ساعة الصفر.. كيف بدأت حرب أكتوبر في الثانية ظهرًا؟

في السادس من أكتوبر 1973، لم تكن الساعة الثانية ظهرًا مجرد موعد لبدء الهجوم، وإنما كانت اللحظة التي انتقلت فيها خطة مصر لاستعادة الأرض من غرف القيادة إلى أرض المعركة، خلال دقائق، دوت المدفعية على طول الجبهة، وانطلقت الطائرات، وبدأ آلاف الجنود عبور قناة السويس نحو الضفة الشرقية.
لم يكن صباح السادس من أكتوبر مختلفًا في ظاهره عن الأيام السابقة، على امتداد قناة السويس، كانت المواقع العسكرية الإسرائيلية قائمة خلف التحصينات والساتر الترابي، بينما بدا المشهد على الجانب المصري هادئًا.
لكن خلف هذا الهدوء كانت القوات المصرية تستعد للحظة التي انتظرتها منذ سنوات، كان قرار الحرب قد اتخذ، وجرى تحديد ساعة البدء بدقة، لم يكن اختيار الموعد مسألة عسكرية فقط، بل ارتبط بعوامل تتعلق بحركة الشمس وظروف القتال وطبيعة قناة السويس، إلى جانب عنصر المفاجأة الذي كان أحد أهم أهداف التخطيط المصري.
الثانية ظهرًا.. لحظة الانفجار
عند الساعة الثانية ظهرًا، انطلقت المدفعية المصرية في قصف مكثف للمواقع الإسرائيلية على الضفة الشرقية، وفي الوقت نفسه، أقلعت الطائرات المصرية لتنفيذ الضربة الجوية.
وخلال دقائق، تغير المشهد بالكامل، لم تعد قناة السويس مجرد خط فاصل بين القوات المصرية والإسرائيلية، وإنما أصبحت ميدانًا لعملية عبور ضخمة بدأت فيها موجات الجنود المصريين الانتقال إلى الضفة الشرقية.
القوارب المطاطية والزوارق بدأت في نقل الجنود، بينما تولت وحدات المهندسين العسكريين مهمة بالغة الصعوبة: فتح ثغرات في الساتر الترابي وإقامة المعابر اللازمة لعبور الدبابات والمعدات الثقيلة.
الساتر الترابي.. أول اختبار
كان الساتر الترابي أحد أبرز مكونات التحصينات الإسرائيلية على طول قناة السويس، وشكل عبوره تحديًا هندسيًا وعسكريًا كبيرًا أمام القوات المصرية.
ولم يكن الهدف مجرد الوصول إلى الضفة الشرقية، بل تحويل عملية العبور إلى وجود عسكري مستقر يمكن من خلاله دفع المزيد من القوات والمعدات إلى سيناء.
وهنا ظهر الدور الحاسم لسلاح المهندسين، وباستخدام مضخات المياه ذات الضغط العالي، بدأ الجنود المصريون في فتح ثغرات داخل الساتر الترابي، بدلًا من الاعتماد على عمليات تفجير واسعة قد تستغرق وقتًا أطول، ومع اتساع الثغرات، بدأت القوات المصرية في إقامة المعابر والجسور التي تسمح بانتقال المعدات الثقيلة.

من عبور الجنود إلى عبور الدبابات
كانت الموجات الأولى من القوات التي عبرت القناة تتكون أساسًا من وحدات المشاة، التي كان عليها تأمين الضفة الشرقية ومواجهة المواقع الإسرائيلية القريبة.
وبعد تثبيت مواقع القوات، بدأ انتقال الأسلحة والمعدات الثقيلة عبر المعابر، وهكذا تحولت عملية العبور من مجرد عبور جنود إلى عملية عسكرية متكاملة تهدف إلى إنشاء رؤوس كباري على الضفة الشرقية، وبحلول الساعات التالية، أصبح وجود القوات المصرية شرق القناة واقعًا ميدانيًا جديدًا.
وكان عنصر المفاجأة من أهم العوامل التي اعتمدت عليها الخطة المصرية، فنجاح الهجوم في ساعاته الأولى لم يكن مرتبطًا بالقوة النيرانية وحدها، وإنما بقدرة القوات المصرية على التحرك في وقت لم تكن فيه إسرائيل قد تمكنت من حشد قوات الاحتياط بالشكل الكامل.
ومع اتساع نطاق الهجوم على طول الجبهة، أصبحت القيادة الإسرائيلية أمام موقف عسكري جديد، بينما واصلت القوات المصرية عمليات العبور والتقدم المحدود وفق الخطة الموضوعة، ولم تكن المعركة قد انتهت بسقوط التحصينات الأولى، بل كانت قد بدأت للتو.

لماذا أصبحت الساعة الثانية علامة فارقة؟
لأن ما حدث في الساعة الثانية ظهرًا لم يكن عملية عسكرية منفصلة، وإنما بداية سلسلة من العمليات التي غيرت شكل حرب أكتوبر.
القصف المدفعي فتح الطريق.
الضربة الجوية استهدفت إرباك القوات الإسرائيلية.
المشاة عبروا القناة.
المهندسون فتحوا الثغرات في الساتر الترابي.
ثم بدأت الجسور والمعابر في نقل الدبابات والمعدات إلى الضفة الشرقية.
وفي الخلف، كانت وحدات أخرى تستعد لدعم القوات التي عبرت.
كانت كل خطوة مرتبطة بما قبلها، وكل دقيقة محسوبة ضمن عملية عسكرية واسعة.
عند الثانية ظهرًا، بدأت المدفعية.
وبعدها بدقائق، بدأت الطائرات والجنود والقوارب في تنفيذ أدوارها.
ومع حلول الليل، كان آلاف الجنود المصريين قد عبروا قناة السويس وتمركزوا على الضفة الشرقية، بينما كانت وحدات المهندسين تواصل العمل على فتح الثغرات وإقامة المعابر.
لكن حرب أكتوبر لم تكن حرب ساعات، فما بدأ في الثانية ظهرًا يوم السادس من أكتوبر استمر معارك وعمليات عسكرية وسياسية معقدة خلال الأيام التالية، وانتهى لاحقًا إلى مسار سياسي وعسكري أعاد قضية سيناء إلى قلب المشهد.
وهكذا، عندما تشير عقارب الساعة إلى الثانية ظهرًا في السادس من أكتوبر، فإنها لا تشير فقط إلى توقيت هجوم عسكري؛ بل إلى لحظة تحولت فيها سنوات الاستعداد إلى فعل، وتحولت قناة السويس من خط يفصل بين جيشين إلى نقطة عبور صنعت واحدة من أهم لحظات التاريخ العسكري المصري الحديث.






