من الادخار والمصيف إلى صراع المعيشة.. كيف غير الغلاء حياة الطبقة المتوسطة؟

شهادات مواطنين وآراء خبراء ترصد كيف التهم التضخم القوة الشرائية وحول الادخار والمصيف لرفاهية

هدى زكريا: الطبقة المتوسطة لا تختفي من أي مجتمع لكنها تعاني حاليًا من تقلص أعدادها

هيثم جمال: زيادة معدلات التضخم أدت لتآكل الطبقة المتوسطة وانخفاض قوتها الشرائية

لسنوات طويلة مثّلت الطبقة المتوسطة العمود الفقري للمجتمع المصري، وحافظت على حالة من التوازن الاجتماعي والاقتصادي، باعتبارها الشريحة القادرة على العمل والإنتاج والإنفاق والادخار في الوقت نفسه، لكن مع موجات التضخم المتلاحقة وارتفاع تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة، بات كثير من أبناء هذه الطبقة يشعرون بأنهم يخسرون تدريجيًا المكانة الاقتصادية التي اعتادوا عليها، فبين ارتفاع أسعار الغذاء والسكن والتعليم والرعاية الصحية، أصبحت آلاف الأسر تعيد ترتيب أولوياتها اليومية، وتستغني عن بنود إنفاق كانت تُعد طبيعيًا، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، وفي إطار هذا الطرح، بات أصحاب الطبقة المتوسطة “سابقا” يقرون أنهم لم يعودوا منها إطلاقًا وتبدلت أحوالهم.

المصيف والادخار أصبحا ذكريات

قال عمر محمد، شاب في مطلع العقد الثالث من عمره، إنه نشأ على قناعة راسخة بأن أسرته تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، مضيفًا أن والده كان يردد دائمًا أنهم يعيشون حياة مستقرة، متابعًا أن:” الدخل كان يكفي لتلبية احتياجات الأسرة الأساسية، مع إمكانية ادخار جزء من المال شهريًا، إلى جانب قضاء أسبوع بالمصيف كل عام”، كما كان عمر وإخوته يمارسون الأنشطة الرياضية في أحد مراكز الشباب دون أن يشكل ذلك عبئًا على ميزانية الأسرة، لكن المشهد تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة. فبعد إحالة والده إلى المعاش وارتفاع تكاليف المعيشة، أصبحت الأسرة تواجه صعوبة متزايدة في تغطية احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء ومتطلبات الحياة اليومية.

وأوضح عمر لـ”ليبرالي”،:” أعمل حاليًا وأساهم في مصروفات المنزل إلى جانب والدي، ومع ذلك لا تزال الأعباء أكبر من قدرتنا على التحمل، وكثير من الأشياء التي كانت متاحة لنا في الماضي أصبحت اليوم من الرفاهيات”، مؤكدًا أن الفجوة بين مستوى المعيشة الذي عاشته أسرته في طفولته وما تعيشه اليوم تعكس حجم الضغوط التي تعرضت لها الطبقة المتوسطة خلال السنوات الأخيرة.

ولم يكن هذا هو حال أسرة الشاب عمر، بل هناك الآلاف من الأسر الذين باتوا معلقين بين الطبقة المتوسطة وطبقة محدودي الدخل.

تحولات اجتماعية ممتدة

من جانبها، علقت الدكتورة هدى زكريا، أستاذ علم الاجتماع السياسي، بأن المجتمع المصري شهد بالفعل تحولات اجتماعية نتيجة أنماط الأنشطة الاقتصادية التي مورست عبر مراحل تاريخية مختلفة، موضحة أن الطبقة المتوسطة كانت ضخمة وقوية ومهيمنة على المجتمع خلال ستينيات القرن الماضي، حيث حظيت بدعم واضح من صانع القرار وأجهزة الدولة، ما جعلها تتمتع بملامح واضحة ودور مؤثر في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية.

التحولات وتأثيرها عالطبقة المتوسطة
وأضافت “زكريا” لـ”ليبرالي” أن فترة السبعينيات شهدت بداية التراجع عن مساندة هذه الطبقة، نتيجة العديد من القرارات والسياسات الخاطئة، بالإضافة إلى ظهور أنشطة اقتصادية جديدة أدت إلى إضعافها، كما برزت فئات من المنتفعين مع سياسات بيع المصانع، وظهرت ممارسات اقتصادية تمثلت في تجارة العملة والسمسرة والتهريب، مشيرة إلى أن العديد من الدراسات التي أجريت خلال تلك الفترة أكدت أن جانبًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي تركز في هذه الأنشطة، والتي تمثل هادمة لأخلاق الطبقة المتوسطة التي تحمي الأخلاق داخل المجتمع، وتربي الأجيال على أهمية التعليم والعمل والالتزام بالقيم الاجتماعية،ومع صعود فئات المنتفعين الجدد، بدأت عملية إضعاف الطبقة المتوسطة، وحدث حراك اجتماعي هابط، إذ تراجع كثير من أبناء هذه الطبقة إلى مستويات اجتماعية واقتصادية أدنى، ما جعلها تعاني من ضغوط مستمرة لا تزال قائمة حتى اليوم.

الطبقة المتوسطة لا تختفي.. لكنها تتقلص
وأكدت أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن الطبقة المتوسطة لا تختفي أبدًا من أي مجتمع، لكنها تعاني حاليًا من تقلص أعدادها وتزايد صعوبات الحياة التي تواجهها، وهو ما انعكس على المجتمع بأكمله، ولفتت إلى أن فئة الأغنياء الجدد ركزت على تحقيق الثروة وجمع الأموال دون الاهتمام الكافي بقضايا التعليم أو دعم القطاع العام أو الإسهام في التنمية الاجتماعية، الأمر الذي أثر سلبًا على التوازن الاجتماعي.

