ملفات

الهيدروجين الأخضر في مصر.. 3.55 مليون دولار ترسم خريطة الطاقة الجديدة من قناة السويس إلى الأسواق العالمية

استراتيجية تستهدف حصة تصل إلى 8% من السوق العالمية بحلول 2040.. واستثمارات متوقعة بنحو 60 مليار دولار

لم يعد الهيدروجين مجرد وقود للمستقبل، بل أصبح أحد أهم محاور التنافس العالمي في أسواق الطاقة النظيفة، خاصة مع اتجاه الدول إلى خفض الانبعاثات الكربونية والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وفي هذا السياق، وضعت مصر استراتيجية وطنية للهيدروجين منخفض الكربون، تستهدف تحويل البلاد إلى مركز إقليمي وعالمي لإنتاج وتصدير الهيدروجين ومشتقاته، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وقناة السويس، ومواردها الكبيرة من الطاقة الشمسية والرياح.

مصر على خريطة الهيدروجين الأخضر الأفريقية

في إطار التحول العالمي نحو اقتصاد الطاقة النظيفة، حصلت مصر على دعم جديد ضمن برنامج الهيدروجين الأخضر في أفريقيا التابع للبنك الأفريقي للتنمية، الذي يستهدف دفع مشروعات الهيدروجين ومشتقاته في القارة وتحويلها من مرحلة التخطيط إلى مشروعات قابلة للاستثمار.

ويكتسب المشروع أهمية خاصة بالنسبة لمصر، نظرًا لاعتماده على الموقع الاستراتيجي لقناة السويس، التي تمثل محورًا رئيسيًا في خطط الدولة للتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على الوقود منخفض الانبعاثات.

وتشير تقديرات البنك الأفريقي للتنمية إلى أن المشروعات الأربعة المختارة تمثل استثمارات مستقبلية تُقدّر بنحو 23 مليار دولار، مع قدرات كبيرة في الطاقة الشمسية والرياح والتحليل الكهربائي لإنتاج الهيدروجين، بما يعكس الاتجاه المتزايد نحو بناء صناعة هيدروجين أفريقية قادرة على المنافسة عالميًا.

ويؤكد هذا الدعم أن المنافسة في سوق الهيدروجين الأخضر لم تعد تقتصر على امتلاك مصادر الطاقة المتجددة فقط، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة الدول على تطوير البنية التحتية، وجذب التمويل، وبناء سلاسل صناعية وتصديرية جديدة، وهو ما تسعى مصر إلى تحقيقه من خلال موقعها الجغرافي وإمكاناتها الصناعية.

ما هو الهيدروجين؟

الهيدروجين هو العنصر الأكثر انتشارًا في الكون، لكنه لا يوجد منفردًا بكميات اقتصادية، بل يكون مرتبطًا بالماء أو الغاز الطبيعي أو المركبات العضوية، ولذلك لا يُستخرج من باطن الأرض مباشرة مثل النفط أو الغاز، وإنما يُنتج من خلال عمليات صناعية مختلفة تعتمد على مصدر الطاقة المستخدم.

ويُعد الهيدروجين ناقلًا للطاقة وليس مصدرًا لها، إذ يمكن استخدامه في تشغيل المصانع ووسائل النقل، وإنتاج الكهرباء، وصناعة الأسمدة والصلب، والوقود البحري والطيران.

تراهن مصر على الهيدروجين باعتباره أحد مسارات التحول في قطاع الطاقة العالمي، مستندة إلى مجموعة من المقومات الطبيعية والجغرافية والصناعية التي تمنحها قدرة تنافسية في هذا المجال.

تمتلك مصر أكثر من 300 يوم مشمس سنويًا، بما يوفر فرصًا واسعة لإنتاج الطاقة الشمسية اللازمة لمشروعات الهيدروجين الأخضر، إلى جانب مناطق تتميز بسرعات رياح مرتفعة، خاصة في خليج السويس، يمكن الاعتماد عليها في إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة.

كما يمثل الموقع الجغرافي لمصر أحد أهم عوامل الجذب، في ظل وجود قناة السويس باعتبارها أحد أهم ممرات التجارة العالمية، إلى جانب امتلاكها موانئ على البحر الأحمر والبحر المتوسط، وهو ما يدعم عمليات تصدير الهيدروجين ومشتقاته إلى الأسواق الخارجية.

وتضيف المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ميزة أخرى، باعتبارها منصة صناعية ولوجستية قادرة على استقبال الاستثمارات وإنشاء مشروعات الطاقة الجديدة.

ولا تقتصر مقومات مصر على الموارد الطبيعية فقط، إذ تمتلك قاعدة صناعية مرتبطة بإنتاج الأمونيا والأسمدة، وهي من أبرز الصناعات التي يمكن أن تعتمد على الهيدروجين الأخضر، إضافة إلى قربها الجغرافي من الأسواق الأوروبية التي تتجه إلى زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات.

أين يُنتج الهيدروجين في مصر؟

تتركز غالبية مشروعات الهيدروجين منخفض الكربون في مصر داخل مناطق استراتيجية تتمتع بالبنية التحتية اللازمة للإنتاج والتصدير، وفي مقدمتها العين السخنة، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وشرق بورسعيد، ومناطق البحر الأحمر.

وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الجزء الأكبر من المشروعات المخطط لها يتركز داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، نظرًا لما تتمتع به من موانئ ومناطق صناعية وشبكات لوجستية ومرافق تصدير، بما يجعلها مركزًا رئيسيًا لتطوير صناعة الهيدروجين ومشتقاته.

