مسارين رئيسيين، الأول يتعلق بإصلاح التعليم الهندسي، من خلال فتح حوار واضح مع الحكومة والجهات المعنية لضبط أعداد المقبولين، وتطوير المناهج، وإعادة النظر في التخصصات المختلفة، كما تعاقدنا مع مراكز بحثية لإجراء دراسات علمية حول احتياجات سوق العمل داخل مصر وخارجها خلال السنوات العشر المقبلة، ورصد معدلات البطالة، والفجوات المهارية المطلوبة، هدفنا أن يكون الحوار مع الدولة قائمًا على بيانات ودراسات علمية، وليس على الانطباعات.

أما المسار الثاني، يتمثل في تنظيم مزاولة المهنة ورفع كفاءة المهندس بعد التخرج، وقد أصدرنا بالفعل لائحة لمزاولة المهنة، ونعمل على تطويرها، كما نستعد خلال العام الحالي لإطلاق أول إعلان للحصول على شهادة “المهندس الممارس”، التي ستُمنح وفق معايير واضحة تشمل التدريب والخبرة واجتياز متطلبات محددة. وسيكون هناك أيضًا مسار للمهندس الأخصائي، بما يضمن وجود تصنيف مهني حقيقي يرفع جودة الأداء الهندسي في مصر.

هل ترى أن الأعداد الحالية للمقبولين مناسبة؟

إطلاقًا، الأعداد الحالية غير منطقية، ولا تتناسب مع إمكانات الكليات والمعاهد من حيث القاعات الدراسية أو المعامل أو الورش أو أعضاء هيئة التدريس. بل إن بعض المؤسسات التعليمية تقبل أعدادًا تعادل ضعفي أو ثلاثة أضعاف الطاقة التي توصي بها لجان قطاع التعليم الهندسي بالمجلس الأعلى للجامعات.

 وماذا عن أعضاء هيئة التدريس؟

 في بعض التخصصات، خاصة الهندسة المدنية، وصلت نسبة الطلاب إلى عضو هيئة التدريس في بعض السنوات إلى نحو تسعة أضعاف المعدلات العالمية، بينما تراوحت في تخصصات أخرى، مثل الميكانيكا والكهرباء، بين ستة وسبعة أضعاف، وهو أمر لا يمكن أن ينتج تعليمًا هندسيًا بالمستوى المطلوب.

أثير خلال الفترة الأخيرة جدل حول مشروع إنشاء “المجلس الهندسي”.. لماذا ترفضه النقابة؟

 طُرحت علينا خلال الفترة الماضية بعض المقترحات الخاصة بإنشاء ما يسمى بـ”المجلس الهندسي”، وقد أعلنّا بوضوح رفضنا لهذا المشروع، لأنه يمنح جهة حكومية صلاحيات تنظيم ومتابعة مزاولة المهنة، وهو أمر يتعارض مع فلسفة العمل النقابي، ولا يتوافق مع المعايير المتبعة في مختلف دول العالم.

في جميع الدول التي تمتلك منظومات هندسية متقدمة، تتولى النقابات أو الجمعيات المهنية مسؤولية تنظيم المهنة، وتأهيل المهندسين، وتصنيفهم، ومتابعة تطويرهم المهني، وليس الجهات الحكومية.

 لكن ما المأخذ الرئيسي للنقابة على المشروع؟

 المشكلة أن المشروع يمنح وزارة التعليم العالي سلطة إدارة مراحل مزاولة المهنة بالكامل، بداية من التدريب، مرورًا بالاختبارات، وحتى منح درجات المهندس الممارس والمهندس الأخصائي والمهندس الاستشاري، بينما يصبح دور النقابة شكليًا يقتصر على اعتماد ما يتم اتخاذه من قرارات.

هذا يمثل افتئاتًا واضحًا على اختصاصات النقابة التي حددها القانون، كما أنه يخالف النظم المهنية المعمول بها عالميًا.

