حوارات

محمد حسن غانم في حوار لـ«ليبرالي»: وصمة المرض النفسي تدفع بعض العائلات إلى إخفاء مرضاها.. و«العلاج بالقرآن» استغلال لآلام المرضى

أستاذ الطب النفسي والروائي يفكك المسكوت عنه في الشخصية المصرية: الضغوط الاقتصادية تغذي الأزمات الأسرية

  • محمد حسن غانم: «من يدعي أنه يعالج الناس بالقرآن يستغل جهلهم»
  • «التدين لا يمنح حصانة من الاضطرابات النفسية»
  • «المجتمع يدمر إنسانية المريض النفسي لحماية واجهة اجتماعية زائفة»

في حوار مع «ليبرالي»، يفتح الدكتور محمد حسن غانم، أستاذ الطب النفسي والكاتب الروائي، ملفات شائكة تتعلق بالشخصية المصرية والمجتمع العربي، من المسكوت عنه في قضايا الجنس والتحرش، إلى تأثير الضغوط الاقتصادية في الزواج والعلاقات الأسرية، وأسباب العزوف عن الزواج والمشاركة السياسية، وصولًا إلى وصمة المرض النفسي والجدل حول «العلاج بالقرآن»، كما يناقش تأثير السوشيال ميديا في الأجيال الجديدة، ويدعو إلى مواجهة الأزمات الاجتماعية والنفسية بوعي علمي.

دكتور محمد حسن غانم.. تمتلك أكثر من 300 مؤلف يتناول كثير منها موضوعات حساسة.. لماذا تصر على الخوض في هذه المساحات الشائكة؟

تتوزع اهتماماتي بين علم النفس للمتخصصين والقراء، والرواية والقصة، والتحليل النفسي للأدب، وقضايا المشاعر، وأرى أن المجتمع بحاجة إلى تنوير حقيقي بدلًا من دفن الرؤوس في الرمال، وقد أثبت احتكاكي بالمرضى من مختلف الطبقات أن القضايا الجنسية تأتي في مقدمة الملفات المسكوت عنها.

ومع الانفتاح الرقمي، تستقبل العيادات مراهقين يفتقرون إلى الوعي اللازم للتعامل مع رغباتهم، فيما يلجأ بعض الآباء إلى القمع بدلًا من الحوار، أذكر أبًا خلع باب غرفة نوم ابنه المراهق لمراقبته، فقلت له: المشكلة لم تكن في الباب، بل في العقل وغياب التربية السليمة.

ما طبيعة الأزمة الجنسية في المنطقة العربية؟

تكشف دراساتي حول إدمان الإنترنت، بحسب ما رصدته، عن انتشار البحث عن المحتوى الجنسي والإباحي في بعض البلدان العربية، بينما تتصدر كلمة «العلم» (Science) عمليات البحث بالثقافة الغربية.

وفي مصر، رصدت دراساتي الميدانية تعرض فئات مختلفة من النساء للتحرش، من طالبات الجامعات إلى المنتقبات وكبيرات السن، كما قد تطال الاعتداءات الأطفال الذكور داخل محيط الأسرة الممتدة.

لماذا يهاجم الجمهور والوسط الثقافي الأعمال الفنية التي تتناول هذه القضايا؟

لأننا نعيش حالة من النفاق الاجتماعي؛ نخشى أن يرى العالم عيوبنا عندما تُعرض أفلامنا في المهرجانات الدولية، ونتمسك بصورة «المجتمع الشريف والمثالي» بدلًا من مناقشة المشكلات التي يكشف عنها الفن.

ماذا حدث للشخصية المصرية في السنوات الأخيرة؟

الشخصية القومية ليست ثابتة، بل تتأثر بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولذلك تحتاج السمات المنسوبة إلى المجتمع إلى المراجعة دوريًا.

وأرى أن أسطورة المصري «ابن نكتة ومرح» قد تخفي حزنًا دفينًا يتستر عليه بالمبالغة في الضحك، بوصفها حيلة دفاعية، كذلك تأثرت صورة الكرم بضغوط الغلاء؛ إذ باتت تكلفة استضافة الأقارب عبئًا على بعض الأسر، مع ارتفاع أسعار الأطعمة الشعبية وتراجع القدرة الشرائية.

