
بين خفة الظل التي رسمت الضحكة على وجوه الملايين، والدراما القاسية التي صاغت نهايات حياته، تظل سيرة الفنان القدير علي الكسار واحدة من أكثر قصص تاريخ الفن المصري ثراءً وإلهاماً وشجناً، فالفنان الذي تربع على عرش الكوميديا لسنوات طويلة واحتفظ بحضور فني ممتد، بدأت رحلته من مهن بسيطة، ومرت بمفارقات غريبة أودت به يوماً إلى “مستشفى المجانين”، وانتهت برحيل مأساوي داخل غرفة بالدرجة الثالثة في مستشفى قصر العين.

من “السروجية” والمطبخ إلى خشبة المسرح
ولد علي الكسار في حي السيدة زينب بالقاهرة، ولم يكن طريقه إلى الفن مفروشاً بالورود في بداياته، حاول والده تدريبه على مهنته الأصيلة وهي “السروجية” صناعة مستلزمات الخيول، إلا أن الابن لم يتقنها ولم يجد شغفه فيها، تلك الإخفاقات الأولية قادته للعمل في مجال الطهي مع خاله، وهي المحطة التي غيرت مجرى حياته تماماً، حيث أتاح له العمل في المطبخ الاحتكاك المباشر والنقدي بالنوبيين فتعلم لغتهم وأتقن نبرات صوتهم، وطريقتهم المميزة في الحديث، هذا الاختلاط العفوي استثمره الكسار لاحقاً على خشبة المسرح ليخلق شخصية “عثمان عبد الباسط” الرجل النوبي البسيط ذي البديهة الحاضرة، وهي الشخصية التي منحت الكسار لقبه الشهير وبوابته الذهبية نحو النجومية ومنافسة كبار نجوم عصره مثل نجيب الريحاني.

الخروف الضائع ورحلة “مستشفى المجانين”
حياة الكسار لم تخلُ من المفارقات الكوميدية التي تشبه أفلامه، ولعل أبرزها تلك الواقعة الغريبة التي قادته مؤقتاً إلى مصحة نفسية ففي إحدى السنوات، قام الكسار بشراء خروف حي لتربيته في منزله استعداداً لعيد الأضحى، ولكنه فوجئ باختفاء الخروف فجأة في أحد الأيام، أصيب الكسار بحالة من الصدمة والذهول، واندفع يهرول في شوارع القاهرة بملامح هائمة باحثاً عن خروفه المفقود بشكل لافت أثار ريبة المارة والشرطة وبسبب تصرفاته الصادمة والملحة في البحث، اعتقد المحيطون به وأجهزة الأمن أنه “فقد عقله”، ليتم إيداعه بالفعل في “مستشفى المجانين” ولم ينقذه من هذا المأزق سوى تدخل أصدقائه من الوسط الفني الذين سارعوا بالشهادة بسلامة قواه العقلية ليتأكد الجميع أنها كانت مجرد ردة فعل عفوية من فنان يعشق البساطة، فتم إخراجه على الفور.

تبدل الأحوال والنهاية المأساوية
الزمن الذي أعطى الكسار مجداً وشهرة عاد ليدير ظهره له ومع تبدل الأذواق وظهور جيل جديد من السينمائيين والمسرحيين، انصرف الجمهور تدريجياً عن مسرحه، واجه الكسار ضوائق مالية شديدة اضطرته لإنفاق كل ما يملك من ثروة حتى أعلن الإفلاس التام، وتحول من صاحب فرقة ومسرح صاخب إلى فنان يبحث عن أدوار صغيرة ليعيش منها.

ولم تتوقف المعاناة عند حدود الفقر، بل داهمه المرض اللعين، حيث أصيب بـ سرطان البروستاتا وفي أيامه الأخيرة، لم يجد رائد الكوميديا مأوى سوى غرفة متواضعة بالدرجة الثالثة في مستشفى قصر العيني، ليرحل عن عالمنا عام 1957 فقيراً ومهمشاً من الناحية المادية، ولكنه ظل غنياً بإرثه الفني العظيم وأفلامه الخالدة التي لا زالت حتى اليوم ترسم البسمة على وجوه الأجيال الممتدة لأكثر من قرن من الزمان.






