الرئيسيةملفات

الرقمنة في مصر.. كيف تنتقل مؤسسات الدولة من عصر الأوراق إلى الإدارة الرقمية؟

لم تعد الرقمنة مجرد تحديث تقني للخدمات الحكومية، بل أصبحت تحولًا في طريقة إدارة الدولة ومؤسساتها، عبر الانتقال من الاعتماد على الملفات الورقية والإجراءات التقليدية إلى منظومة تقوم على البيانات والربط الإلكتروني وسرعة تداول المعلومات ودعم اتخاذ القرار.

وتسعى الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة إلى بناء مجتمع رقمي من خلال تطوير البنية التحتية للاتصالات، وإنشاء قواعد بيانات موحدة، وإطلاق منصات إلكترونية للخدمات الحكومية، بهدف تقليل التعاملات الورقية، ورفع كفاءة الأداء، وتحسين تجربة المواطنين في الحصول على الخدمات.

ورغم التطور الذي شهدته قطاعات عدة، لا تزال عملية التحول الرقمي تواجه تحديات داخل بعض الوزارات والهيئات التي تعتمد بدرجات مختلفة على المستندات الورقية، خاصة الجهات التي تتعامل مع أعداد ضخمة من الملفات والطلبات يوميًا، ما يجعل إعادة هندسة الإجراءات وتحويل الوثائق إلى قواعد بيانات رقمية خطوة أساسية في مسار التحول.

ولا تقتصر عملية الانتقال إلى الإدارة الرقمية على شراء أنظمة إلكترونية، وإنما تتطلب إعادة تنظيم دورة العمل داخل المؤسسات، وتدريب الموظفين على الأدوات الرقمية، وربط قواعد البيانات بين الجهات المختلفة، إلى جانب وضع معايير لحماية البيانات وتعزيز الأمن السيبراني.

من «الورق» إلى الرقمنة

تشهد الوزارات المصرية تحولًا متسارعًا في ملف الرقمنة، ارتبط بشكل أساسي بانتقال الحكومة إلى العاصمة الإدارية الجديدة وتبني مفهوم «حكومة ذكية لا ورقية».

وتستهدف وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات التوسع في تقديم الخدمات الحكومية الرقمية للمواطنين، من خلال زيادة عدد الخدمات المتاحة إلكترونيًا، مع خطط للوصول إلى أكثر من 270 خدمة حكومية رقمية بنهاية عام 2026، والتوسع مستقبلًا لتجاوز 400 خدمة رقمية.

ويمتد التحول الرقمي إلى عدد من القطاعات الحيوية، في مقدمتها وزارة العدل، نظرًا إلى حجم الوثائق والمعاملات القضائية والتوثيقية التي تحتاج إلى منظومات إلكترونية متطورة، إلى جانب وزارة الصحة من خلال إدارة الملفات الطبية والمنظومات الصحية الرقمية.

كما يشمل التحول الرقمي وزارتي التعليم والتعليم العالي، عبر قواعد بيانات الطلاب ومنصات التعليم والامتحانات الإلكترونية، فضلًا عن وزارة المالية والضرائب والجمارك التي تتوسع في المعاملات الإلكترونية وتقليل الاعتماد على الإجراءات الورقية.

ويمتد الأمر كذلك إلى وزارة التنمية المحلية والمحليات، التي ترتبط بخدمات المواطنين والتراخيص والملفات اليومية، إلى جانب قطاعات الاستثمار والتراخيص بهدف تسهيل الإجراءات أمام الشركات والمستثمرين.

ويبقى التحدي الأساسي أمام التحول الرقمي هو الانتقال من مفهوم «رقمنة الورق» إلى «إعادة بناء المؤسسة رقميًا»، أي تغيير طريقة العمل نفسها، بحيث تصبح البيانات والتكنولوجيا جزءًا أساسيًا من منظومة الإدارة، وليس مجرد بديل للملفات الورقية.

أحمد رمضان: التحول الحقيقي يبدأ من تغيير طريقة العمل

ويرى أحمد رمضان، خبير التحول الرقمي والأمن السيبراني، أن نجاح التجربة المصرية لا يرتبط فقط بعدد الخدمات التي أصبحت متاحة إلكترونيًا، وإنما بقدرة المؤسسات على تغيير طريقة عملها والاعتماد على البيانات والأنظمة الذكية.

وأوضح أن التحول الحقيقي يبدأ عندما تصبح التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من عملية اتخاذ القرار، وليس مجرد وسيلة لاستبدال الملفات الورقية.

وأشار إلى أن التوسع في الخدمات الرقمية يفرض تحديًا موازيًا يتعلق بحماية قواعد بيانات المواطنين وتأمين البنية التحتية الرقمية، خاصة مع زيادة الاعتماد على المنصات الإلكترونية وربط المؤسسات الحكومية بالأنظمة الرقمية.

وأكد أن بناء الثقة في الخدمات الإلكترونية لا يعتمد فقط على سهولة استخدامها، وإنما يرتبط أيضًا بقدرة الدولة على حماية المعلومات وضمان الخصوصية ومواجهة مخاطر الهجمات السيبرانية.

خطوات متقدمة في التحول الرقمي

وتشير المؤشرات الرسمية إلى أن مصر قطعت خطوات متقدمة في ملف التحول الرقمي خلال السنوات الأخيرة، حيث شهدت منصة «مصر الرقمية» توسعًا في عدد الخدمات المقدمة للمواطنين، لتصل إلى نحو 210 خدمات حكومية رقمية خلال عام 2025.

وسجلت المنصة أكثر من 10.7 مليون مستخدم، بينما ارتفع عدد المعاملات المنفذة عبرها إلى نحو 23.8 مليون معاملة خلال العام نفسه، مقارنة بـ7.8 ملايين معاملة عام 2024.

وتستهدف وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات زيادة عدد الخدمات الحكومية الرقمية المتاحة عبر منصة «مصر الرقمية» إلى أكثر من 270 خدمة بنهاية عام 2026، والوصول إلى نحو 450 خدمة بحلول عام 2030، في إطار خطة الدولة للتوسع في تقديم الخدمات الحكومية إلكترونيًا وتقليل الاعتماد على المعاملات الورقية.

وفيما يتعلق بجاهزية المؤسسات الحكومية للتحول الرقمي، أظهرت مؤشرات نضج الحكومة الرقمية تحسنًا في أداء مصر خلال السنوات الأخيرة، مع ارتفاع مستوى نضج الخدمات الحكومية الرقمية وميكنة النظم الأساسية، بما يعكس انتقال الدولة تدريجيًا من مرحلة تحويل الإجراءات الورقية إلى بناء منظومات تعتمد على البيانات والتكنولوجيا.

زر الذهاب إلى الأعلى