أوروبا بين تهديدات بوتين ومطامع ترامب.. موسكو تصعّد وواشنطن تعيد حساباتها
تكثف الحكومات الأوروبية استعداداتها العسكرية والمدنية تحسبًا لاحتمال تصعيد من جانب روسيا، في ظل تحذيرات مسؤولين من أن موسكو قد تزيد وتيرة هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ، وعمليات التخريب والهجمات السيبرانية ضد دول حلف الناتو الداعمة لأوكرانيا خلال الأشهر المقبلة.
أفادت مصادر استخباراتية غربية لصحيفة «التلغراف» بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستعد لتصعيد الحرب في أوكرانيا عقب انتخابات مجلس الدوما التي جرت في عطلة نهاية الأسبوع.
وبحسب شبكة «إن بي سي نيوز» (NBC News)، يدرس البنتاجون إجراء خفض كبير للقوات الأمريكية في أوروبا، قد يشمل عشرات الآلاف من الجنود، إلى جانب أنظمة أسلحة وطائرات وسفن، وهو ما يعادل تقريبًا ثلث إجمالي القوات الأمريكية المتمركزة في القارة.
ومن المرجح أن يتمثل التصعيد المتوقع من الجانب الروسي في زيادة عمليات التجنيد، وتسريع التعبئة العسكرية، وتكثيف الضربات ضد أوكرانيا وحلفائها في أوروبا. كما يخشى الاتحاد الأوروبي من احتمال تنفيذ روسيا توغلًا محدودًا داخل أراضي حلف الناتو.
وكان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، جون راتكليف، قد زار الكرملين الشهر الماضي، بهدف تحذير روسيا من مهاجمة أي دولة عضو في حلف الناتو.
سحب القوات الأمريكية من أوروبا
أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو الماضي بسحب 5 آلاف جندي أمريكي من ألمانيا، في خطوة اعتبرها مراقبون جزءًا من ضغوطه على حلف الناتو لتحمل قدر أكبر من أعباء الدفاع عن أوروبا. وكان ترامب قد كرر مرارًا انتقاده لما يعتبره عدم تناسب مساهمة الولايات المتحدة مع مساهمات حلفائها الأوروبيين في الإنفاق الدفاعي.
وتأتي هذه التحركات في ظل خلافات متزايدة بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية بشأن قضايا الأمن والدفاع، إلى جانب الحرب في أوكرانيا والتطورات في الشرق الأوسط.
وبالتزامن مع ذلك، بدأت عدة دول أعضاء في الحلف تنويع مصادر تسليحها وتقنياتها وشركات الدفاع التي تتعامل معها، بهدف تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، بينما تعمل دول أخرى على تعزيز قدراتها العسكرية وزيادة ميزانياتها الدفاعية.
وفي ألمانيا، تتجه الحكومة إلى تعزيز قدرات القوات المسلحة، بعد سنوات من تراجع أعداد أفراد الجيش، بهدف بناء قوة عسكرية أكثر قدرة على التعامل مع التهديدات الأمنية المتزايدة في أوروبا.
استعدادات أوروبا لمواجهة موسكو
أعلنت أوكرانيا وعدد من الدول الأوروبية عن مبادرة للتعاون في مجال الدفاع الجوي، مع خطط لتطوير نظام مشترك مضاد للصواريخ الباليستية، بهدف توفير بديل أقل تكلفة لنظام «باتريوت» الأمريكي الصنع. وقد جاءت الخطوة في إطار قمة «مجموعة الكاربات الثمانية»، التي أطلقها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لتعزيز التعاون الإقليمي في مجالات الأمن والطاقة والخدمات اللوجستية والتجارة.
وتضم المجموعة أوكرانيا وبولندا ورومانيا وصربيا وسلوفاكيا وجمهورية التشيك والنمسا والمجر، إلى جانب مشاركة الاتحاد الأوروبي في المبادرة.
وتعكس هذه التحركات توجهًا أوروبيًا متزايدًا نحو تعزيز القدرات الدفاعية وتقليل الاعتماد على القدرات العسكرية الأمريكية، في ظل حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الدور الأمريكي في أمن القارة.
الهجمات الهجينة على أوروبا
حذر قادة ومسؤولون أوروبيون خلال الأسابيع الأخيرة من تزايد ما وصفوه بالعمليات الهجينة الروسية داخل أوروبا، والتي تشمل الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب وحملات التضليل والتلاعب بالمعلومات، إلى جانب ضغوط اقتصادية وأنشطة عدائية أخرى.
وقال المسؤول الألماني البارز في السياسة الخارجية يوهان واديفول، تعليقًا على هجوم بطائرة مسيرة استهدف مطار لايبزيغ الشهر الماضي، إن الحادث يندرج ضمن نمط أوسع من العمليات الهجينة الروسية في أوروبا.
كما صرح وزير النقل والبنية التحتية الألماني ألكسندر دوبريندت الشهر الماضي: «نحن لسنا في حالة حرب، لكننا هدف يومي لحرب هجينة».
وفي فرنسا، أمر الرئيس إيمانويل ماكرون المسؤولين بوضع خطط لحماية البنية التحتية الحيوية والصناعات الدفاعية من أعمال التخريب، بينما حذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من احتمال سعي روسيا إلى اختبار تماسك حلف الناتو من خلال استهداف دول أوروبية داعمة لأوكرانيا.
