سيدة تلاحق طليقها في الشارع: ترك أبناءه 4 سنوات دون نفقة.. هل ينتهي دور الأب بالطلاق؟
بين الخلافات الزوجية والالتزامات المالية.. كيف يدفع الأبناء ثمن الصراع بعد الانفصال؟
أستاذ علم اجتماع: «أب بنصف وقت» أفضل من الغياب الكامل عن حياة الأبناء
محكم أسري ورئيس قطاع الشئون الدينية بالأوقاف سابقًا: ترك الأبناء دون نفقة أو رعاية إخلال بالأمانة
أثار مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الساعات الأخيرة، حالة واسعة من الاستياء والتعاطف، بعدما ظهرت خلاله سيدة تلاحق طليقها في أحد الشوارع، وتحاول إيقافه ومطالبته بتحمل مسؤولية أبنائه، بحسب روايتها.
وقالت السيدة، خلال الفيديو، إن طليقها تخلى عن أبنائه منذ 4 سنوات، ولم يعد ينفق عليهم، مشيرة إلى أن إحدى بناتها تعاني من المرض، في الوقت الذي تزوج فيه طليقها وبدأ حياة جديدة، متجاهلًا أبناءه -وفقًا لما ذكرته- وأضافت أنها حصلت على أحكام قضائية تلزمه بسداد النفقة، إلا أنه لم ينفذ تلك الأحكام، بحسب روايتها في الفيديو.
والواقع المؤسف أن هذه الرواية لا تبدو حالة فردية، بل أزمة متكررة تواجهها العديد من الأمهات المطلقات، حيث لا تقف فقط خلف هذه الوقائع مشكلة قانونية تتعلق بالنفقة أو الحضانة فحسب، وإنما تتشابك معها عوامل نفسية واجتماعية وأسرية، تبدأ من مرارة الانفصال والصراع بين الوالدين، وتمتد أحيانًا إلى زواج الأب من جديد وتكوين أسرة أخرى، أو إلى شعوره بأنه فقد دوره في حياة أبنائه، بينما تتحمل الأم في المقابل الجزء الأكبر، وربما كليًا، من أعباء التربية والرعاية اليومية.
وبين التفسير النفسي والاجتماعي، والمسؤولية الشرعية والقانونية، يفتح هذا الملف سؤالًا أوسع حول معنى الأبوة بعد الطلاق: فقد ينتهي الزواج، لكن هل تنتهي معه مسؤولية الأب تجاه أبنائه؟.
الطلاق لا ينهي الأبوة

أوضح الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، أن انسحاب بعض الآباء من حياة أبنائهم بعد الطلاق لا يكون دائمًا دليلًا على قلة الحب أو المشاعر، وإنما قد يكون نتيجة مزيج من الألم والعجز والصراع والواقع العملي الذي يفرضه الانفصال، مشيرًا إلى أن أسباب الانسحاب تتداخل، ولا يمكن إرجاعها إلى سبب واحد.
ولفت «صادق» في تصريح خاص لـ«ليبرالي» إلى أن المفارقة أن الآباء الذين كانوا الأكثر ارتباطًا بأبنائهم أثناء الزواج قد يكونون أحيانًا الأكثر عرضة للانسحاب بعد الطلاق، موضحًا أن الزيارات المتقطعة، مثل رؤية الأب لأبنائه كل أسبوعين، تذكره باستمرار بما فقده من الروتين اليومي وهويته كأب حاضر، والبيت الذي كان يجمعه بأبنائه، فيلجأ بعض الآباء إلى الهروب من هذا الألم بدلًا من تحمله، مضيفًا أن بعض الباحثين يصفون ذلك بأنه رد فعل يشبه «الحداد الفاشل»، حيث يربط الأب بين الطفل والزوجة السابقة باعتبارهما كيانًا واحدًا، فيبتعد عنهما معًا.