 هناك من يرى أن وزارة التعليم العالي هي الأقدر على إدارة هذا الملف.. ما تعليقكم؟

 نحن نحترم جميع مؤسسات الدولة، لكن من المهم الفصل بين مسؤولية التعليم ومسؤولية مزاولة المهنة.

وزارة التعليم العالي مسؤولة عن العملية التعليمية، أما النقابة فهي الجهة المنوط بها متابعة وتأهيل المهندس بعد التخرج، والتأكد من جاهزيته لسوق العمل، هدفنا ليس الصدام مع أي جهة، وإنما الوصول إلى أفضل منظومة تحقق مصلحة المهندس والدولة معًا، بما يتوافق مع رؤية الدولة في تطوير المهنة.

 وكيف تنظرون إلى التعاون مع وزير التعليم العالي الحالي؟

 نحن متفائلون للغاية، الدكتور عبدالعزيز قنصوة وزير التعليم العالي مهندس، ويُدرك حجم التحديات التي تواجه التعليم الهندسي، كما أن لدينا معرفة سابقة به، ونتوقع أن يكون هناك تعاون كبير بين الوزارة والنقابة لمعالجة هذه الأزمة.

أعتقد أن نجاح منظومة التعليم الهندسي لن يتحقق إلا من خلال شراكة حقيقية بين الحكومة والنقابة، بحيث تقوم كل جهة بدورها بما يخدم المهنة.

 لو طلب منك تقديم نصيحة لطالب الثانوية العامة الراغب في الالتحاق بكلية الهندسة.. ماذا ستقول له؟

 أولًا، أنصحه بألا يختار الكلية أو التخصص بناءً على اسمه فقط، وإنما وفق احتياجات سوق العمل، هناك تخصصات وصلت بالفعل إلى مرحلة التشبع، وفي مقدمتها الهندسة المدنية، التي تشهد زيادة كبيرة في أعداد الخريجين مقارنة بحجم الطلب، في المقابل، توجد تخصصات تشهد طلبًا متزايدًا محليًا وعالميًا، مثل الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، وبعض التخصصات التكنولوجية الحديثة.

لكنني أؤكد أننا نعمل حاليًا مع مراكز بحثية متخصصة لإعداد دراسة علمية دقيقة تحدد احتياجات سوق العمل خلال السنوات المقبلة، وأتوقع أن تكون هذه الدراسة جاهزة قبل نهاية العام، حتى تصبح مرجعًا للدولة والطلاب وأولياء الأمور عند اتخاذ قراراتهم.

 هل يعني ذلك أنك لا تنصح حاليًا بالالتحاق بقسم الهندسة المدنية؟

– في ضوء المؤشرات الحالية، نعم، أرى أن الهندسة المدنية من التخصصات التي تشهد تشبعًا في أعداد الخريجين مقارنة باحتياجات السوق، لكننا نفضل انتظار نتائج الدراسة العلمية التي نجريها حاليًا، لأنها ستقدم صورة دقيقة وموضوعية عن احتياجات سوق العمل، والتخصصات التي ينبغي التوسع فيها، وتلك التي تستلزم إعادة النظر في أعداد المقبولين بها.

هدفنا في النهاية هو تحقيق التوازن بين منظومة التعليم واحتياجات التنمية، بما يضمن توفير فرص عمل حقيقية للمهندس المصري، والحفاظ على جودة المهنة ومكانتها.

ملف “يوتن”.. صراع على حقوق المهندسين واستثمارات صندوق المعاشات

ننتقل إلى الملف الأكثر إثارة للجدل.. إلى أين وصلت أزمة شركة “يوتن”؟

هذا الملف يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه مجلس النقابة الحالي، لأنه يتعلق بحقوق آلاف المهندسين وأصول صندوق المعاشات. لدينا شراكة ممتدة مع شركة “يوتن” منذ نحو 40 عامًا. بدأت هذه الشراكة بحصص بلغت 30% لنقابة المهندسين، و30% للشريك الأجنبي، و40% لمستثمرين آخرين من بنوك وأفراد.

