الرئيسيةملفات

اللواء سمير زين العابدين لـ«ليبرالي»: هكذا عشنا الساعات الحاسمة من العبور.. والجندي المصري صنع المستحيل

  • قائد السرية بالكتيبة 305 مدفعية يروي كواليس أكتوبر: كنا ننتظر ساعة الصفر.. وعندما بدأت النيران لم نصدق أننا عبرنا

  • لم نعرف موعد الحرب إلا في الحادية عشرة صباحًا.. وإشارة مقلوبة كشفت شيئًا من السر

  • في الثانية و5 دقائق بدأنا ندك حصون العدو.. وصوت المدفعية ملأ الجبهة

  • بعد 10 دقائق من العبور سقطت أول نقطة حصينة.. وبعد 50 دقيقة كانت 6 نقاط في أيدينا

  • أكتوبر كان أكبر صدمة لإسرائيل وزلزل مفهوم أمنها القومي

  • المحارب المصري كان مفاجأة أكتوبر الحقيقية.. والجندي البسيط هزم معادلة التفوق

في ذكرى نصر أكتوبر المجيد، تعود إلى الواجهة حكايات الأبطال الذين عاشوا تفاصيل الحرب لحظة بلحظة، بين مشاهد البطولة والتضحيات ومواقف إنسانية وطريفة بقيت عالقة في الذاكرة، وفي حوار خاص مع «ليبرالي»، يستعيد اللواء سمير زين العابدين، قائد سرية بالكتيبة 305 مدفعية ميدان باللواء العاشر مشاة ميكانيكي، ذكرياته من قلب معارك أكتوبر 1973، كاشفًا تفاصيل الساعات التي سبقت العبور، ولحظات اقتحام خط بارليف وتحرير القنطرة شرق، إلى جانب مواقف لا تُنسى عاشها مع جنوده خلال أيام القتال.

استعدادات سرية سبقت ساعة الصفر

استعاد اللواء سمير زين العابدين، قائد السرية بالكتيبة 305 مدفعية ميدان، بداية الحشد والاستعداد للمعركة، قائلا:« صدرت الأوامر باحتلال مواقع العمليات، فتحركت وحدتي من الهاكستب إلى القنطرة غرب يوم السبت 29 سبتمبر 1973، ولحقت بها بعد يومين، عقب إيقاف الدورة الدراسية التي كنت أتلقاها بمدرسة المدفعية».

وأضاف:« لم نكن نعلم بموعد الحرب، إلا أن تعليمات بدأت تصدر يوم الخميس 4 أكتوبر، بشأن إجراءات سيتم تنفيذها يوم السبت 6 أكتوبر، وهو ما لفت انتباهي، وكان من بين تلك التعليمات أن يرتدي أفراد الشرطة العسكرية شارة الذراع في وضع مقلوب، ومع ذلك لم نعرف الموعد الرسمي لبدء الحرب إلا في الحادية عشرة صباح يوم 6 أكتوبر.».

وتابع:« كنت وقتها قائداً لسرية بالكتيبة 305 مدفعية ميدان، ضمن اللواء العاشر مشاة ميكانيكي، وكانت السرية مسلحة بالهاوتزر عيار 122 مم (M-30)، وفي ذلك الوقت، جاء إلى موقعي قائد الكتيبة لمراجعة خطة التمهيد النيراني معي، وإبلاغي بموعد بدء التنفيذ».

لحظة العبور

 

وعن لحظة إبلاغ الجنود والانطلاق، روى زين العابدين:« ثارت في داخلي مشاعر الحماس، فجمعت ضباطي وجنودي لأخبرهم بأنه قد حانت تلك اللحظة التي انتظرناها طويلاً، لحظة استرداد الكرامة والشرف، فأهلنا وشعبنا ينظرون إلينا الآن، وعلينا أن نثبت لهم أننا رجال بحق».

وأوضح:« لم يقل حماسهم عن حماسي، ولكني طالبتهم بالهدوء للحفاظ على السرية، ثم راجعت معهم مهامهم، وانطلقنا جميعا إلى مواقعنا وتربطنا وسائل الاتصال المختلفة، وأخذت موقعي فوق تبة الحرش الصناعية المشرفة على قناة السويس، وأمامي أهدافي التي سأقوم بتدميرها بعد 3 ساعات».