وأشار «صادق» إلى أن جودة العلاقة بين الوالدين بعد الانفصال تعد من أهم العوامل المؤثرة في استمرار التواصل بين الأب وأبنائه، موضحًا أن النزاع المستمر قد يحول الزيارة إلى ساحة للاتهامات والتأخير والشروط والإهانة أمام الطفل، فيتوقف بعض الآباء عن التواصل لأن كل لقاء يعيد فتح الجرح.
وأضاف أن نظام الزيارة قد يحول الأب أحيانًا إلى مجرد «ضيف» في حياة أبنائه، فلا يشارك في قرارات المدرسة أو الطبيب أو القواعد اليومية، وهو ما يدفع بعض الرجال إلى الشعور بأنهم أصبحوا ممولين فقط، فيرفضون هذا الدور وينسحبون احتجاجًا أو يأسًا.
وأوضح أن النزاعات الشديدة بين الوالدين قد تتضمن أحيانًا استخدام صورة الأب أمام الطفل كسلاح، من خلال التعليقات السلبية المتكررة أو منع التواصل أو دفع الطفل إلى الاختيار بين والديه، مؤكدًا أن ذلك ليس السبب الوحيد للانسحاب، لكنه قد يدفع بعض الآباء إلى الاستسلام بعد سنوات من المحاولة.
وأشار إلى أن وجود علاقة أو حياة جديدة للأب قد يكون عاملًا آخر في الابتعاد، سواء بسبب شريكة جديدة لا تريد أبناء العلاقة السابقة، أو بسبب رغبة الأب في فتح صفحة بيضاء بعد شعوره بالفشل، موضحًا أن الرغبة في الشعور بأنه محبوب ومقبول قد تكون أحيانًا أقوى من قدرته على مواجهة غضب الأم أو حزن الأبناء في كل زيارة.
ولفت «صادق» إلى أن الطلاق قد يُعاش لدى بعض الرجال باعتباره فشلًا شخصيًا، بينما يمنع الخجل بعضهم من طلب المساعدة، ويحل الغضب محل الحزن، فيصبح الانسحاب وسيلة لتجنب تذكير النفس بما خسره، بينما تزيد المشكلات النفسية أو الإدمان أو الضغوط المالية من صعوبة الأمر، مشيرُا إلى أن المسافة، والعمل بنظام الورديات، وتكاليف الانتقال وصعوبة التنسيق تمثل عوائق عملية حقيقية، لكنها قد تُستخدم أحيانًا كغطاء لأسباب عاطفية أعمق.
وأضاف أن هناك فرضية أخرى، مفادها أن من كان دوره محدودًا أثناء الزواج، وكان معيلًا أكثر منه مربيًا، قد يستمر على النمط نفسه بعد الطلاق، فيصبح الانسحاب امتدادًا لضعف المشاركة السابقة وليس نتيجة صدمة جديدة فقط.
وشدد على أنه أيًا كانت الأسباب، فإن الطفل يحتاج إلى أب حاضر وليس أبًا مثاليًا، لأن غياب الأب يُفسر عند الأبناء غالبًا باعتباره رفضًا شخصيًا لهم، حتى لو كان الأب في الحقيقة يهرب من الألم أو من الصراع مع الأم، مؤكدًا أن الانسحاب يمكن عكسه في كثير من الحالات من خلال خفض مستوى النزاع، وتوفير الدعم القانوني أو النفسي، وقبول الأب بدور «أب بنصف وقت» بدلًا من انتظار استعادة الدور الكامل الذي كان يؤديه قبل الطلاق، والأهم أن تصبح كرامة الطفل ومصلحته أهم من جرح الخلاف مع الطليقة.
النفقة بين الأبوة والانتقام
وفيما يتعلق بتعامل بعض الآباء مع النفقة باعتبارها التزامًا تجاه الزوجة السابقة وليس الأبناء، أوضح «صادق» أن هذا التصور موجود لدى بعض الآباء، رغم أن نفقة الأبناء حق مستقل عن نفقة الزوجة، وأن الأب ملزم بها لأنه والد الطفل، وليس لأنها طليقته.
