مقالات

مش بعيد عنك «3»

الشجرة إللي قدام بيتك بتساوي كام؟

أسماء علي

المدير التنفيذي لمؤسسة إيكوريس للتنمية المستدامة

إحنا تقريبًا عارفين سعر كل حاجة في الشارع.
متر الأرض له سعر، المحل له إيجار، مكان ركن العربية بقى له تمن، ولو الرصيف اتكسر، نقدر — على الأقل نظريًا — نحسب هيتكلف كام علشان يتصلح.
لكن فيه حاجة ممكن تكون واقفة في الشارع من قبل ما نسكن فيه أصلًا، ونادرًا ما بنفكر فيها بالطريقة دي.
الشجرة.
لو بكرة الصبح الشجرة الكبيرة اللي قدام بيتك اختفت، إحنا خسرنا إيه؟.
أول إجابة غالبًا هتكون: خسرنا شجرة.
لكن دي مش الإجابة كلها.
لأن الشجرة في المدينة مش مجرد جذع وفروع وأوراق، وجودها في حد ذاته بيؤدي مجموعة من الوظائف اللي بنستفيد منها كل يوم، غالبًا من غير ما نفكر فيها.
بتوفر الظل، وتساعد في تخفيف الحرارة حولها، وتخزن الكربون، وتتفاعل مع بعض الملوثات الموجودة في الهواء، وتعترض جزءًا من مياه الأمطار قبل وصولها إلى الأرض، وفي ظروف معينة، وجود الأشجار وطريقة توزيعها حول المباني ممكن يؤثر حتى في الطاقة المطلوبة لتبريدها.
وبعض الوظائف دي يمكن قياسها، بل ومحاولة تقدير قيمتها اقتصاديًا.
والفكرة دي وصلت للقاهرة كمان.
دراسة منشورة سنة 2017 قارنت خدمات الغطاء الشجري في عشر مدن كبرى حول العالم، وكانت القاهرة واحدة منها. وقدّرت الدراسة الغطاء الشجري بنحو 8.1% من منطقة القاهرة الحضرية الكبرى التي حددها الباحثون للدراسة، اعتمادًا على صور جوية لعام 2016، وهي أقل نسبة بين المدن العشر التي شملتها المقارنة.
وده رقم محتاج يتفهم في سياقه. الدراسة ما نزلتش تعد كل شجرة في شوارع القاهرة، وبالتالي إحنا بنتكلم عن تقدير قائم على بيانات مكانية، مش جرد ميداني دقيق لكل أشجار المدينة.

