صراع الممرات «٤-١٠».. قناة السويس.. عندما تصبح الجغرافيا قوة
في الحلقات السابقة تحدثنا عن هرمز وباب المندب، لكن عند النظر إلى الخريطة كاملة سنجد أن هناك ممرًا لا يمكن تجاهله في حديثنا عن أهم الممرات الملاحية في العالم وهو قناة السويس.
فالقناة ليست مجرد مجرى مائي يختصر الطريق بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، وإنما واحدة من أهم نقاط الاتصال في الاقتصاد العالمي. سفن تحمل النفط والغاز والسلع والحاويات تعبر من خلالها بين آسيا وأوروبا، وكل يوم تمر فيه السفن بأمان يعني استمرار سريان جزء هام من حركة التجارة العالمية.
ولهذا فإن قناة السويس بالنسبة لمصر ليست مجرد مصدر للإيرادات؛ بل هي أصل استراتيجي تظهر أهميته الحقيقية عندما تتعرض حركة الملاحة للخطر.
وبقراءة متأنية لما حدث في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة نكتشف بوضوح أن أمن قناة السويس لا يبدأ عند حدود القناة نفسها. فاضطراب الملاحة في باب المندب دفع عددًا من شركات الشحن إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليفها، مما فاقم من أزمة التضخم العالمي من ناحية، وفي الوقت نفسه انعكس ذلك بالسلب على إيرادات قناة السويس.

وهنا تظهر المفارقة، حيث يؤثر ممر يقع على بعد آلاف الكيلومترات من قناة السويس على الاقتصاد المصري، وهذا هو أحد أوجه معاني مصطلح «صراع الممرات».
وبالعودة لقناة السويس، نجد أن التحدي الأكبر بالنسبة لمصر – في تقديرنا – لا يجب أن يكون فقط كيف نحافظ على حركة السفن في القناة، وإنما كيف نستفيد من موقعها حتى لو تغيرت طرق التجارة العالمية، فالعالم يتغير بسرعة، وهناك مسارات بديلة مثل الممر القطبي الذي تابعنا سفن تداول حاويات صينية تجتازه مؤخرا وصولا لأوروبا في مسار كان مستحيلاً منذ قرون، هذا بالإضافة للممرات البرية الجديدة التي تتنافس على تقديمها عدة دول محورية في آسيا والشرق الأوسط، في محاولات تتلاقى مع رغبات عدة دول كبرى لتقليل اعتمادها على بعض طرق التجارة التقليدية لأسباب سياسية واقتصادية متنوعة.
وهذا يعني أن قناة السويس، رغم أهميتها، لن تستطيع أن تعتمد إلى الأبد على كونها الطريق الأقصر فقط، بل إن القوة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الممر إلى منظومة اقتصادية متكاملة تشمل موانئ قوية، ومناطق صناعية، وخدمات لوجستية، وتموين وصيانة للسفن، ومراكز تخزين وتوزيع، وطاقة، وربط حقيقي بين حركة التجارة والصناعة المصرية.
عندها لا تصبح السفينة التي تعبر قناة السويس مجرد سفينة تدفع رسوم عبور، وإنما فرصة لخلق سلسلة قيمة مضافة تعظم مدخلات الاقتصاد المصري.
وهنا تحديدًا يجب أن ننظر إلى قناة السويس باعتبارها جزءًا من مشروع أكبر، وهو أن تصبح مصر مركزًا إقليميًا للتجارة والخدمات اللوجستية والصناعة.
فالجغرافيا منحتنا الميزة، لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع القوة، بل تصنعها الدولة التي تعرف كيف تحول موقعها إلى نفوذ دولي، والنفوذ إلى استثمار، والاستثمار إلى اقتصاد منتج.
وفي عالم «صراع الممرات»، ستظل قناة السويس واحدة من أهم أوراق مصر الجيوسياسية، لكن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع العالم الاستغناء عن قناة السويس؟، بل السؤال الأهم هو: هل تستطيع مصر أن تجعل العالم لا يستطيع الاستغناء عنها؟وهذا هو التحدي الحقيقي.