وأوضح أن الخلط يحدث جزئيًا لأن الأموال تذهب عادة إلى حساب الأم الحاضنة، وهي التي تتولى الإنفاق على الطفل، بينما لا يرى الأب بصورة مباشرة فواتير المدرسة أو الطعام أو غيرها من الاحتياجات، فيترجم الأمر نفسيًا إلى أنه «يدفع لها»، وبعد طلاق مؤلم، قد ينظر بعض الآباء إلى الطفل باعتباره امتدادًا للزوجة السابقة، فيصبح الإنفاق عليه في نظرهم استمرارًا لعلاقة أرادوا إنهاءها.
وأضاف أن بعض الآباء يشعرون بعد الطلاق بفقدان السيطرة، بعدما كان الإنفاق أثناء الزواج مرتبطًا بدور وسلطة داخل المنزل، بينما يبقى الالتزام المالي بعد الانفصال ويختفي القرار، موضحًا أن بعضهم لا يرفض إعالة أبنائه في حد ذاتها، وإنما يرفض أن يُعامل باعتباره «صرافًا بلا دور أبوي»، فيكون الاستياء أحيانًا من فقدان السلطة أكثر من كونه متعلقًا بقيمة النفقة نفسها.
وأشار إلى أن الشك في كيفية إنفاق النفقة قد يزيد المشكلة، خاصة إذا رأى الأب تغيرًا في مستوى معيشة الأم أو سيارة جديدة أو سفرًا، فيفسر ذلك باعتباره إنفاقًا على نمط حياتها، موضحًا أن هذا الشك قد يكون مبالغًا فيه، وقد يكون له أساس في بعض الحالات إذا اختلطت نفقة الأبناء بمصروفات المنزل الجديد أو أبناء الزوج الجديد.
ولفت إلى أن النفقة قد تتحول في النزاعات المتصاعدة إلى وسيلة للعقاب، من خلال التأخير أو الإنقاص أو المماطلة حتى «لا تستفيد هي»، وفي المقابل قد يشعر الأب بالإذلال عند مطالبته بالتنفيذ الجبري، وفي الحالتين، يكون الطفل هو المتضرر.
وشدد على أن إنفاق النفقة داخل منزل الأم لا يعني أنها لا تُنفق على الطفل، فالسكن والكهرباء والطعام والنقل والتعليم تمثل جميعها بيئة الطفل، مؤكدًا أن تحويل النفقة إلى ورقة تفاوض أو ربط دفعها برؤية الأبناء يحول حق الطفل إلى أداة في الصراع بين الوالدين.
وأوضح أن الآباء الذين يفصلون بين الأمرين بصورة واضحة يدفعون النفقة الرسمية دون ربطها بموقفهم من الأم، وقد يقدمون إلى جانب ذلك دعمًا مباشرًا للطفل، مثل الملابس والدروس والعلاج والمصروف، معتبرًا أن ذلك يحفظ العلاقة بالأبناء دون خلط الحسابات، وخلص إلى أن تعامل بعض الآباء مع النفقة باعتبارها التزامًا تجاه الطليقة لا يرجع عادة إلى إنكار الأبوة بقدر ما يرتبط بالغضب وفقدان السيطرة وعدم القدرة على الفصل بين علاقة انتهت وعلاقة لا ينبغي أن تنتهي.
غياب الأب.. حين يكون حاضرًا في حياة أخرى
وعن أثر غياب الأب على الأطفال، خصوصًا عندما يكون موجودًا في حياة جديدة، أوضح «صادق» أن هذا النوع من الغياب يكون أكثر صعوبة على الطفل؛ فالموت يُفهم باعتباره قدرًا، أما أن يكون الأب موجودًا لكنه ليس معهم، فقد يترجم الطفل ذلك إلى رسالة مفادها أنه ليس أولوية.
وأشار إلى أن الدراسات الأحدث، حتى بعد أخذ الفقر والصراع السابق في الاعتبار، لا تزال تجد آثارًا سلبية لغياب الأب، وإن كانت أقل مما تصورته بعض الدراسات القديمة، موضحًا أن التأثير يظهر بصورة أوضح في استكمال الدراسة، والتوازن الانفعالي، والصحة النفسية في مرحلة الرشد.