كيف تفسر إقدام بعض المعيلين على قتل أسرهم ثم التخلص من حياتهم؟

قد يرتبط تخلص الشخص من حياته بالاكتئاب واليأس وفقدان الأمل، وفي بعض الحالات، يقترن ذلك بشعور مفرط بالمسؤولية، فيتصور الشخص أن زوجته وأطفاله سيواجهون المصير القاسي نفسه بعد وفاته، فيقدم على قتلهم معتقدًا أنه يحميهم من المعاناة.

هذا تفسير محتمل لبعض الوقائع، لكنه لا يبرر الجريمة؛ بل يكشف خطورة اليأس واضطراب القدرة على تقدير الواقع، وأهمية التدخل النفسي المبكر.

لماذا ترتفع حالات الطلاق رغم الإنفاق الكبير على تجهيزات الزواج؟

تحولت بعض الكماليات إلى التزامات مرهقة، رغم أن الإنفاق لا يضمن نجاح العلاقة، وخلال الخطوبة، قد يتقمص الطرفان أدوارًا مثالية، لكن الاحتكاك اليومي بعد الزواج يكشف الطباع الحقيقية ويؤدي إلى الصدام.

كما أن أبناءنا لا يحصلون دائمًا على التأهيل النفسي والاجتماعي اللازم لتحمل المسؤولية، فالزواج ليس استعراضًا ماديًا أو مجرد رغبة بيولوجية، بل التزام يحتاج إلى التفاهم والاحترام والمودة وإدارة الخلافات.

ما أسباب العزوف عن الزواج بعيدًا عن الجانب المالي؟

يرتبط العزوف، في رأيي، بالخوف من تكرار تجارب الزواج الفاشلة التي يشاهدها الشباب في محيطهم، وهناك فارق بين الذكورة البيولوجية والقدرة على تحمل المسؤولية؛ فالرجل هو من يقدر المرأة ويدير بيته باحترام، وعندما يغيب ذلك، قد تتحول العلاقة إلى صدام وعنف، بما يقوض فرص الاستقرار الأسري.

كيف تفسر العزوف عن المشاركة السياسية؟

أرى أن بعض المواطنين يشعرون بأن أصواتهم لن تحدث تغييرًا، واستعادة الثقة تتطلب أن يشعر المواطن بأن صوته له قيمة وأن مشاركته مؤثرة.

ما أبرز المشكلات النفسية التي تميز جيل زد عن الأجيال السابقة؟

كل عصر يفرز أبناءه وثقافته، وأرى أن بعض الشباب يعانون «القلق الوجودي» بسبب غموض المستقبل، إلى جانب ما أصفه بـ«الاكتئاب السريع»، حيث يندفعون بحماس ثم يتراجعون عند أول صدمة.

كما أن بعض مظاهر التمرد الشبابي لها نظائر تاريخية، من بينها حركات عبدة الشيطان في التسعينيات وثقافة «الهيبيز» في أوروبا خلال الستينيات، حين عبّرت بعض الأجيال عن رفضها للمجتمع وقيمه.

هل يسجل جيل زد معدلات ذكاء أقل من الأجيال السابقة؟

أرى أن تعميم هذا الحكم غير دقيق، وأن مقاييس الذكاء لا ينبغي أن تُستخدم للحكم على جيل كامل، فالذكاء لا يقتصر على القدرة الأكاديمية، بل يشمل قدرات متعددة.

والمشكلة، في رأيي، تكمن في نظام تعليمي يختزل الذكاء في الحفظ والتلقين؛ إذ قد يسترجع الطالب المعلومات في الامتحان دون فهمها، بينما يقوم الذكاء الحقيقي على الفهم والتحليل وتوظيف المعرفة.

كيف تؤثر السوشيال ميديا والمحتويات الإباحية في العلاقات والاضطرابات النفسية؟

قد يؤدي الاستخدام القهري للإنترنت إلى مشكلات خطيرة، خصوصًا عند الانجراف إلى المحتوى الإباحي وما يصاحبه من توقعات غير واقعية عن العلاقات الجنسية.

ورصدت في العيادة حالات لأزواج يطلبون من زوجاتهم تقليد ما يشاهدونه في مواد إباحية، ما قد يؤدي إلى المقارنة بمشاهد مصطنعة والشعور بالدونية أو عدم الرضا، والمشكلة لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل أيضًا بغياب الوعي والحوار بين الزوجين.

