في ذكرى ميلاده الـ103.. من «الإجيبشيان جازيت» إلى «الأهرام».. كيف أصبح محمد حسنين هيكل «الأستاذ»؟
رافق عبدالناصر وكتب عن السادات والصراع العربي الإسرائيلي.. محطات بارزة في مسيرة «الأستاذ»
تحل اليوم، 23 سبتمبر، الذكرى الـ103 لميلاد الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، أحد أبرز الأسماء في تاريخ الصحافة المصرية والعربية خلال القرن العشرين، وعلى مدار أكثر من سبعة عقود، انتقل هيكل من صحفي شاب بدأ مشواره في صحيفة «الإجيبشيان جازيت» إلى رئيس تحرير «الأهرام»، ثم إلى كاتب ومؤلف ترك وراءه عشرات الكتب والشهادات التي تناولت مراحل مهمة من تاريخ مصر والمنطقة.
لم تكن رحلة هيكل مجرد انتقال بين مؤسسات صحفية، وإنما كانت مسيرة ارتبطت بأحداث سياسية وحروب وتحولات كبرى، جعلته حاضرًا في قلب المشهد الصحفي والسياسي لسنوات طويلة، حتى أصبح لقبه الأشهر «الأستاذ» جزءًا من اسمه في الذاكرة الصحفية المصرية.
البداية من «الإجيبشيان جازيت».. صحفي شاب يقترب من الأحداث
وُلد محمد حسنين هيكل في 23 سبتمبر 1923، وبدأ عمله الصحفي في أربعينيات القرن الماضي من خلال صحيفة «الإجيبشيان جازيت» الإنجليزية.
كانت بدايته من قسم الحوادث، قبل أن تتغير طبيعة عمله تدريجيًا مع انتقاله إلى تغطية الأحداث السياسية والعسكرية، وهي التجربة التي منحته فرصة مبكرة للاحتكاك المباشر بالأحداث الكبرى.
ومن التجارب التي تركت أثرًا في تكوينه المهني تغطيته لأحداث الحرب العالمية الثانية، ومنها معركة العلمين، لتبدأ ملامح أسلوبه الصحفي الذي اعتمد على البحث عن التفاصيل والاقتراب من مصادر المعلومات.
محمد التابعي و«آخر ساعة».. محطة صنعت اسمًا جديدًا
في عام 1945، انتقل هيكل إلى مجلة «آخر ساعة»، وهناك عمل إلى جوار الكاتب الصحفي محمد التابعي، أحد أبرز رواد الصحافة المصرية.
وخلال هذه المرحلة، توسعت خبرته المهنية، ولم يعد عمله مقتصرًا على الأخبار اليومية، وإنما أصبح أكثر احتكاكًا بالتحقيقات والتغطيات الخارجية.
كما عمل مراسلًا في عدد من مناطق العالم، وغطى أحداثًا سياسية وعسكرية مهمة، وهو ما ساعده على بناء شبكة واسعة من العلاقات والخبرات التي استفاد منها لاحقًا في مسيرته.
«الأهرام».. المحطة التي صنعت «الأستاذ»
في عام 1957، انتقل محمد حسنين هيكل إلى مؤسسة «الأهرام»، وكانت تلك الخطوة نقطة تحول رئيسية في حياته المهنية.
تولى رئاسة تحرير «الأهرام» واستمر في موقعه لسنوات طويلة، وخلال تلك الفترة أصبحت الجريدة واحدة من أهم المنابر الصحفية في مصر والعالم العربي.
ولم يقتصر حضور هيكل على إدارة التحرير، وإنما ارتبط اسمه بتطوير شكل ومضمون الصحيفة، وإعطاء مساحة أكبر للتحليل والقراءة السياسية إلى جانب الخبر.
«بصراحة».. المقال الذي تحول إلى شهادة على عصر
من أشهر ما ارتبط باسم هيكل مقاله الأسبوعي «بصراحة»، الذي تناول من خلاله القضايا المصرية والعربية والدولية.
وأصبح المقال، مع مرور السنوات، مساحة لعرض رؤيته للأحداث، كما تحولت أجزاء من تلك الكتابات لاحقًا إلى كتب ومجلدات وثقت جانبًا من المرحلة التي عاصرها.
وكان أسلوب هيكل قائمًا على الربط بين التفاصيل الصغيرة والصورة السياسية الأوسع، وهو ما ساعد في تكوين مدرسته الخاصة في الكتابة والتحليل الصحفي.