ومع مرور السنوات نجحت الشركة الأجنبية في الاستحواذ على حصص المستثمرين الآخرين، لتصبح مالكة لـ70% من الشركة، بينما احتفظت النقابة بحصتها البالغة 30%.

 وما الذي تسبب في الأزمة الحالية؟

 خلال السنوات العشر الأخيرة شهدت العلاقة بين الطرفين توترًا متصاعدًا، نتيجة ممارسات من الشريك الأجنبي في الشركة، نرى أنها استهدفت الضغط على النقابة تمهيدًا للاستحواذ على حصتها، تمثلت هذه الممارسات في زيادات متكررة لرأس المال، والحصول على قروض من الشركة الأم، وتحميل الشركة مبالغ تحت مسميات مختلفة مثل حقوق الملكية والامتياز، إلى جانب الامتناع عن توزيع الأرباح لفترات طويلة، وفي النهاية تضرر صندوق معاشات المهندسين، رغم أن الشركة حققت نموًا كبيرًا خلال هذه السنوات.

 هل تقصد أن النقابة لم تستفد من نجاح الشركة؟

 للأسف، العائد الذي حصل عليه صندوق المعاشات طوال سنوات الشراكة لا يتناسب إطلاقًا مع حجم النمو الذي حققته الشركة، كان من المفترض أن تسهم هذه الاستثمارات في دعم موارد صندوق المعاشات وتحسين أوضاع المهندسين، لكن ذلك لم يتحقق بالشكل المأمول.

متى بدأ النزاع القانوني؟

 الخلافات موجودة منذ عام 2016، لكنها تصاعدت بصورة أكبر منذ منتصف عام 2023، بعد اتخاذ الشركة عددًا من الإجراءات التي ترى النقابة أنها تستهدف الاستحواذ الكامل على الشركة وإخراجها من هيكل الملكية، الملف الآن أمام القضاء، ونسير في جميع المسارات القانونية للحفاظ على حقوق النقابة.

 ماذا فعل مجلس النقابة منذ توليه المسؤولية؟

 منذ تسلمنا المسؤولية تعاملنا مع الملف باعتباره أولوية قصوى، استعنا بمستشارين قانونيين دوليين، ومكاتب محاسبة عالمية، وشكلنا لجان متابعة متخصصة، ونعقد اجتماعات دورية لمراجعة كل تطور، كما تواصلنا مع جميع الجهات الرسمية المعنية، ونتابع القضية بصورة يومية، لأننا ندرك أن الأمر يتعلق بأموال المهندسين ومستقبل صندوق معاشاتهم.

 ما تقييمكم لتصرفات الشريك الأجنبي؟

من وجهة نظرنا، هناك ممارسات تجارية لا تتفق مع القواعد القانونية أو مع مبادئ الشراكة العادلة، وهدفها تقليص حقوق الشريك المصري، ونحن نرفض ذلك تمامًا، وسنواصل الدفاع عن حقوق النقابة بكل الوسائل القانونية المتاحة.

 تردد كثيرًا الحديث عن شيك بقيمة 432 مليون جنيه.. ما قصته؟

الشيك الذي قدمته النقابة بلغت قيمته 432 مليون جنيه، وذلك لإثبات قدرتها الكاملة على سداد قيمة حصتها في زيادة رأس المال، المشكلة أننا لم نتلقَّ إخطارًا رسميًا بزيادة رأس المال كما ينص القانون، وإنما جرى الاكتفاء بإعلانات صحفية لا تستوفي الشروط القانونية، رغم أن العلاقة بين الطرفين هي علاقة شريكين فقط، وكان من الطبيعي إخطار النقابة مباشرة. ورغم ذلك، قررنا تقديم الشيك لإثبات حسن النية والقدرة على السداد أمام الجمعية العمومية والجهات الرسمية.