لكن الدراسة بتفتح بابًا لسؤال أهم من الرقم نفسه:
ماذا لو تعاملنا مع الشجر باعتباره جزءًا من أصول المدينة؟
إحنا عادةً لما بنتكلم عن الأشياء اللي لا يمكن للمدينة أن تعمل من غيرها، بنفكر في الطرق، وشبكات المياه والكهرباء، وأعمدة الإنارة، والأرصفة.
حاجات اتعودنا نشوفها باعتبارها بنية أساسية؛ لأن غيابها له تكلفة واضحة، ووجودها بيؤدي وظيفة محددة.
لكن ماذا عن شجرة عمرها مثلاً أربعين سنة؟.
شجرة بتظلل جزءًا من الشارع كل يوم، وتساعد في تخفيف الحرارة حولها، وتعترض جزءًا من مياه الأمطار، وتخزن الكربون، ويمر تحتها عشرات أو مئات الأشخاص يوميًا.
هل دي مجرد إضافة جمالية للشارع؟ ولا هي كمان جزء من البنية الأساسية اللي بتخلي المدينة قابلة للحياة؟.
الفكرة دي لها اسم بالفعل: البنية التحتية الخضراء – Green Infrastructure، وهي طريقة للنظر إلى الأشجار والمساحات الخضراء باعتبارها عناصر تؤدي وظائف حقيقية داخل المدينة، مش مجرد مساحة متبقية بين المباني والطرق.
وفي القاهرة نفسها، حاول باحثون يعرفوا إيه اللي ممكن يحصل لو زادت الأشجار في مناطق كثيفة العمران.
والنتائج أظهرت إن وجود أشجار أكتر ممكن يساعد في خفض حرارة الهواء، ويقلل من إحساس الناس بالحر أثناء وجودهم في الشارع. لكن الحكاية ما كانتش مرتبطة بالعدد بس؛ اتجاه الشارع وعرضه، وارتفاع المباني، ومكان الأشجار نفسها، كلها عوامل بتفرق.
يعني مش بس مهم إن فيه شجرة. مهم كمان فين الشجرة، وحجمها إيه، وعمرها قد إيه، وإيه الدور اللي بقت بتؤديه في المكان بعد كل السنين دي.
ومن هنا، الحساب يبدأ يتعقد.
لأن فيه قيمة تانية للشجرة مالهاش معادلة سهلة.
الشجرة إللي كبرت معانا.
أحيانًا الشجرة بتفضل في المكان مدة أطول من ناس كتير عاشوا فيه.
طفل يكبر وهي قدام بلكونة بيته، أسرة تتصور جنبها في مناسبات مختلفة، حد يعرف إنه وصل آخر الشارع لما يشوفها، بائع يختار مكانه تحت ظلها، وجيران يتقابلوا عندها من غير ما يكونوا متفقين أصلًا.
وبعد سنين، من غير ما نقصد، الشجرة بتدخل في ذاكرتنا عن المكان.
يمكن حتى تبقى شبه واحد من سكان الشارع القدامى؛ موجودة في الخلفية طول الوقت، لدرجة إننا أحيانًا ما بناخدش بالنا منها إلا لما تختفي.
والعلاقة دي مش مجرد رومانسية زيادة عن اللزوم.
في دراسات المدن وعلم النفس البيئي فيه مفهوم اسمه الارتباط بالمكان – Place Attachment: الروابط العاطفية والذكريات والمعاني اللي بتتكون بين البشر والأماكن مع مرور الوقت. والأشجار ممكن تكون جزءًا من الإحساس ده، ومن هوية المكان نفسه.
وفي دراسة عن التجارب الشخصية للبشر مع الأشجار، ظهرت الأشجار في حكايات المشاركين كنقاط مرجعية لأماكن وذكريات وتجارب، ووصل وصف العلاقة ببعضها إلى اعتبارها أشبه بوجود مألوف ومهم في الحياة، بل جزءًا من المجتمع الصغير المحيط بهم.
وده مفهوم جدًا.
لأن فيه شجر بنكبر معاه فعلًا.
نشوفه وإحنا رايحين المدرسة، وبعدين الجامعة، وبعدين الشغل. تتغير المحلات والعربيات ووشوش الجيران، ويمكن العمارات نفسها، وتفضل الشجرة واقفة في نفس المكان.
يمكن علشان كده فقد شجرة قديمة أحيانًا بيعمل إحساس أكبر من مجرد إن «شكل الشارع اتغير».
فيه شيء مألوف اختفى فجأة.
علامة كنا بنعرف بيها المكان راحت.
وقطعة من المشهد اللي كنا بنقيس بيه الزمن اختفت.
والحكاية مش فردية بس.
شارع عاش فيه أكتر من جيل، وصف أشجار واقف فيه من عشرات السنين، ممكن يبقوا جزءًا من الذاكرة الجمعية للحي؛ من الصورة اللي الناس شايلة بيها المكان في دماغها، والحكايات اللي بتحكيها عنه، وإحساسها بأنها تنتمي إليه.
وعلشان كده، لما تختفي شجرة قديمة، إحنا أحيانًا ما بنفقدش أصلًا بيئيًا بس.
إحنا بنشيل جزءًا من ذاكرة المكان نفسه.
مش كل ما يمكن تعويضه يمكن استبداله
وهنا نوصل للجملة اللي بنسمعها كثيرًا:
«هنزرع بدلها».
وأحيانًا:
«هنزرع بدل الشجرة عشر شجرات».
على الورق، الموضوع يبدو محسومًا. شجرة راحت وعشر جُم مكانها. يبقى كسبنا تسعة.