وكثفت بولندا، التي تتشارك الحدود مع أوكرانيا وبيلاروسيا الحليفة لروسيا، استعداداتها العسكرية؛ إذ أطلق الجيش البولندي السبت عمليات جوية وقائية ورفع حالة التأهب لأنظمة الدفاع الجوي الأرضية ورادارات الاستطلاع، بالتزامن مع شن روسيا ضربات على أوكرانيا.
تفعيل التعبئة العسكرية الروسية
مع دخول الحرب عامها الخامس وتزايد حالة الإنهاك من الحرب بين الروس، قد يصبح احتواء أي معارضة لأمر التعبئة أكثر صعوبة.
وإذا أقدمت روسيا على تفعيل تعبئة عسكرية جديدة، فستكون الخطوة مؤشرًا على حجم الضغوط التي تواجهها موسكو، كما ستمثل مخاطرة سياسية وعسكرية كبيرة للرئيس بوتين.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن تقديرات الاستخبارات الأوكرانية تشير إلى أن روسيا تخطط لتجنيد 300 ألف جندي إضافي، وهو رقم شكك فيه بعض مسؤولي الاستخبارات الغربية، في ظل الحاجة إلى توفير المعدات والتجهيزات اللازمة لهذه الأعداد.
وفي عام 2022، أطلقت روسيا موجة من التعبئة الجزئية، جندت خلالها ما لا يقل عن 300 ألف شخص. واستندت جهود التجنيد في بعض الحالات إلى تقديم مكافآت مالية كبيرة للراغبين في الانضمام، فضلًا عن وعود بمواقع خدمة بعيدة عن الخطوط الأمامية.
كما أطلقت روسيا حملة تجنيد واسعة داخل السجون، أرسلت بموجبها مدانين إلى الخطوط الأمامية مقابل الحصول على العفو، بينما فر مئات الآلاف من الرجال في سن التجنيد من البلاد.
مخاطر التصعيد المحدود
لا يتمثل السيناريو الأخطر بالضرورة في شن هجوم روسي مباشر على مدن مثل وارسو أو برلين، بما قد يترتب عليه من مواجهة عسكرية واسعة مع الحلف، وإنما في تصعيد محدود تعتقد موسكو أنها قادرة على إبقائه دون عتبة استدعاء رد شامل من حلف الناتو.
وقد يستهدف هذا النوع من التصعيد اختبار مبدأ الدفاع الجماعي، وتعميق مشاعر الخوف والانقسام داخل أوروبا، وتعزيز حالة الاستقطاب السياسي والمجتمعي.
وتشن روسيا بالفعل، وفق اتهامات وتصريحات أوروبية، أنشطة توصف بالحرب الهجينة ضد دول القارة، تشمل أعمال التخريب والعمليات السيبرانية وحملات التلاعب بالمعلومات والتدخل السياسي، إلى جانب حوادث مرتبطة بالطائرات المسيرة وغيرها من الأنشطة العدائية.
خطط الناتو
قال الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني، رئيس اللجنة العسكرية لحلف الناتو، خلال اجتماع لكبار القادة العسكريين في الحلف بالعاصمة الدنماركية كوبنهاجن، إن الحلف يواصل تعزيز قدراته العسكرية والتقنية، مشيرًا إلى جاهزية الهياكل والقوات والأسلحة.
وكانت اللجنة العسكرية لحلف الناتو قد عقدت اجتماعها في كوبنهاجن يومي 18 و19 سبتمبر، بمشاركة رؤساء أركان دفاع الدول الأعضاء، حيث ناقشت تعزيز الردع والدفاع الجماعي، وتطوير القدرات العسكرية والتكنولوجية، ودعم أوكرانيا.
وأوضح دراغوني أن الحلف يمتلك خططًا عسكرية للدفاع عن جناحه الشرقي، تشمل سيناريوهات تتعلق بأزمات محدودة أو تدخلات محتملة على أراضي دول الحلف.
وكان حلفاء الناتو قد اتفقوا في عام 2023 على خطط دفاعية إقليمية جديدة، عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.
أوروبا أمام مرحلة جديدة
يسود شعور متزايد بعدم الارتياح في أوروبا مع دخول خريف عام 2026. ولا يرتبط هذا الشعور بالحرب الدائرة في القارة وحدها، وإنما أيضًا بتراجع اليقين بشأن حجم الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا، وتصاعد المخاوف من التهديدات الروسية، إلى جانب تنامي الاتجاهات القومية في عدد من الدول الأوروبية.
وتتضافر هذه العوامل مع تراجع النهج الذي اتسم به الأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لتضع القارة أمام مرحلة جديدة من إعادة حساباتها الدفاعية والاستراتيجية.
وفي الوقت الذي تسعى فيه أوروبا إلى تعزيز قدراتها العسكرية وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، تواصل روسيا حربها في أوكرانيا وتكثف، وفق اتهامات أوروبية، أنشطتها الهجينة ضد دول القارة.
وبينما لا يزال مستقبل المواجهة بين موسكو والغرب مفتوحًا على احتمالات متعددة، تجد أوروبا نفسها أمام اختبار مزدوج: كيفية التعامل مع التهديد الروسي، وكيفية الاستعداد لاحتمال تغير مستوى الالتزام الأمريكي بأمن القارة.