لكن الشركة رفضت استلامه بحجة انتهاء فترة الاكتتاب، لكننا نطعن على الإجراءات من الأساس، لأنها تمت ــ من وجهة نظرنا ــ بالمخالفة للقانون، ولذلك لا يزال الملف محل نزاع أمام القضاء.

 هل ما زالت هناك فرصة للتسوية؟

 نحن لا نغلق باب الحوار، بل وافقنا مؤخرًا على طلب هيئة الاستثمار القيام بدور الوسيط بين الطرفين، لكن لدينا خطوط حمراء واضحة، أهمها الحفاظ الكامل على حقوق النقابة وأصول صندوق معاشات المهندسين. أي حل لن يكون على حساب حقوق المهندسين، وهذا موقف ثابت لا تراجع عنه.

 سبق أن تحدثت عن ضرورة إدارة استثمارات النقابة بشكل احترافي.. هل ما زلت متمسكًا بهذه الرؤية؟

 بالتأكيد، النقابة تمتلك استثمارات ضخمة، لكن هيكلها الإداري لم يُصمم في الأساس لإدارة هذا الحجم من الاستثمارات.

لذلك أرى أن الحل الأمثل هو الاستعانة بجهة احترافية أو شركة متخصصة تتولى إدارة جميع استثمارات النقابة وفق معايير اقتصادية واضحة، مع خضوعها الكامل لرقابة مجلس النقابة وهيئة المكتب، كما أرى أن القرارات الكبرى المتعلقة بالأصول الاستراتيجية يجب أن تُبنى على دراسات مالية وفنية متخصصة، ثم تُعرض على الجمعية العمومية لاتخاذ القرار المناسب.

هدفنا هو تعظيم العائد على أصول النقابة، بما ينعكس بصورة مباشرة على الخدمات المقدمة للمهندسين، وفي مقدمتها صندوق المعاشات.

ملف “بدر”.. أرض بمليارات الجنيهات وسباق مع الزمن

 دعنا ننتقل إلى ملف مدينة بدر.. ما حقيقة الأزمة؟

تتمثل أزمة مدينة بدر الخاصة بنقابة المهندسين في قطعة أرض مُخصصة منذ عام 2015. تصاعدت الأزمة نتيجة تعثر بناء المستشفى بسبب تكاليفه الباهظة، مما دفع المجلس في أغسطس 2023 لتغيير النشاط إلى “تجاري وإداري” وإلزام النقابة بدفع مبالغ مالية لجهاز المدينة.

 نحن تسلمنا هذا الملف وهو في غاية التعقيد. تمتلك النقابة قطعة أرض بمدينة بدر تبلغ مساحتها نحو 16 ألف متر مربع، حصلت عليها منذ سنوات بهدف إنشاء مستشفى يخدم المهندسين.وبالفعل أُعدت تصميمات للمشروع، لكن مع تعاقب المجالس توقفت الإجراءات، ثم تغيرت الرؤية الاستثمارية ليصبح الاتجاه نحو مشروع تجاري وإداري وسكني، دون أن تُحسم خطوات التنفيذ بصورة نهائية.

 أين تكمن المشكلة الآن؟

 عندما تسلمنا المسؤولية فوجئنا بأن هناك التزامًا تعاقديًا يقضي بإنجاز نسبة 30% من المشروع خلال فترة زمنية قصيرة، بينما لم تكن هناك تصميمات نهائية، ولا مطور عقاري، ولا تمويل، ولا حتى رؤية تنفيذية مكتملة.

كنا أمام مهلة لا تتجاوز أربعة أشهر لإنجاز أمور تحتاج في الظروف الطبيعية إلى ما بين 18 و24 شهرًا، وهو ما وضع النقابة أمام تحدٍ شديد الصعوبة.

 كيف تعاملتم مع هذا الوضع؟

 تعاملنا مع الملف كما وجدناه، وبدأنا فورًا في دراسة جميع البدائل الممكنة بالتعاون مع جهات متخصصة، في محاولة للحفاظ على هذا الأصل الاستثماري وتعظيم الاستفادة منه. نحن لا نتحدث عن أخطاء ارتكبها المجلس الحالي، وإنما عن تراكمات امتدت لسنوات، وواجبنا الآن هو إنقاذ الموقف بأفضل صورة ممكنة.