هل المرض النفسي دليل على ضعف الإيمان؟

هذا التصور خاطئ؛ فالتدين لا يمنح حصانة من الاضطرابات النفسية، والمرض النفسي ليس دليلًا على ضعف الإيمان، كما أن التطرف الذي يقترن بالوسواس المفرط أو تحقير المرأة قد يعكس أنماطًا سلوكية ونفسية تحتاج إلى الفهم والتقييم، لا إلى إطلاق الأحكام.

ما رؤيتك لما يُعرف بـ«العلاج بالقرآن» بديلًا عن الطب النفسي؟

التفسير العلمي الحاسم هو أن الشخص يعاني في الأصل من مرض واضطراب نفسي وعصبي صريح يجب علاجه بالطرق العلمية السليمة، وليس بالقرآن كبديل عن الطب، القرآن كتاب مقدس وتدبر وتأمل وراحة روحية للإنسان؛ أنا أقرأه لأستفيد وأطمئن وأتأمل، لكن أن أجعله وصفة علاجية طبية عضوية أو نفسية، فهذا خطأ جسيم، من يدعي أنه يعالج الناس بالقرآن فهو يستغل جهلهم؛ المسألة كلها مجرد «سبوبة وأكل عيش».

في علم النفس والطب العصبي، هذه الحالات لها مسميات وتشخيصات دقيقة؛ ما يُسمى بـ«الممسوس» الذي يسقط متشنجًا على الأرض أو يتغير صوته، هو في الحقيقة مريض يعاني من نوبات صرع واضطرابات في كهرباء المخ أو كيمياء الدماغ، أو خلل في مراكز محددة والغدد والهرمونات، هذا المريض مكانه عيادات طب الأعصاب والطب النفسي لإجراء الفحوصات والأشعات ورسم المخ وتناول العلاج الدوائي، وليس جلسات الدجل.

هل تؤمن بإمكانية أن يتلبس الجن جسد الإنسان ويسيره؟

لا، لا أؤمن بذلك، أقرأ القرآن وأجد في الصلاة والتلاوة طمأنينة روحية، لكنني لا أتعامل معه باعتباره بديلًا عن العلاج السريري، فالأرق المزمن والذهان والاضطرابات التي تؤثر في الإدراك تحتاج إلى تقييم طبي، وقد تتطلب علاجًا دوائيًا وفقًا للتشخيص.

هل يجب التعامل قانونيًا مع المراكز التي تروج لهذه العلاجات؟

نعم، أرى ضرورة التعامل بحزم مع المراكز التي تستغل آلام المرضى وتوهمهم بقدرتها على العلاج دون أساس طبي، خصوصًا عندما تدفعهم إلى الابتعاد عن الأطباء أو التوقف عن العلاج، ويجب التمييز بين الممارسة الدينية مصدرًا للراحة الروحية، وبين الادعاء بتقديم علاج طبي دون مؤهلات أو أدلة علمية.

هل لا تزال زيارة الطبيب النفسي وصمة عار اجتماعية؟

للأسف، نعم، لا يزال بعض الناس يخجلون من زيارة الطبيب النفسي، رغم أنهم لا يترددون في الإعلان عن زيارتهم لأطباء التخصصات الأخرى.

وأذكر مأساة رجل مسن في قريتنا أصيب بالخرف، فحبسته أسرته في غرفة معزولة وألقت إليه الطعام من فتحة صغيرة، ثم أشاعت أنه سافر للحج وتوفي ودُفن في البقيع، خوفًا من أن تؤثر حقيقة مرضه في فرص زواج أبنائهم، وظل الرجل محبوسًا سنوات.

تكشف هذه الواقعة إلى أي مدى قد تدفع الوصمة بعض الأسر إلى إخفاء المرضى حفاظًا على صورتها الاجتماعية، نحن بحاجة إلى التعامل مع المرض النفسي باعتباره مشكلة صحية تستحق العلاج، لا سببًا للخجل أو الإقصاء، وإلى حماية كرامة المريض بدلًا من التضحية به خوفًا من أحكام الآخرين.

زر الذهاب إلى الأعلى