لكن الأشجار مش عملية حسابية بالشكل ده.
شجرة كبيرة احتاجت سنوات — وأحيانًا عقودًا — علشان توصل للحجم اللي إحنا شايفينه. تاجها ومساحة أوراقها وجذورها والكتلة الحية اللي كونتها كلها اتبنت مع الوقت، ومعها زادت الوظائف البيئية اللي بتؤديها.
أما الشتلة اللي زرعناها الصبح فهي مهمة جدًا.
لكنها بداية شجرة.
مش شجرة ناضجة بحجم أصغر.
وده فرق جوهري.
الأبحاث المتعلقة بإدارة أشجار المدن بتشير إلى إن استبدال الأشجار الكبيرة بأشجار صغيرة لا يعيد فورًا المستوى نفسه من الوظائف البيئية. وفوق ده، مش كل شتلة نزرعها هتعيش أصلًا لحد ما توصل للنضج؛ السنوات الأولى بعد الزراعة مرحلة حاسمة لبقائها ونموها.
إذن لما نقول «زرعنا بدل الشجرة عشر شجرات»، العدد لوحده مش كفاية علشان نعرف إحنا عوضنا اللي فقدناه ولا لأ.
السؤال الأدق يمكن يكون:
هتحتاج الأشجار الجديدة كام سنة علشان تعوض الوظائف إللي فقدناها بإزالة الشجرة القديمة؟.
وده مش معناه طبعًا إننا ما نزرعش جديد.
بالعكس.
المدينة الصحية محتاجة شتلات تبدأ رحلتها، وأشجارًا في منتصف عمرها، وأشجارًا ناضجة نحافظ عليها. لأن لو مافيش شجر صغير النهارده، مش هيبقى عندنا شجر كبير بكرة.
لكن المشكلة تبدأ لما نتعامل مع الواحدة منهم كأنها بديل فوري للأخرى.
وفيه حاجة أصعب كمان.
الشتلة الجديدة ممكن تكبر يومًا ما، وتوفر ظلًا جديدًا، ويمكن بعد عشرات السنين تبقى هي كمان جزءًا من ذكريات ناس تانية.
لكنها لا تستطيع أن تعيد الذكريات التي كانت معلقة بالشجرة التي اختفت.
وده يمكن الجزء اللي أي حساب اقتصادي هيتعب في قياسه.
نقدر نقدّر كمية كربون. ونقدر نقيس درجة حرارة. ونقدر نحسب مساحة تاج شجرة أو تكلفة زراعة واحدة جديدة.
لكن بكام نحسب ظلًا كان بائع بيقف تحته كل يوم؟.
أو جزءًا من طريق كان شخص كبير في السن قادر يمشيه في أغسطس؟.
أو شجرة كانت موجودة في صور أسرة على مدار ثلاثين سنة؟.
أو شكل شارع كامل اتغير فجأة؟.
يمكن علشان كده السؤال اللي بدأنا به المقال كان غلط شوية.
الشجرة إللي قدام بيتك بتساوي كام؟
ممكن نحسب جزءًا من الإجابة.
لكن السؤال الأهم يمكن يكون:
لو اختفت بكرة، هتحتاج المدينة كام سنة، وكام شجرة، وكام تكلفة، علشان تعوض الوظائف البيئية والعمرانية اللي فقدتها باختفاء الشجرة دي؟.
وحتى لو قدرنا نحسب كل ده، هيفضل فيه شيء مش موجود في الفاتورة.
الوقت.
السنين اللي احتاجتها الشجرة علشان تكبر، والسنين اللي احتاجها البشر علشان يكبروا حواليها.
يمكن ساعتها نبص للشجرة اللي قدام البيت بطريقة مختلفة.
مش باعتبارها ديكورًا أخضر يمكن نشيله ونزرع غيره.
لكن باعتبارها جزءًا من البنية الأساسية للمدينة، وجزءًا من نظامها الحي، وأحيانًا جزءًا من ذاكرتها كمان.
ومش بعيد عنك.

المصادر والمراجع
1. Endreny et al. (2017)
Implementing and managing urban forests: A much needed conservation strategy to increase ecosystem services and urban wellbeing. Ecological Modelling.
https://doi.org/10.1016/j.ecolmodel.2017.07.016

2. Aboelata & Sodoudi (2019)
Evaluating urban vegetation scenarios to mitigate urban heat island and reduce buildings’ energy in dense built-up areas in Cairo. Building and Environment.
https://doi.org/10.1016/j.buildenv.2019.106407

3. Aboelata & Sodoudi (2020)
Corrigendum, Building and Environment.
https://doi.org/10.1016/j.buildenv.2020.106697

4. Pearce, Davison & Kirkpatrick (2015)
Personal encounters with trees: The lived significance of the private urban forest. Urban Forestry & Urban Greening.
https://doi.org/10.1016/j.ufug.2014.11.003

5. Schwaab et al. (2021)
The role of urban trees in reducing land surface temperatures in European cities. Nature Communications.
https://doi.org/10.1038/s41467-021-26768-w

زر الذهاب إلى الأعلى