مقالات

صراع الممرات «٢-١٠»

هرمز.. عندما يصبح المضيق سلاحًا

في عالم صراع الممرات، ربما لا يوجد مكان يختصر معنى القوة الجيوسياسية أكثر من مضيق هرمز.

ممر مائي ضيق، قد يبدو على الخريطة مجرد نقطة بين الخليج وخليج عمان، لكنه في الحقيقة واحد من أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي، لأن جزءا هائلا من تجارة الطاقة يمر من خلاله يوميًا.

ولهذا فإن أهمية هرمز لا تتعلق فقط بالدول المطلة عليه، وإنما تمتد إلى كل دولة تعتمد على النفط والغاز، وإلى كل مصنع وسفينة وأسرة تتأثر بأسعار الطاقة.

وهنا تكمن خطورة الممرات، فالدولة التي تستطيع تهديد حركة الملاحة لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق فعليا حتى تحقق تأثيرها. يكفي أن تجعل المرور أكثر خطورة، أو أكثر تكلفة، حتى تبدأ شركات الشحن في إعادة حساباتها، وترتفع أسعار التأمين والنقل، وتبدأ الأسواق في التعامل مع احتمال نقص الإمدادات، وهكذا يتحول المضيق من مجرد حقيقة جغرافية إلى ورقة سياسية هامة.

تدرك إيران هذه المعادلة جيدًا، فالسيطرة الجغرافية على الساحل الشمالي لهرمز تمنحها قدرة على التأثير في أحد أهم طرق الطاقة في العالم، بينما تدرك الولايات المتحدة ودول الخليج أن ضمان حرية الملاحة في هذا الممر جزء أساسي من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي.

لكن المفارقة أن هرمز لا يحتاج إلى حرب شاملة حتى يصبح مشكلة عالمية، مجرد ارتفاع مستوى التوتر قد يكون كافيًا.

وهنا نفهم لماذا أصبحت الممرات البحرية جزءًا أساسيًا من الصراع الدولي، فالحرب الحديثة لا تستهدف دائما المدن والمطارات فقط، وإنما قد تستهدف قدرة العالم على الحركة.

إذا توقفت سفينة، تتأخر شحنة، وإذا تغير مسار مئات السفن، ترتفع التكلفة، وإذا ارتفعت تكلفة الطاقة، ترتفع معها تكلفة الصناعة والنقل والغذاء.

أي أن أزمة تبدأ في مضيق بعيد يمكن أن تصل في النهاية إلى المواطن في القاهرة أو برلين أو طوكيو، وهذا تحديدًا ما يجعل هرمز أخطر من مجرد مضيق، إنه نقطة اختناق عالمية.

لكن هرمز ليس وحده. ففي الجهة الأخرى من المنطقة يوجد باب المندب، الذي يتحكم في الطريق المؤدي إلى البحر الأحمر وقناة السويس.

وهنا تبدأ الصورة المصرية في الظهور بوضوح.

فإذا كان هرمز مفتاح الطاقة، فإن باب المندب هو أحد مفاتيح التجارة، وقناة السويس هي الحلقة التي تربط هذا الطريق بالأسواق الأوروبية.

ولهذا فإن ما يحدث في هرمز لا يمكن فصله تماما عما يحدث في باب المندب والبحر الأحمر، ولا عن المنافسة الأوسع على الممرات العالمية.

السؤال إذن ليس فقط: هل يمكن إغلاق هرمز؟، والسؤال الأخطر هو: ماذا يحدث للعالم إذا أصبح المرور فيه غير آمن؟.

الإجابة قد تكون بداية أزمة تتجاوز حدود الخليج نفسه، وتكشف إلى أي مدى أصبحت الممرات البحرية جزءا من معادلة القوة في القرن الحادي والعشرين.

وفي المقالة القادمة من «صراع الممرات» ننتقل إلى باب المندب، لنكتشف كيف يمكن لممر مائي واحد أن يضع قناة السويس والتجارة بين آسيا وأوروبا في قلب الصراع العالمي.

زر الذهاب إلى الأعلى