هيكل وعبدالناصر.. علاقة وضعت الصحفي في قلب الأحداث
ارتبط اسم محمد حسنين هيكل بالرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وكانت بينهما علاقة مهنية وشخصية وثيقة.
وأتاح هذا القرب لهيكل الاطلاع على تفاصيل عدد من الأحداث والقرارات التي شهدتها مصر خلال عهد عبدالناصر، وهو ما جعله لاحقًا أحد أبرز من كتبوا عن تلك الفترة.
لكن شهاداته وقراءاته للتاريخ السياسي المصري لم تخلُ من النقاش والاختلاف بين الباحثين والمؤرخين، خصوصًا فيما يتعلق بتفسير بعض الأحداث وتقييم قرارات صناع القرار في تلك المرحلة.
من الصحافة إلى التأليف.. محمد حسنين هيكل يكتب شهادته
بعد مغادرته «الأهرام» عام 1974، اتجه هيكل بصورة أكبر إلى التأليف والكتابة، وأصبح الكتاب أحد أهم أدواته في تقديم شهادته وتحليله للأحداث.
ومن أبرز كتبه «خريف الغضب»، إلى جانب مجموعة كبيرة من المؤلفات التي تناولت عبدالناصر والسادات والصراع العربي الإسرائيلي والعلاقات الدولية والتحولات السياسية في المنطقة.
ولم تكن كتبه مجرد سرد للأحداث، وإنما اعتمد فيها على الوثائق والمذكرات وشهادات الشخصيات التي التقى بها خلال مسيرته.

حياته الخاصة.. هدايت تيمور وأبناء هيكل
بعيدًا عن عالم الصحافة والسياسة، عاش محمد حسنين هيكل حياة أسرية مستقرة مع زوجته هدايت علوي تيمور، التي تزوجها عام 1955.
وأنجب الزوجان ثلاثة أبناء، وظلت الأسرة بعيدة إلى حد كبير عن الأضواء، مقارنة بالحضور الطاغي لهيكل في الحياة العامة.
كما عُرف باهتمامه الكبير بالقراءة والكتب والوثائق، وهو ما انعكس على مكتبته الشخصية التي أصبحت بعد رحيله جزءًا من إرثه الثقافي.
«استئذان في الانصراف».. نهاية مشوار الصحافة اليومية
في عام 2003، ومع بلوغه عامه الثمانين، أعلن هيكل اعتزاله الكتابة الصحفية المنتظمة، وقدم سلسلة مقالات حملت عنوان «استئذان في الانصراف».
لكن الاعتزال لم يعنِ اختفاءه من المشهد، فقد استمر في الظهور عبر الحوارات والبرامج، كما واصل تقديم شهاداته وقراءاته للأحداث التي عاصرها.
رحيل «الأستاذ».. 92 عامًا من العمر وأكثر من 70 عامًا في الصحافة
رحل محمد حسنين هيكل في 17 فبراير 2016، عن عمر ناهز 92 عامًا، بعد مسيرة صحفية امتدت لأكثر من سبعين عامًا.
وبوفاته، فقدت الصحافة المصرية أحد أكثر أسمائها حضورًا وتأثيرًا خلال القرن العشرين، لكن كتبه ومقالاته وشهاداته ظلت حاضرة في المكتبات والأرشيفات، وأصبحت مصدرًا للباحثين والمهتمين بتاريخ الصحافة والسياسة المصرية.
103 أعوام على ميلاد «الأستاذ».. اسم يتجاوز مهنة الصحافة
في ذكرى ميلاده الـ103، تعود سيرة محمد حسنين هيكل باعتبارها واحدة من أكثر التجارب الصحفية امتدادًا في مصر الحديثة؛ من بداياته في «الإجيبشيان جازيت»، مرورًا بـ«آخر ساعة» و«الأهرام»، وصولًا إلى مرحلة الكتب والشهادات.
وبينما يختلف الباحثون حول بعض قراءاته وتفسيراته للأحداث، يبقى اسمه حاضرًا بقوة في تاريخ الصحافة المصرية، بعدما تحولت تجربته من مجرد مسيرة مهنية إلى جزء من ذاكرة مرحلة كاملة عاشها وكتب عنها وترك شهادته بشأنها.