 البعض يرى أنكم ورثتم “تركة ثقيلة”.. فمن المسؤول عما وصلت إليه النقابة؟

 لا يشغلني الآن البحث عن المسؤول بقدر ما يشغلني إنقاذ هذه الملفات، نحن نتعامل مع مجلس منتخب، وبالتالي فإن المسؤولية في النهاية مسؤولية جماعية، لكن الأولوية بالنسبة لي الآن هي حماية أموال النقابة ومصالح المهندسين.

وعندما ننتهي من معالجة الملفات، وإذا ثبت وجود مخالفات أو تقصير تسبب في الإضرار بحقوق النقابة، فسيتم إحالة كل ما يثبت إلى جهات التحقيق المختصة لتحديد المسؤوليات، أما الآن، فتركيزي بالكامل منصب على الحلول، وليس تبادل الاتهامات.

قانون يحتاج إلى إعادة صياغة شاملة

 ما أبرز التعديلات التي تحتاجها نقابة المهندسين في قانونها الحالي؟

 الحقيقة أن القانون الحالي لم يعد يواكب المتغيرات التي شهدتها الدولة والمهنة، نتحدث عن قانون صدر عام 1974، بينما تغيرت الظروف الاقتصادية والاجتماعية والمهنية بصورة كاملة، ولذلك نحن بحاجة إلى قانون عصري يعكس واقع مهنة الهندسة اليوم، ومن يتعين تعديل عددا من المواد المتعلقة بالموارد المالية للنقابة، وآليات الانتخابات، وتنظيم مزاولة المهنة، وتطوير الخدمات المقدمة للأعضاء.

اليوم تضم النقابة نحو مليون مهندس، بينهم ما يقرب من 200 ألف صاحب معاش، وهو ما يفرض ضرورة توفير موارد مستدامة تضمن الحفاظ على المعاشات وتحسينها بصورة دورية. هذا الدور لا يخدم المهندسين فقط، بل يمثل مساهمة مهمة في دعم الاستقرار الاجتماعي.

وهل لديكم مشروع متكامل لتعديل القانون؟

 نعم، هناك تعديلات سبق إعدادها منذ سنوات، وجرى تطويرها لاحقًا، ونتمنى أن ترى النور في أقرب وقت، خاصة المواد المرتبطة بزيادة موارد النقابة وتحسين أوضاع صندوق المعاشات، وفي الوقت نفسه، سنعمل على إعداد مشروع متكامل لإعادة صياغة قانون النقابة بالكامل، بما يواكب التطورات الحديثة، ويمنح النقابة الأدوات اللازمة للقيام بدورها في خدمة المهنة والمهندسين.

“السركي” إهانة لمهنة الهندسة

من أكثر الملفات التي أثارت اهتمام المهندسين حديثك عن نظام “السركي”.. لماذا تصفه بأنه كارثة؟

-لأنه بالفعل يمثل أزمة حقيقية تمس كرامة المهندس ومكانة المهنة، بعد صدور قانون الخدمة المدنية وتوقف التعيينات الحكومية، استمرت الجهات الحكومية في احتياجها إلى المهندسين، سواء في المحليات أو الري أو الصحة أو التعليم أو غيرها من القطاعات، لكنها لم تعد تعينهم على درجات وظيفية دائمة، وبدلاً من ذلك، لجأت إلى تشغيلهم بنظام اليومية أو ما يُعرف بين المهندسين بـ”السركي”، وهذا النظام يحول المهندس إلى عامل يومية، يتقاضى أجرًا محدودًا، ولا يتمتع بأي استقرار وظيفي أو تأميني أو مهني.