ويقول حسين هاني، خبير الطاقة، إنه لا بديل لإنتاج الهيدروجين الأخضر إلا من خلال طرق نظيفة تعتمد على الطاقة المتجددة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، مشيرًا إلى أنه لا يجوز الاعتماد على الكهرباء المنتجة من المحطات التي تعمل بالوقود الأحفوري.

وأضاف أنه لا بد أن يكون مصدر الطاقة المستخدمة في إنتاج الهيدروجين نظيفًا ومتجددًا، مع ضرورة وجود احتياطي من الكهرباء لتجنب توقف الإنتاج حال انقطاع التيار أو حدوث أعطال، إلى جانب إمكانية الاعتماد على مولدات الطاقة الشمسية الحرارية في مناطق إنتاج الهيدروجين.

استراتيجية مصر بالأرقام

اعتمد المجلس الأعلى للطاقة الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون في فبراير 2024، بهدف تعزيز دور مصر في سوق الطاقة الجديدة عالميًا، وتحقيق الاستفادة من مواردها في مجال الطاقة المتجددة.

وتستهدف الاستراتيجية إنتاج الهيدروجين باستخدام 100% من الطاقة المتجددة في مشروعات الهيدروجين الأخضر، إلى جانب رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى أكثر من 42% من مزيج الكهرباء بحلول عام 2030.

كما تستهدف مصر الاستحواذ على نسبة تتراوح بين 5 و8% من سوق الهيدروجين العالمي بحلول عام 2040، مع الوصول إلى إنتاج يتراوح بين 5.6 و5.8 مليون طن سنويًا، وجذب استثمارات قد تصل إلى نحو 60 مليار دولار وفق السيناريو المركزي للاستراتيجية، فضلًا عن توفير أكثر من 100 ألف فرصة عمل مرتبطة بصناعة الهيدروجين والطاقة النظيفة.

الهيدروجين الأخضر وخريطة الطاقة العالمية

لم يعد الهيدروجين الأخضر مجرد مشروع للطاقة النظيفة، بل أصبح أحد الملفات الاستراتيجية التي تراهن عليها دول عديدة لإعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، تسعى مصر إلى بناء موقع متقدم في سوق الهيدروجين منخفض الكربون، مستفيدة من مواردها الطبيعية من الطاقة المتجددة، وموقعها الجغرافي، وشبكة الموانئ، والقاعدة الصناعية المرتبطة بالطاقة والأسمدة.

وتضع الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون مصر أمام هدف طموح يتمثل في التحول إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير الهيدروجين ومشتقاته، خاصة مع تنامي الطلب العالمي على مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات.

وتشير الاستراتيجية إلى استهداف مصر الحصول على حصة تتراوح بين 5 و8% من السوق العالمية للهيدروجين بحلول عام 2040، مع الوصول إلى إنتاج نحو 5.8 مليون طن سنويًا، وجذب استثمارات تُقدّر بنحو 60 مليار دولار وفق السيناريو المركزي.

وترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن مصر تمتلك مقومات تؤهلها لتصبح مركزًا إقليميًا للهيدروجين الأخضر، بفضل وفرة مصادر الطاقة الشمسية والرياح، ووجود صناعة أمونيا قائمة، وقربها من الأسواق الأوروبية، إلا أن تحقيق هذا الطموح يتطلب تجاوز تحديات التمويل والبنية التحتية، وتحويل الاتفاقيات المعلنة إلى مشروعات إنتاج فعلية.

ويمثل الهيدروجين الأخضر فرصة لا تقتصر على قطاع الطاقة فقط، بل تمتد إلى مستقبل الصناعة الوطنية، من خلال استخدامه في إنتاج الأمونيا الخضراء والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، ودعم قدرة المنتجات المصرية على المنافسة في الأسواق العالمية التي تتجه إلى خفض الانبعاثات الكربونية.

 

بياني يوضح أهمية الهيدروجين الأخضر تصميم المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية
بياني يوضح أهمية الهيدروجين الأخضر تصميم المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية

الهيدروجين الأخضر.. من استراتيجية وطنية إلى صناعة تنافسية

مع تزايد الاهتمام الدولي بالهيدروجين الأخضر باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة المستقبلية، تتحرك مصر لتثبيت موقعها ضمن خريطة الدول المنتجة والمصدرة لهذه الصناعة، مستفيدة من مواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي والبنية التحتية المتاحة.

ويأتي دعم البنك الأفريقي للتنمية لمشروع «Ra» في مصر ضمن هذا المسار، ليعكس انتقال مشروعات الهيدروجين من مرحلة الخطط والاستراتيجيات إلى خطوات أكثر ارتباطًا بالتمويل والتنفيذ والاستثمار، خاصة مع توجه عالمي لتأمين مصادر طاقة منخفضة الانبعاثات وتنويع سلاسل الإمداد.

ولا يرتبط مستقبل الهيدروجين الأخضر في مصر بإنتاج الطاقة فقط، وإنما بقدرة الدولة على بناء صناعة متكاملة تشمل تصنيع المعدات، وإنتاج الأمونيا الخضراء، وتطوير الموانئ، وربط هذه الصناعة بالقطاعات البحرية والصناعية والتصديرية.

وفي ظل المنافسة المتزايدة بين الدول على سوق الهيدروجين العالمي، يبقى التحدي الرئيسي أمام مصر هو تحويل الإمكانات الكبيرة والاتفاقيات المعلنة إلى مشروعات إنتاج فعلية قادرة على خلق قيمة مضافة، وتوفير فرص عمل، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة النظيفة في المنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى