مقالات

قبل أن تنظم الوزارة المطورين من ينظم قواعد الـVIP في أراضي الدولة؟

بينما تستعد وزارة الإسكان لوضع قانون جديد لتنظيم نشاط التطوير العقاري وتصنيف المطورين وفقًا للملاءة المالية وسابقة الأعمال والقدرة على التنفيذ وحماية حقوق المواطنين، تطرح هيئة المجتمعات العمرانية في الوقت نفسه آلية VIP تمنح كبار المطورين أولوية في التعامل على أراضي الدولة، وهنا يبرز السؤال هل تطبق الوزارة على من يحصل على أرض الدولة القواعد نفسها التي تريد أن تفرضها على السوق؟.

لا أحد يعترض على أن تمنح الدولة المطور القادر فرصة أكبر ولا على جذب الاستثمارات الجادة، لكن التمييز بين المطورين يجب أن يقوم على قدرة حقيقية ومتجددة، على التنفيذ لا على تاريخ الشركة وحجم أعمالها فقط، فحجم الأعمال ليس سيولة متاحة، وقيمة الأصول ليست بالضرورة قدرة على الوفاء بالالتزامات، وسابقة الأعمال لا تمثل ضمانا دائما لمشروع جديد.

القواعد المعلنة لنظام VIP تتضمن في بعض الحالات خبرة لا تقل عن عشر سنوات، وحجم أعمال سنويا لا يقل عن مليار جنيه، إلى جانب الملاءة المالية وسابقة الأعمال وجودة المنتج وكفاءة التنفيذ، كما تصل قيمة الأصول والمشروعات المطلوبة في بعض الحالات إلى خمسة مليارات جنيه، وهي معايير يفترض أن تعكس قدرة المطور على تنفيذ مشروعات كبيرة، لكن السؤال الأهم هو ماذا يحدث بعد دخوله قائمة VIP؟.

هل يعاد تقييم المطور دوريا؟، وهل تدخل المستحقات والأقساط المتأخرة في تقييم ملاءته؟، وهل تقاس نسب الإنجاز الفعلية؟، وهل يؤخذ في الاعتبار التأخير في المشروعات القائمة، وإعادة جدولة الالتزامات؟، وهل يمكن لمطور لديه مشكلة تنفيذية أو مالية في مشروع سابق أن يحصل على أرض جديدة بنفس المزايا؟.

هذه الأسئلة تكتسب أهميتها من وقائع قائمة بالفعل، فقد عاد ملف شركة إنرشيا إلى الواجهة بعد ما أعلن عن سحب أرض مشروع جيفيرا في الساحل الشمالي بسبب التأخر في تنفيذ المشروع، وفقا لما نشرته تقارير صحفية، كما ارتبط اسم الشركة بشكاوى تتعلق بمشروع بريكس على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي.

والملف لم يعد مجرد شكاوى متداولة، فقد وصل إلى البرلمان، حيث تقدم النائب أحمد ناصر عيد، بطلب إحاطة إلى وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية بشأن مشروع بريكس، مطالبا بالكشف عن الموقف القانوني والتنفيذي للمشروع وأسباب عدم استكمال المرافق وموقف شهادة صلاحية الإشغال، وما إذا كانت هناك اشتراطات أو موافقات لم يستوفها المطور تحول دون توصيل الكهرباء والمياه والصرف الصحي والغاز الطبيعي.

وهنا تكمن أهمية طلب الإحاطة لأنه لا يصدر حكما مسبقا على المسؤولية، وإنما يطالب بتحديدها بدقة، هل المشكلة في التزامات لم يستوفها المطور؟ أم في إجراءات وأعمال تقع على عاتق الجهات الحكومية وشركات المرافق، وهذا هو السؤال الذي يجب أن تجيب عنه الجهات المختصة بالمستندات والأرقام.

لكن الواقعة تفتح ملفًا أكبر من مشروع واحد، وهو كيف تقيم هيئة المجتمعات المطور قبل منحه أرضا جديدة؟، وهل تنظر إلى محفظة مشروعاته والتزاماته ككل أم يتم التعامل مع كل مشروع بمعزل عن الأخر؟.

لدينا بالفعل قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2184 لسنة 2022 الذي وضع ضوابط لحماية أموال المشترين وربط الحماية المالية بمعدلات الإنجاز والبرنامج الزمني وألزم بتقارير دورية واحتياطي لمواجهة الاستردادات وربط استخدام الاموال بالمشروع ومعدلات تنفيذه.

فإذا كانت فلسفة الدولة تقوم على أن الأداء الفعلي هو معيار الرقابة فلماذا لا تكون الفلسفة نفسها جزءا واضحا من نظام VIP؟.

وزارة الإسكان تتحدث اليوم عن قانون جديد للمطورين العقاريين يقوم على التصنيف والملاءة والقدرة الفنية والالتزام بالتنفيذ والتعامل مع حالات التعثر، وهذه خطوة ضرورية لكن الاختبار الحقيقي هو أن تبدأ هذه القواعد من لحظة تخصيص أرض الدولة لا بعد أن تتراكم المشكلات.

ولهذا يجب أن يكون تصنيف VIP قابلا للمراجعة وليس شهادة دائمة، وأن تدخل نسب الإنجاز والمستحقات والتأخيرات وسجل الالتزام في إعادة تقييم المطور وأن تكون مساحة الأرض التي يحصل عليها متناسبة مع قدرته الفعلية على تطويرها.

ونحن نستعد لتقديم مشروع قانون للمطورين العقاريين ينطلق من هذه الفكرة تنظيم السوق لا يبدأ بعد بيع الوحدة، وإنما يبدأ من الأرض نفسها ومن اختيار المطور القادر على تنفيذ ما يتعهد به.

نحن لا نريد محاربة الاستثمار ولا استهداف المطورين الجادين بل نريد قواعد تحمي الاستثمار الجاد من السوق غير المنضبط وتحمي أموال المواطنين وتحافظ على أرض الدولة.

الـVIP يجب أن يكون ميزة مرتبطة بالأداء وليس حصانة من الرقابة.

ومن يحصل على أرض اكبر يجب أن يتحمل مسؤولية أكبر ويخضع لرقابة أكبر.

لأن أرض الدولة ليست جائزة لكبار المطورين والناس أولا وليس المصالح.

زر الذهاب إلى الأعلى