وأوضح أن الطفل يعيش إحساسًا بالفقد والانتظار والمقارنة، لأن الأب موجود في مكان آخر بينما العلاقة مفقودة هنا، وتصبح صور الحياة الجديدة، من زوجة وأبناء جدد وسفر وبيت آخر، دليلًا للطفل على أن الأب قادر على الحضور لكنه اختار ألا يكون حاضرًا معه.
وأضاف أن الأطفال الأصغر سنًا قد يحملون أنفسهم مسؤولية الغياب، ويتساءلون: «لو كنت أفضل لما ذهب؟»، بينما قد يتحول الأمر لدى الأكبر سنًا إلى غضب أو احتقار للأب، ثم إلى شك في أنفسهم وفي العلاقات بشكل عام، كما تظهر الغيرة من الأسرة الجديدة عندما يرى الطفل أن الوقت والمال والعاطفة تذهب إلى بيت آخر.
وأشار إلى أن أبحاث إعادة الزواج بعد الانفصال وجدت أن تواصل الآباء المرتبطين بشريكة جديدة مع أبنائهم من العلاقة السابقة يكون أقل في المتوسط، ويُفسر ذلك أحيانًا بانتقال الاستثمار والاهتمام إلى الأسرة الجديدة.
ولفت إلى أن الطفل قد يعيش أيضًا صراعًا في الولاء، فهو يحب الأب ويغضب من غيابه في الوقت نفسه، وقد يشعر بأنه إذا اقترب من حياة الأب الجديدة فإنه يخون أمه، وإذا ابتعد فإنه يُقصى مرة أخرى، وقد تظهر آثار ذلك في صورة القلق والحزن المزمن وانخفاض تقدير الذات وأعراض الاكتئاب، أو بعض المشكلات السلوكية والعدوانية والانسحاب، فضلًا عن تراجع التركيز والتحصيل الدراسي في بعض الحالات، وصعوبة الثقة والخوف من الهجر في العلاقات المستقبلية.
وأكد أن هذه الآثار ليست قدرًا محتومًا، فهناك أبناء ينجحون في تجاوزها إذا وجدوا راعيًا ثابتًا، وأمًا مستقرة نسبيًا، ومستوى معيشيًا مقبولًا، وشرحًا صادقًا يناسب أعمارهم يؤكد لهم أن الانفصال قرار للكبار وليس بسببهم.
وأوضح أن أكثر ما يزيد ألم الطفل هو الصمت وغياب التفسير، أو ظهور الأب بصورة متقطعة من خلال الهدايا ثم الاختفاء لأشهر، أو رؤية تفضيل أبناء العلاقة الجديدة، أو مطالبة الطفل بأن «يفرح لأبيه» قبل أن يُسمح له بالحزن، وفي المقابل، فإن الحضور النوعي ولو كان محدودًا، من خلال مواعيد ثابتة واهتمام حقيقي بتفاصيل حياة الطفل وعدم إجباره على حب الشريكة الجديدة، يمكن أن يخفف من الأثر.
وأضاف أن عدم استخدام الأم لغياب الأب كسلاح يحمي الطفل من صراع داخلي إضافي، كما أن اعتذار الأب بوضوح عن غيابه، دون أن يطلب من الطفل المغفرة فورًا، يمكن أن يعيد إليه جزءًا من شعوره بالكرامة، ويؤكد له أن المشكلة ليست فيه.
وخلص إلى أن غياب أب حي يبني بيتًا آخر يجرح الطفل بمعنى الاستبدال وليس الفقد وحده، مؤكدًا أن الطفل لا يحتاج إلى أب مثالي، وإنما إلى دليل متكرر على أنه لم يتم استبداله.
هل تتحمل الأم وحدها مسؤولية التربية؟
وأوضح «صادق» أن الأم تتحمل عمليًا في كثير من الحالات العبء الأكبر، وأحيانًا العبء شبه الكامل، عندما ينسحب الأب، لكن ذلك لا يعني أن التربية أصبحت شرعًا أو قانونًا أو نفسيًا مسؤوليتها وحدها، مؤكدًا أن هناك فرقًا بين الواقع والواجب.
