مقالات

مش بعيد عنك «2»

ليه الحر مش واحد في كل شوارع القاهرة؟

أسماء علي

المدير التنفيذي لمؤسسة إيكوريس للتنمية المستدامة

لو مشيت في القاهرة في عز الضهر، غالبًا حصلت لك قبل كده.

شارع فيه شجر وظل، تمشي فيه والدنيا محتملة، تلف الناصية، فتلاقي نفسك في شارع واسع، أسفلت، عربيات، واجهات مبانٍ سخنة، وشمس مباشرة فوق دماغك.

نفس المدينة، نفس اليوم، ونشرة الطقس بتقول نفس درجة الحرارة.

لكن إحساسك بيقول إنك انتقلت لمكان تاني تمامًا.

والحقيقة إن إحساسك مش بالضرورة بيتوهم.

الحر فعلًا مش واحد في كل أجزاء المدينة.

الحكاية تبدأ من حاجة بسيطة جدًا: المواد المختلفة لا تتعامل مع حرارة الشمس بالطريقة نفسها.

الأسفلت والخرسانة والأسطح المبنية تمتص قدرًا كبيرًا من الطاقة أثناء النهار، وتخزن جزءًا منها، ثم تعيد إطلاقها في الجو، أما الأشجار والنباتات، فلا توفر الظل فقط، لكنها تساعد أيضًا في التبريد من خلال المياه التي تطلقها إلى الهواء.

أضف إلى ذلك العربيات، والمباني، وأجهزة التكييف التي تنقل الحرارة من الداخل إلى الخارج، وشكل الشارع نفسه: عرضه، وارتفاع المباني حوله، واتجاهه، وقدرة الهواء على الحركة داخله.

كل ده يصنع ما يسميه الباحثون «الجزيرة الحرارية الحضرية».

ببساطة، المدينة نفسها تستطيع أن تصنع مناخًا محليًا صغيرًا خاصًا بها.

والقاهرة مثال واضح.

دراسات استخدمت صور الأقمار الصناعية لمتابعة القاهرة الكبرى وجدت أن التوسع العمراني وتغير استخدامات الأرض ارتبطا بتغير توزيع حرارة سطح الأرض داخل المدينة، بينما ظهر النيل والمناطق الزراعية ضمن المناطق الأبرد نسبيًا.

وهنا مهم نفرّق بين حاجتين: كثير من خرائط الأقمار الصناعية تقيس درجة حرارة سطح الأرض، أي حرارة الأسفلت والمباني والتربة وغيرها، وليس درجة حرارة الهواء التي نراها في تطبيق الطقس، لكن حرارة هذه الأسطح جزء مهم جدًا من البيئة الحرارية التي نعيشها في المدينة.

والحكاية مش ثابتة طول اليوم.

إحدى الدراسات التي تابعت القاهرة الكبرى في أعوام 2000 و2010 و2019 وجدت أن الفارق بين المناطق الحضرية وما حولها يتغير بين النهار والليل، وأظهرت النتائج بوضوح تأثير الجزيرة الحرارية الحضرية ليلًا، كما وجدت أن مساحة الأسطح غير المنفذة للمياه، مثل المناطق المبنية والطرق، زادت من نحو 564 كيلومترًا مربعًا عام 2000 إلى أكثر من 869 كيلومترًا مربعًا عام 2019.

يعني ممكن الشمس تكون غربت، لكن أجزاء من المدينة لسه بترد الحرارة اللي خزنتها طوال النهار.

وده يفسر جزءًا من تلك الليالي الصيفية التي تشعر فيها أن الشارع نفسه لا يريد أن يبرد.

لكن الجزء الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لي مش إن القاهرة فيها جزر حرارية.

السؤال هو:

مين عايش جواها؟.

لأن الحرارة، زي حاجات كتير في المدينة، مش موزعة بالتساوي.

شخص يخرج من بيت مكيف إلى عربية مكيفة ثم يدخل مكان عمل مكيف، لا يعيش يومًا شديد الحرارة بالطريقة نفسها التي يعيشها عامل بناء، أو عامل توصيل، أو بائع يقضي ساعات في الشارع.

وحتى داخل البيوت، القدرة على الهروب من الحر ليست واحدة.

فيه بيت جيد التهوية والعزل، وبيت الشمس داخلة فيه أغلب اليوم. فيه أسرة تستطيع تشغيل التكييف لساعات، وأسرة كل ساعة تشغيل إضافية بالنسبة لها حساب في فاتورة الكهرباء.

وهنا يتحول الحر من مجرد حالة جوية إلى سؤال عن شكل المدينة نفسها.