وتابع:« ثلاث ساعات مرت بتثاقل شديد، إلى أن رأينا طائراتنا لأول مرة تجري فوق رؤوسنا تعبر القناة إلى داخل سيناء قبل الثانية بدقائق قليلة؛ صار الجميع يقفز في الهواء، لم نكن نصدق أنه يحدث، وانطلقت التكبيرات والتهليلات، وطلبت من الجميع العودة لأماكنهم، وفي الساعة الثانية و5 دقائق، بدأنا ندك حصون العدو واحتياطياته القريبة بالنيران، وكان صوت انطلاق المدفعية وانفجاراتها يملأ الجبهة بكاملها».

وأضاف:« كانت النيران كثيفة بدرجة تجعل تمييز نيرانك من نيران غيرك عملية صعبة، فأمرت موقع النيران أن يطلق دانة دخان وسط ما يطلق من دانات شديدة الانفجار لأميز نيراني وأستطيع تدقيقها وتصحيحها، فكانت المفاجأة أن كثيرا من القادة أصدروا نفس الأمر، ورأيت الكثير من دانات الدخان تنفجر أمامي في مواقع مختلفة، فأمرت بحبس النيران دقيقة، وأيضا لم تفلح حيلتي فقد فعل مثلي الكثير، فأسلمت أمري لله وأهدافي تُضرب بنيران كثيفة وهو المطلوب».

من اقتحام النقاط الحصينة إلى تحرير القنطرة شرق

وعن تفاصيل اقتحام خط بارليف وتحرير الأرض، روى اللواء سمير زين العابدين أنه:« عقب الضربة الجوية الأولى والتمهيد النيراني المكثف للمدفعية، جرى إنزال قوارب قوات المرحلة الأولى لاقتحام النقاط الحصينة، ثم بدأت عملية اقتحام دفاعات القوات الإسرائيلية في القطاع الممتد من شمال جزيرة البلاح حتى الكاب، إلى جانب اقتحام إحدى النقاط الحصينة لمعاونة أعمال القتال في قطاع بورسعيد».

وأشار إلى أنه :« بعد مرور 10 دقائق فقط على العبور، تم الاستيلاء على أول نقطة حصينة على مستوى الجبهة، وهي “القنطرة 1″، وبعد 50 دقيقة من العبور كان قد تم الاستيلاء على 6 نقاط حصينة، بينما ظلت النقطة الحصينة “القنطرة 3” (بلدية القنطرة) محاصرة حتى السابع من أكتوبر 1973، حين تم الاستيلاء عليها قبل آخر ضوء».

وتابع:« بنهاية اليوم الأول للقتال، كانت جميع النقاط الحصينة قد سقطت، وأُحكم الحصار حول مدينة القنطرة، كما تم الاستيلاء على رأس كوبري بعمق 6 كيلومترات، مع صد محاولات اختراق القوات الإسرائيلية، وفي السابع من أكتوبر، نجحت القوات المصرية في تدمير 37 دبابة إسرائيلية، وتوسيع رأس كوبري الفرقة إلى عمق 9 كيلومترات، والقضاء على القوات الإسرائيلية داخل النقطة الحصينة “القنطرة 3″، لتنتهي المعارك بتحرير مدينة القنطرة شرق بالكامل».

النقيب سميرزين العبادين برفقة ظباط من ابطال العبور
النقيب سمير زين العبادين برفقة ظباط من أبطال العبور

قراءة استراتيجية لحرب أكتوبر وثغرة الدفرسوار

وفي قراءة استراتيجية لتأثير حرب أكتوبر 1973، أوضح اللواء سمير زين العابدين أن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، وإنما مثلت نقطة تحول في مفاهيم الأمن القومي وموازين القوى، قائلاً:« حرب أكتوبر 1973 كانت الحدث الذي شكل أكبر صدمة لإسرائيل منذ احتلال فلسطين وحتى وقتنا الحاضر، ففي تلك اللحظة الحاسمة، تحطمت تقديراتها الاستراتيجية وتزلزل مفهوم أمنها القومي القائم على التفوق العسكري المطلق، ما دفعها إلى إعادة النظر في حساباتها ومفاهيمها الأمنية».