وأشار إلى أنه عندما ينسحب الأب، سواء بالطلاق أو بالغياب العاطفي أو بالامتناع عن النفقة والمتابعة، تتحمل الأم الرعاية اليومية والحضانة والتعليم والمتابعة النفسية، وغالبًا الجانب المادي أيضًا، إلى جانب أدوار كان يفترض أن يشارك فيها الأب، مثل الحزم وتوفير النموذج والشعور بالأمان والانضباط.
ولفت إلى أن الثقافة المجتمعية في مصر ما زالت تميل إلى وضع مسؤولية التربية على الأم، ثم تحميلها اللوم إذا ظهر خلل لدى الأبناء، مشددًا على أن الأم تستطيع تربية أطفال صالحين ومستقرين، لكن الدراسات تشير إلى أن غياب الأب، خاصة إذا كان مبكرًا أو طويلًا أو إراديًا، يرتبط في كثير من الحالات بصعوبات سلوكية وانفعالية أكبر، وضعف في التحصيل أحيانًا، واضطراب في صورة الذات والأدوار، خاصة لدى الأبناء الذكور، فضلًا عن وجود فراغ في السلطة والانضباط يصعب على الأم ملؤه إذا حاولت أن تقوم بدور الأب بالقسوة.
وأكد أن التربية شرعًا مسؤولية مشتركة، مستشهدًا بحديث «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، موضحًا أن المسؤولية القانونية لا تسقط عن الأب لمجرد أنه لم يعد يعيش مع أبنائه؛ فالأم تكون عادة صاحبة الحضانة في السنوات الأولى، والأب ملزم بالنفقة، والولاية التعليمية غالبًا للحاضن، لكن المسؤولية التربوية والأخلاقية تظل قائمة على الأب أيضًا.
وأشار إلى أن بعض البيانات الرسمية الواردة في المادة تشير إلى ارتفاع نسبة الأسر التي ترأسها امرأة إلى نحو 18.9% وفق مسح صحي للأسرة المصرية 2025، مقارنة بنحو 16.7% إلى 17% في مسح 2021، موضحًا أن ذلك يعكس اتساع حجم الأسر التي تتحمل فيها المرأة مسؤولية الأسرة، مع ارتباط ذلك بعوامل من بينها الطلاق والترمل وغياب العائل.
وشدد على أن الأم قد تتحمل العبء اليومي وحدها في حالات كثيرة، لكنها لا يجب أن تتحمل المسؤولية الكاملة، ولا تستطيع أن تقوم بالدورين دون ثمن. وما يساعد الأبناء ليس أن تتقمص الأم دور الأب، وإنما أن تحافظ قدر الإمكان على صورته أمامهم دون تزوير الواقع، وأن توفر لهم نماذج ذكورية إيجابية وآمنة، وألا تحمل الطفل دور «رجل البيت»، وأن تطالب بحق النفقة والمتابعة بدلًا من الاستسلام للصمت.
لماذا يتهرب بعض الآباء من المسؤولية بعد الانفصال؟
واختتم «صادق» بأن التهرب من المسؤولية بعد الانفصال ليس له سبب واحد، وإنما ينتج عن مزيج من الغضب الشخصي من الزوجة، والثغرات القانونية، والثقافة الأبوية القديمة، والضغوط الاقتصادية، مؤكدًا أن الأسباب تختلف من حالة إلى أخرى.
وأوضح أن بعض الآباء يتعاملون بعد طلاق مرير مع النفقة باعتبارها «فلوس تروح للطليقة»، فيستخدمون المماطلة أو إخفاء الدخل أو تغيير طبيعة العمل للتهرب من الالتزام، ويكون الهدف أحيانًا معاقبة الأم بينما يدفع الأبناء الثمن.