مين عنده شجرة أمام البيت؟.

مين عنده رصيف مظلل؟.

مين ينتظر المواصلات تحت سقف، ومين يقف في الشمس؟.

وأي الأحياء فيها مساحة خضراء كافية أصلًا؟.

وهنا تظهر فكرة «العدالة الحرارية».

الفكرة بسيطة: إذا كانت بعض الأماكن وبعض الناس أكثر تعرضًا للحرارة من غيرهم، فالتعامل مع الحر لا يمكن أن يقتصر على إخبار الجميع بأن يشربوا مياه أكثر أو يتجنبوا الشمس.

لازم نسأل أيضًا كيف نصمم المدينة.

والشجر هنا مهم جدًا، لكن حتى الحكاية دي مش ببساطة «نزرع شجر وخلاص».

دراسة أجريت على منطقة كثيفة العمران في وسط القاهرة اختبرت سيناريوهات مختلفة لزيادة الغطاء النباتي. وفي النموذج الذي استخدمه الباحثون، كان السيناريو الذي تغطي فيه الأشجار 50% من المنطقة المدروسة هو الأكثر فاعلية، وخفّض درجة حرارة الهواء بنحو نصف درجة إلى درجة مئوية، كما حسّن الإحساس بالراحة الحرارية خلال النهار.

لكن الدراسة أظهرت حاجة أهم: شكل الشارع واتجاهه ونسبة ارتفاع المباني إلى عرضه كلها عوامل تفرق في النتيجة.

يعني مكان الشجرة وطريقة تخطيط الشارع مهمان، وليس مجرد عدد الأشجار.

والصورة الأكبر تظهر أيضًا عندما ننظر إلى المدن المصرية كلها.

دراسة منشورة عام 2025 حللت أكثر من 19 ألف صورة أقمار صناعية لـ130 مدينة مصرية خلال الفترة من 2000 إلى 2023، ووجدت أن المساحات الخضراء تلعب دورًا مهمًا في تخفيف حرارة سطح المدن، وأن حجم الرقعة الخضراء كان من أهم العوامل المؤثرة في قوة هذا التبريد.

وده يخلينا نبص للشجرة اللي في الشارع بشكل مختلف قليلًا.

هي مش مجرد منظر لطيف.

والرصيف المظلل مش رفاهية.

والمساحة الخضراء مش قطعة أرض فاضية مستنية مشروعًا «أكثر فائدة».

في مدينة يزداد فيها ضغط الحرارة، كل واحدة من الحاجات دي جزء من البنية الأساسية اللي بتخلي الحياة في المدينة محتملة.

يمكن علشان كده، المرة الجاية اللي تمشي فيها من شارع مشجر لشارع مغطى بالأسفلت وتحس إن الحرارة اتغيرت فجأة، ما تعتبرش الموضوع مجرد إحساس.

بص حواليك.

الشجر، والظل، والأسفلت، وعرض الشارع، وارتفاع المباني، وحتى المكان اللي واقف فيه مستني المواصلات، كلهم جزء من الإجابة.

لأن حتى الحر في المدينة… مش بعيد عنك.

المصادر والمراجع

1. الجزيرة الحرارية في القاهرة الكبرى وتغير حرارة سطح الأرض بين النهار والليل

Athukorala, D. & Murayama, Y. (2021), Urban Heat Island Formation in Greater Cairo: Spatio-Temporal Analysis of Daytime and Nighttime Land Surface Temperatures along the Urban–Rural Gradient, Remote Sensing.

https://www.mdpi.com/2072-4292/13/7/1396

2. تأثير الأشجار والغطاء النباتي على الحرارة واستهلاك الطاقة في المناطق كثيفة العمران بالقاهرة

Aboelata, A. & Sodoudi, S. (2019), Evaluating urban vegetation scenarios to mitigate urban heat island and reduce buildings’ energy in dense built-up areas in Cairo, Building and Environment.

https://doi.org/10.1016/j.buildenv.2019.106407

3. تأثير المساحات الخضراء على التبريد في 130 مدينة مصرية

How Urban Green Spaces Shape Unequal Cooling in Rapidly Urbanizing Egypt: Insights from Landsat and GEE Analysis, Earth Systems and Environment (2025).

https://link.springer.com/article/10.1007/s41748-025-00639-6

4. الأشجار والراحة الحرارية للمشاة في أنماط عمرانية مختلفة بالقاهرة

Pedestrian Dynamic Thermal Comfort Analysis to Optimize Using Trees in Various Urban Morphologies: A Case Study of Cairo City, Land (2024).

https://www.mdpi.com/2073-445X/13/9/1489

زر الذهاب إلى الأعلى