وأضاف:«على المستوى الدولي، تغير شكل العالم بعد حرب أكتوبر عما كان عليه قبلها، إذ استُحدثت طرق وأساليب ومفاهيم جديدة في المجالين العسكري والاقتصادي، وأثبتت الحرب أن القوة المسلحة ليست مجرد استعراض للعتاد والإمكانات العسكرية، وإنما أداة يمكن توظيفها لفرض الإرادة وتحقيق تحولات جيوسياسية كبرى».

وعن الجدل المستمر حول ثغرة الدفرسوار، وقراءتها بعيدًا عن التناول الإعلامي المبسط، أوضح اللواء زين العابدين أن :« النصر في فلسفة العلوم السياسية والعسكرية لا يُقاس فقط بنتائج معركة هنا أو خسارة موقع هناك، وإنما بمدى نجاح الأعمال العسكرية في تحقيق الهدف السياسي للحرب، فالحرب في الأساس أداة سياسية، ومن هذا المنظور تحديدًا يجب أن نقرأ ثغرة الدفرسوار».

وتابع:« والثغرة في حد ذاتها تؤكد أن القوة العسكرية الإسرائيلية، المدعومة غربيًا، لم تكن قوة يُستهان بها، وهو ما أدركه المخطط المصري وتعامل معه ببراعة من خلال تحديد المهام الاستراتيجية والتعبوية للقوات المسلحة، التي نجحت في تنفيذ مهامها وتحقيق أهدافها، بما أفضى في النهاية إلى الانتصار وتحقيق التحول الذي استهدفته الحرب».

المحارب المصري.. حين هزم الإنسان معادلة التفوق العسكري

 

وفي حديثه عن الدور الذي لعبه المقاتل المصري في تحقيق النصر، أكد اللواء سمير زين العابدين أن الجندي المصري كان العامل الحاسم في تجاوز الفارق النوعي والتكنولوجي مع إسرائيل، قائلاً:« بصدق، كان المحارب المصري هو المفاجأة الحقيقية في حرب أكتوبر، فقد استطاع أن يتغلب على التفوق النوعي لإسرائيل، المدعوم من معظم القوى الاستعمارية آنذاك، قامت الحرب على أكتاف أجيال جديدة جرى إعدادها وتجهيزها وتدريبها وفق أساليب مستحدثة، تجاوزت كثيرًا من سلبيات الماضي».

وأوضح:« وخلال الفترة من يونيو 1967 وحتى أكتوبر 1973، تخرجت في الكلية الحربية 14 دفعة من ضباط القوات البرية، بلغ عددهم أكثر من 12 ألف ضابط، والأمر نفسه انطبق على خريجي الكليات الجوية والبحرية وكلية الضباط الاحتياط والمنشآت التعليمية العسكرية المختلفة، وكان هؤلاء جميعًا موجودين على الجبهات وفي المواقع الأمامية المتقدمة».

وعن المقاتل المصري البسيط الذي لم يحظَ بقدر كبير من التعليم، أضاف:« هنا تكمن المعجزة الإنسانية الحقيقية، فقد أظهر الجندي المصري العادي، رغم محدودية تعليمه، كفاءة نادرة وقدرة كبيرة على التحمل، نتيجة التدريب المتواصل وطول فترة الإعداد التي امتدت لخمس وست وسبع سنوات في بعض الحالات».

وتابع:« وتعامل جنود لا يعرف بعضهم القراءة والكتابة مع أجهزة ومعدات حديثة بكفاءة فاقت التوقعات، وكان الإخلاص والتفاني والجدية في العمل وإنكار الذات سمات عامة لدى العاملين في القوات المسلحة خلال سنوات الاستعداد للحرب وأثناء العمليات».