وأضاف أن بعض الآباء يشعرون بأن القانون اختزل دورهم في الالتزام المالي، خاصة مع اقتصار الرؤية أحيانًا على ساعات محدودة، فينشأ لديهم شعور بأنهم «ولي بلا ولاية يومية»، وهو ما قد يحول الالتزام إلى خصومة، مشيرًا كذلك إلى أن صعوبة التنفيذ وإخفاء الدخل، خاصة مع العمل غير الرسمي، قد تجعل التهرب أسهل في بعض الحالات.
وأوضح أن الثقافة التي تختزل الأبوة في توفير المال، بينما تعتبر التربية مسؤولية الأم، تستمر أحيانًا بعد الطلاق، فينسحب الأب عاطفيًا وليس ماليًا فقط. كما قد تؤثر الأسرة الجديدة وأبناء العلاقة الثانية على الوقت والمال، فيضع بعض الآباء أبناءهم من الزواج السابق في مرتبة متأخرة.
وأشار إلى أن بعض حالات التهرب لا ترتبط بالبخل وحده، وإنما بمحاولة الهروب من ألم مواجهة طفل يعيش في بيت آخر، أو من شعور بالفشل وزيارة قصيرة تعيد فتح الجرح، مؤكدًا أن هذا ضعف وليس عذرًا، كما أن الصراع المتبادل بين الوالدين قد يحول الطفل إلى ورقة ضغط، فإذا استُخدمت الرؤية للعقاب قد يقل الالتزام المالي، والعكس صحيح عندما يؤدي الامتناع عن النفقة إلى منع الرؤية.
وشدد على أن الطلاق لا يمثل سببًا كافيًا لقطع المسؤولية، موضحًا أن «أنا مطلق خلاص» تعني انتهاء العلاقة الزوجية وليس الأبوة، وأن عمل الأم لا يسقط نفقة الأب، كما أن الاعتراض على حكم أو قانون يختلف عن ترك الأبناء بلا كفاية.
وخلص إلى أن الأب يتهرب عندما يخلط بين كسر العلاقة مع الزوجة وقطع العلاقة مع الأبناء، ويستفيد من ثغرات قانونية أو ثقافة تتسامح مع غيابه ما دام بعيدًا عن البيت، مؤكدًا أن الأبوة ليست مجرد دور اجتماعي ينتهي بانتهاء الزواج، وإنما التزام يستمر تجاه الأبناء.
تهرب الزوج من مسئولية أبنائه أمر مشين

من جانبه، قال الشيخ جابر طايع، وكيل أول وزارة ورئيس قطاع الشئون الدينية بوزارة الأوقاف سابقًا، والمحكم الأسري بمحكمة أكتوبر، إن قضايا تهرب بعض الأزواج من سداد النفقة للزوجة والأبناء من أكثر القضايا التي يواجهها، موضحًا أن هذا الأمر يضع الزوجة أمام أعباء شديدة، إذ تضطر إلى العمل ومكابدة الحياة من أجل تربية الأبناء، رغم أن المسؤولية في الأساس مزدوجة وليست فردية.
وأضاف «طايع» في تصريح خاص لـ«ليبرالي» أن تهرب الزوج من مسؤوليته تجاه أبنائه أمر مشين ويخل بالمروءة، متسائلًا: إذا كان الإنسان يحن على امرأة في الشارع تطلب مساعدة بسبب اصطحابها أطفال، فكيف لا يحن على أبنائه من صلبه؟.
وأكد أن الخلاف بين الزوج والزوجة لا ينبغي أن يكون سببًا لمعاقبة الأبناء أو التخلي عنهم فما ذنبهم لهذا الخلاف، خاصة إذا كان الأب ميسورًا وذوو ملاءة مالية وقادرًا على الإنفاق، معتبرًا أن ترك الأبناء دون رعاية أو نفقة يمثل خيانة و إخلالًا بالأمانة التي ائتمن الله الأب عليها.