المهندس في هذه الحالة لا يحصل على مسار وظيفي واضح، ولا تدريب، ولا فرص للترقي، ولا يشعر بأن المؤسسة تستثمر في تطويره، لأنه في النهاية يعمل بصورة مؤقتة. وهذا ينعكس سلبًا على جودة الأداء الهندسي، وعلى مستقبل المهنة بالكامل.

 وهل تطور الأمر إلى صور أخرى من التعاقد؟

 نعم، ظهرت بعد ذلك عقود سنوية، ثم وصلنا إلى ما هو أسوأ، وهو التشغيل بما يسمى “المذكرة”، في هذه الحالة لا يكون هناك عقد عمل من الأساس، وإنما مجرد مذكرة داخلية، وإذا تغيب المهندس عدة أيام فقط تنتهي علاقته بالعمل دون أي ضمانات أو حقوق.كما أنه لا يحصل على حقوقه التأمينية أو الوظيفية أو فرص التدريب أو التدرج الوظيفي، وهو وضع لا يليق أبدًا بمهندس يُطلب منه تحمل مسؤوليات فنية كبيرة.

وما الحل الذي تقترحه النقابة؟

 الحل واضح، إذا كانت الدولة تحتاج إلى المهندس، فعليها أن تعينه على درجة وظيفية دائمة، مع منحه كامل حقوقه القانونية والمهنية. ومن يثبت كفاءته يستمر ويتدرج في المناصب، ومن لا يثبت كفاءته يمكن الاستغناء عنه وفقًا للقانون، لكن استمرار هذا الوضع الحالي لا يخدم لا الدولة ولا المهنة ولا المواطن.

هل طرحتم هذه القضية على الحكومة؟

 نعم، وطرحناها خلال لقاءاتنا مع عدد من الوزراء، ومن بينهم وزيرة التنمية المحلية، وأكدنا أن الأمر لا يتعلق بوزارة بعينها، وإنما هو ملف يخص الجهاز الإداري للدولة بالكامل، لأن المشكلة موجودة في وزارات متعددة، مثل الري، والصحة، والتعليم العالي، والمحليات وغيرها، وسنواصل طرح هذا الملف في كل لقاء رسمي، لأنه بالنسبة لنا قضية كرامة مهنية قبل أن يكون قضية إدارية.

قانون التصالح ودور نقابة المهندسين

 كيف ترى تطبيق قانون التصالح في مخالفات البناء؟

 الحقيقة أن ملف التصالح من أكثر الملفات تعقيدًا، منذ البداية كنا نؤكد ضرورة أن يكون هذا القانون آخر قانون للتصالح، حتى لا يترسخ لدى المواطنين اعتقاد بأن مخالفة البناء يمكن دائمًا تسويتها بقانون جديد، لكن ما حدث أن القانون واجه تعقيدات إجرائية وإدارية كبيرة، حالت دون تحقيق الأهداف التي صدر من أجلها.

 وما أبرز الملاحظات التي لديكم على القانون؟

 المشكلة الأساسية أن نقابة المهندسين، رغم أنها شريك رئيسي في تنفيذ إجراءات التصالح، لم تُشرك بصورة كافية في إعداد القانون أو مناقشة آليات تطبيقه، بينما الواقع يؤكد أن المهندس هو العنصر الأساسي في إعداد الرسومات الهندسية، ومراجعة السلامة الإنشائية، واعتماد الأعمال الفنية المرتبطة بالتصالح. لذلك نرى أن نجاح المنظومة يتطلب شراكة حقيقية مع النقابة، وليس الاكتفاء بإسناد الأعباء إليها دون إشراكها في صناعة القرار.

 وما الذي تطالبون به؟

 نطالب بفتح حوار مجتمعي جاد يضم جميع الأطراف المعنية، وفي مقدمتها نقابة المهندسين، للوصول إلى قانون أكثر فاعلية وقابلية للتطبيق، هدفنا ليس توجيه النقد، وإنما الوصول إلى منظومة تحقق مصلحة الدولة والمواطن، وتدعم الالتزام بالقانون، وتستفيد من الخبرات الفنية الموجودة داخل النقابة.