وقالت إن تركيبة الطبقة المتوسطة لم تعد تحتفظ بالنسبة نفسها أو بالقوة الاجتماعية التي كانت تتمتع بها في السابق، مشيرة إلى أنها خلال زياراتها للولايات المتحدة سمعت من أكاديميين هناك أن المجتمع الأمريكي يُنظر إليه باعتباره مجتمعًا تقوده طبقة متوسطة قوية، رغم وجود أغنياء وفقراء، وذلك لأن صناع القرار يحرصون على أن تظل هذه الطبقة هي الأكبر والأكثر تأثيرًا، بما يضمن الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

وأضافت أن العودة إلى مرحلة الستينيات وما أعقب ثورة 23 يوليو تكشف بوضوح كيف ساهمت القرارات المتعلقة بالتعليم والقطاع العام في دعم الطبقة المتوسطة، ليس فقط لمصلحتها المباشرة، وإنما لتمكينها من أداء دور اجتماعي فاعل في تنشيط المجتمع سياسيًا وثقافيًا.

وأشارت إلى أن جميع المجتمعات قد تواجه مشكلات تتعلق بالطبقة المتوسطة، لكن الفارق يكمن في طبيعة السياسات العامة والأنشطة الاقتصادية التي إما تدعم هذه الطبقة أو تدفعها نحو التراجع، مؤكدة أن التحديات الاقتصادية التي تواجه الطبقة المتوسطة المصرية اليوم تعود في جانب منها إلى السياسات التي مورست خلال السبعينيات والثمانينيات، والتي لم تكن حريصة بالقدر الكافي على الحفاظ على قوة هذه الطبقة.

واختتمت حديثها بالتأكيد على أن أبناء الطبقة المتوسطة أصبحوا يعيشون حالة من القلق المتزايد بشأن مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، خاصة فيما يتعلق بالتعليم وفرص العمل، وهو ما جعل كثيرين يشعرون بأنهم لم يعودوا قادرين على مواصلة حياتهم وأداء دورهم الاجتماعي كما كان الحال خلال الستينيات، مؤكدة أن قوة الطبقة المتوسطة تظل شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار والتنمية في أي مجتمع.

التضخم يفرض واقعًا جديدًا

شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تقلبات وارتفاعات حادة في معدلات التضخم، حيث سجلت مستويات تاريخية غير مسبوقة تجاوزت 40% في منتصف عام 2023، قبل أن تتباطأ لتسجل مستويات تتراوح بين 14% و15% في منتصف عام 2026.

وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية بلغ (292.0) نقطة لشهر مايو 2026، مسجلاً بذلك ارتفاعاُ قدره (1.4%) عن شهر أبريل 2026.

وأوضح التقرير أن معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية بلغ “13.0%” لشهر مايو 2026 مقابل “13.4%” لشهر أبريل 2026.

صمام الأمان الاقتصادي

من جانبه أكد الدكتور هيثم جمال، الخبير الاقتصادي، أن الطبقة المتوسطة هي صمام أمان المجتمع، لما لها من تأثير علي الاقتصاد من عدة جوانب منها علي سبيل المثال زيادة حجم الإنفاق “حجم الاستهلاك”، وبالتالي زيادة الطلب علي السلع مما يؤدي لزيادة حجم المعروض وزيادة معدلات التوظيف في الاقتصاد وانخفاض معدلات البطالة ،كما تلعب دورا مهم في زيادة حجم المدخرات المحلية التي تساهم في زيادة حجم الاستثمارات المحلية.

وأضاف “جمال” لـ”ليبرالي” أن الطبقة المتوسطة شهدت مجموعة من الصعاب مما دفع إلي تآكل الطبقة المتوسطة نتيجة زيادة معدلات التضخم والذي اتبعه انخفاض القوة الشرائية لدي هذه الطبقة، بالإضافة إلى زيادة حجم الأعباء العائلية المرتبطة بالانفاق علي المسكن والتعليم والرعاية الصحية في ظل الضغوط علي موازنة الأسرة.

وأشار إلى أن حدوث أي زيادة في معدلات الأجور يقابلها حدوث زيادة في معدلات التضخم مما يؤدي إلى عدم شعور المواطن بتحسن في مستوي المعيشة والدخول، مما يتطلب من الدولة زيادة برامج الحماية الاجتماعية والحفاظ علي استقرار الأسعار.

وأوضح أن الأفراد يطرقون جميع الأبوب بحثًا عن زيادة معدلات الدخول من خلال الوظائف المختلفة في العمل الحر، لتحسين مستوى المعيشة ومواكبة التغيرات في الأسعار وبخاصة في ظل التحديات العالمية والتحديات التي تمر بها المنطقة مما يتطلب ضرورة الاهتمام بالخدمات التي تعيد التوازن للاقتصاد بتكلفة أقل.

واختتم حديثه مطالبًا بزيادة الدعم المقدم لمستحقيه سواء الدعم النقدي والعيني، وزيادة عدد المستفيدين من برنامج تكافل وكرامة للحفاظ على ما تبقي من الطبقة المتوسطة.

كيف يمكن الحد من التراجع؟
يرى الخبراء أن الحفاظ على الطبقة المتوسطة يتطلب مزيجًا من السياسات الاقتصادية والاجتماعية، تشمل السيطرة على التضخم، وتحسين مستويات الدخول الحقيقية، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، ودعم التعليم والخدمات الأساسية، كما يؤكدون أهمية زيادة الدعم الموجه للفئات المستحقة، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية مثل “تكافل وكرامة”، إلى جانب خلق فرص عمل جديدة وتحفيز النشاط الإنتاجي، بما يساعد الأسر على استعادة جزء من قدرتها الشرائية.