وأشار إلى أن عقد الزواج وصفه القرآن الكريم بالميثاق الغليظ والتخلي عن الأبناء والتنحي عن مسئوليتهم هو تخلي عن وعد مع ربنا، موضحًا أن مسؤولية الزوج لا تنتهي بمجرد انتهاء العلاقة الزوجية، خصوصًا إذا نتج عنها أبناء، إذ تظل مسؤولية الأب تجاههم قائمة، ولا يجوز أن تتحمل الأم وحدها أعباء التربية والإنفاق بسبب الخلافات بينها وبين الأب.
كما أكد أيضًا على أن القوانين رادعة، لكنها تحتاج لحوكمة أكثر، مشيدًا بقرار وزير العدل الصادر في مصر رقم 896 لسنة 2026، والذي دخل حيز التنفيذ رسميًا، وتم ربط الأنظمة الحكومية ببعضها لمعاقبة الممتنعين عن تنفيذ الأحكام النهائية الصادرة بإدانة المحكوم عليهم في قضايا النفقات تطبيقاً للمادة 293 من قانون العقوبات.
الشرع ومسئولية الأبناء
وأوضح أن ما أوجبه الشرع على الأب تجاه أبنائه يتضمن النفقة، مؤكدًا أن الأب الذي يصدر بحقه حكم بالنفقة للصغار يجب أن يلتزم به، داعيًا إلى تغليظ العقوبات على من يتعمد التأخر أو الامتناع عن سداد نفقة أبنائه.
وقارن بين ذلك وبين الالتزامات المالية الأخرى، قائلًا إن من يتأخر عن سداد أقساط أو التزامات مالية قد يتعرض لغرامات وعقوبات، وبالتالي لا ينبغي أن يكون الالتزام بنفقة الأبناء أقل أهمية.
وشدد نائب وزير الأوقاف السابق، على أن مسؤولية الأب لا تقتصر على الإنفاق، وإنما تمتد إلى الرعاية والتربية والتواصل مع الأبناء، مؤكدًا أن انفصال الوالدين لا ينبغي أن يتحول إلى انفصال الأب عن أبنائه.
واستشهد بقوله تعالى “أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ”، موضحًا أن رعاية الأسرة والأبناء تقتضي ألا يتعمد أحد الطرفين الإضرار بالآخر على نحو ينعكس على الأبناء، مشددًا على أن الأطفال لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الانفصال بين الأب والأم، وأن رعايتهم يجب أن تظل مسؤولية مشتركة، حتى وإن كانت الحضانة والرعاية اليومية للأم.
وأوضح الشيخ جابر طايع أن الإسلام أمر بأن تكون مسؤولية الولد والبنت مسؤولية شخصية على الأب والأم، ولا تُترك للظروف، موضحًا أن الابن مسؤولية كاملة من الأب والأم، ولا ينبغي تركه للخلافات والمشاجرات والاختلافات بين الزوجين.
وأضاف أن الابن مسؤول من والديه، وأن تصرفاته تكون مسؤوليتهما إلى أن يبلغ ويصبح قادرًا على أن تكون له ذمة مالية مستقلة، ويصبح مسؤولًا عن تصرفاته، مؤكدًا أن الطفل ما دام قاصرًا، فإن المسؤولية عنه تكون على الأب والأم بصورة مزدوجة.
وحول عقاب الشخص المقصر في حق أبنائه عند الله، قال إن الله عز وجل يحاسب من لا يعدل بين أبنائه، مستشهدًا بما ذكره من أن من ولاه الله عز وجل على عشرة ولم يعدل بينهم؛ جاء به يوم القيامة وشقه الأيمن مائل، مشيرًا إلى أن الأب إذا كان لديه أبناء ولا يعدل بينهم، ولا يرعاهم أو يكون في عنايتهم، فإنه سيحاسب يوم القيامة أمام الله، مشيرًا إلى أن ذلك يرتبط بعدم العدل بين الأبناء في الرعاية والنفقة وحفظهم وتعليمهم والتكفل بهم.
واختتم حديثه مؤكدًا على أن مسؤولية الأبناء في الإسلام ليست أمرًا متروكًا للظروف، قائلًا إن إنجاب الأبناء لا يعني تركهم للشارع ليربيهم، وإنما هي مسؤولية تقع على عاتق الأب والأم.