ذكريات طريفة من قلب المعركة

ولم تخلُ أيام الحرب القاسية من مواقف إنسانية وطريفة حفرت مكانها في ذاكرة اللواء سمير زين العابدين، والتي استعاد أحدها قائلاً:« مع استمرار العمليات، وصلنا إلى يوم 14 أكتوبر، الذي كثف فيه العدو عملياته الجوية بصورة شديدة، في محاولة شبه انتحارية لتدمير أو إسكات مواقع صواريخ الدفاع الجوي التي أذاقت طائراته الويلات طوال الأيام السابقة».

وأوضح:« كنت أحتل إحدى التباب بالقرب من مدينة القنطرة شرق، وكان يشاركنا الموقع طاقم من قوات الدفاع الجوي، مسلح بصواريخ “ستريلا” المضادة للطائرات، وكان قائد هذا الطاقم أحد صف الضباط، وكنت كثيرا ما أفكر في توبيخه أو الانقضاض عليه بسبب مظهره؛ فقد اعتاد لعدة أيام أن يرتدي بنطلون بيجامة وشبشبا مع سترة “الأوفرول”، ويربط رأسه بفوطة ميري!، ولم يكن يتبعني تنظيميا باعتباري قائده، وكلما تحدثت معه بشأن مظهره، التزم لفترة قصيرة، ثم سرعان ما يعود إلى عادته. وكان مجرد مروره أمامي يصيبني بالغيظ».

وتابع:« وفي صباح ذلك اليوم، مرت فوقنا طائرة قاذفة إسرائيلية واتجهت إلى العمق لتنفيذ مهمتها، وعندما كانت في طريق عودتها، وقف هذا المقاتل وصوّب صاروخه نحوها وأطلقه، وبعد ثوانٍ قليلة، اخترق الصاروخ فتحة عادم الطائرة، فانفجرت وبدأت تهوي إلى الأرض كالعصفورة الجريحة، ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أحتضن هذا المقاتل، وأقبّل رأسه وأشكره على بطولته، وقلت له بكل رضا البس اللي على كيفك ولا يهمك!”».

«قبضنا على عسكري إسرائيلي يا فندم»

واستعاد اللواء سمير زين العابدين موقفًا آخر من المواقف الطريفة التي عاشها خلال الحرب، قائلاً:« في ثاني أيام العمليات، 7 أكتوبر، وأثناء الاشتباك مع العدو، سمعت هرجًا ومرجًا شديدًا في الخلف، ثم رأيت مجموعة من الجنود تتدافع باتجاهي، وهم يمسكون برجل يرتدي “أوفرول” فوق حذاء مدني، ومن دون غطاء للرأس، وكانوا قد قيدوه وأوسعوه ضربًا، وهم يهتفون: “قبضنا على عسكري إسرائيلي يا فندم، وكان الرجل أبيض البشرة، أشقر الشعر، أزرق العينين، وعندما اقترب مني سمعته يصرخ بصوت عالٍ: الحقني يا سيادة النقيب سمير!».

وأوضح:« وما إن رأيته حتى تذكرته فورًا؛ فقد كان الجندي “ناجي”، الذي سُرّح من الخدمة قبل عدة أشهر ضمن خطة الخداع الاستراتيجي، ثم استُدعي مجددًا للمشاركة في الحرب، وكان قد خدم في وحدة أخرى أثناء فترة خدمته، لذلك لم يتعرف عليه الجنود، وعندما استُدعي إلى وحدته الأصلية، وهي وحدتي، وقع في هذا الموقف الطريف، وطلبت من الجنود أن يتركوه، وأخبرتهم بحقيقته، فما كان منهم إلا أن أسرعوا بالاعتذار إليه قائلين: حقك علينا يا دفعة.. إللي ما يعرفك يجهلك!، ومنذ ذلك الموقف، ظل ناجي خلال الحرب كظلي، يمشي ورائي ولا يفارقني، خشية أن يراه أحد من الجنود الذين لا يعرفونه فيكررون الخطأ نفسه، وأظنه كان طوال تلك الفترة يلعن لون بشرته وشعره وعينيه!».

زر الذهاب إلى الأعلى