الرئيسيةالعدلملفات

حقوقيون وسياسيون: مصلحة الطفل والتوازن بين حقوق جميع الأطراف أساس أي قانون ينظم الأحوال الشخصية

في دائرة المستديرة عقدت في حزب العدل بمشاركة مختلف الاتجاهات لمناقشة إشكاليات الزواج والطلاق والنفقة

فتح حزب العدل نقاشا مجتمعيا حول تحديات إصدار قانون جديد للأحوال الشخصية، خلال مائدة مستديرة  عقدت اليوم الثلاثاء في مقر الحزب، شارك فيها نواب وحقوقيين وسياسيين، لمناقشة أبرز الإشكاليات المرتبطة بالزواج والطلاق والحضانة والنفقة، وسبل ضمان المصلحة الفضلى للطفل وتحقيق التوازن بين حقوق أطراف الأسرة.
وشدد المشاركون في المائدة التي جاءت تحت عنوان قانون الأحوال الشخصية “تحديات الإصدار”، على أهمية توسيع دائرة الحوار حول مشروعات القوانين المطروحة، وعدم الاكتفاء بمعالجة الخلافات بين الزوجين، مع الاهتمام بآليات تنفيذ الأحكام القضائية، وتوفير الدعم المالي للأسر، وتبسيط الإجراءات التي تواجه المواطنين في قضايا الأحوال الشخصية.

الحوار يضمن الوصول إلى صياغة تشريعية متوازنة
أكد عبد الناصر قنديل، مدير بيت الخبرة البرلمانية بحزب العدل، أن جميع المشروعات التشريعية قابلة للتعديل والتطوير، مشددا على أن المرحلة الحالية تتطلب مزيدا من المشاركة المجتمعية والعمل المشترك وتبادل الرؤى للوصول إلى أفضل الصيغ القانونية الممكنة.
وأوضح قنديل أن الحوار حول قانون الأحوال الشخصية قد يكشف عن مقترحات ومواد تشريعية أكثر ملاءمة من تلك الواردة في المشروعات المطروحة، مؤكدا استعداد الحزب لتأييد أي صياغات تحقق المصلحة العامة، وكذلك دعوة الأطراف المختلفة إلى دعم المقترحات التي يراها أكثر كفاءة وعدالة.

وشدد على أن مشروع القانون المقدم من الحكومة ليس بالضرورة الأفضل أو الأكثر كفاءة، ولا ينبغي اعتباره تلقائيا الأساس الوحيد للنقاش، مؤكدا أهمية تقييم جميع الطروحات والاستفادة من الأفكار المختلفة عند مناقشة التشريع.

قانون مشاركة الأب والأم في تربية الأبناء

وأكدت النائبة فاطمة عادل أن ملف الدعم والحماية الاجتماعية يأتي في مقدمة القضايا التي توليها اهتماما منذ ما قبل دخولها البرلمان، مشيرة إلى أهمية التنسيق بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني لتوحيد الجهود وتعزيز حماية الطفل والأسرة المصرية. وأوضحت أن الحكومة تقدمت، قبل نحو ثلاثة أسابيع، بمشروع قانون جديد للأحوال الشخصية يتضمن إنشاء صندوق لدعم التكافل، معربة عن توقعها طرح المشروع للمناقشة البرلمانية قريبا، ومشددة على ضرورة إجراء حوار مجتمعي جاد حول مواده ونقاط الخلاف المتعلقة به.

وأشارت عادل إلى أنها سبق أن تقدمت بمشروع قانون متكامل ومستقل للأحوال الشخصية، يتناول مختلف مراحل العلاقة الأسرية، بدءا من الزواج، مرورا بالطلاق والحضانة والخلع، وصولا إلى تنظيم مسائل النفقة.
وأكدت أن الهدف الأساسي من التشريع يجب أن يتمثل في ضمان وجود الأب والأم في حياة أبنائهما بصورة متوازنة، بعيدا عن الخلافات الشخصية التي قد يدفع الأطفال ثمنها، مشددة على أن مشروعات القوانين لا تستهدف انتصار طرف على الآخر، وإنما ترسيخ المسؤولية المشتركة عن التربية والرعاية. وأضافت أن تحقيق الاستقرار الأسري يتطلب مواجهة المفاهيم المجتمعية التي تحمل أحد الوالدين وحده مسؤولية تربية الأبناء، مع مواصلة العمل التشريعي والرقابي لضمان بيئة أسرية أكثر عدالة واستقرارا.

الاستقرار الأسري ركيزة لاستقرار المجتمع
وأكد عبد الغني الحايس، نائب رئيس حزب العدل، أن التشريعات المنظمة للأحوال الشخصية تمثل أهمية بالغة للأسرة المصرية، لما لها من تأثير مباشر على استقرار المجتمع وحماية حقوق أفراده.
وأوضح أن إصدار قانون متوازن يتطلب مشاركة مجتمعية واسعة والاستماع إلى آراء مختلف الفئات المعنية، بما يضمن أن تعكس النصوص التشريعية احتياجات المواطنين ومشكلاتهم الفعلية.
وأشار الحايس إلى أن حزب العدل عقد جلسات استماع مكثفة مع الأطراف المعنية بقضايا الأحوال الشخصية، في ضوء تعدد المشكلات واختلاف طبيعتها وتداخل مصالح أطرافها، الأمر الذي يستلزم تضافر الجهود للوصول إلى حلول قانونية متوازنة.
وشدد نائب رئيس حزب العدل على أهمية الحوار والتوافق بين القوى السياسية والشركاء المعنيين، بهدف صياغة تشريعات مرنة تعالج المشكلات القائمة وتسهم في الحفاظ على استقرار الأسرة والمجتمع.

نقاش الأحوال الشخصية لا يجب أن يقتصر على الطلاق فقط
أكدت الحقوقية عزة سليمان أن تعديلات قانون الأحوال الشخصية تمثل قضية محورية بالنسبة للأسرة المصرية، مشيرة إلى أن النقاش العام حول القانون يركز في كثير من الأحيان على الطلاق، بينما توجد ملفات أخرى لا تقل أهمية، وتتعلق بحقوق الوالدين والأطفال وآليات تطبيق الأحكام القضائية.
وأوضحت سليمان أن بعض النزاعات الأسرية تكشف عن صعوبات تواجه النساء في الحصول على حقوقهن، فضلا عن حالات تتعرض فيها أمهات لفقدان الحضانة أو الحرمان من أطفالهن في سياقات مرتبطة بالنزاعات القضائية، وهو ما يستدعي مراجعة الضمانات القانونية والإجرائية المنظمة لهذه المسائل.

وأضافت سليمان أن خبرات العمل الحقوقي الممتدة لأكثر من 20 عاما في قضايا الأسرة والأحوال الشخصية تؤكد أهمية الاستفادة من الواقع العملي والتطبيقات القضائية، إلى جانب آراء المتخصصين في علم النفس والاجتماع والقضاة ورجال الدين، عند صياغة أي تعديلات تشريعية.
وشددت سليمان على ضرورة أن تنطلق فلسفة التشريع من الالتزامات الدستورية والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها الدولة، بما يضمن حماية حقوق أطراف العلاقة الأسرية، وتجنب الصياغات التي قد تؤدي إلى الإضرار بأحدهم لصالح الآخر.
وأكدت أن مفهوم المصلحة الفضلى للطفل يجب ألا يستخدم على نحو يؤدي إلى الإضرار بالأم أو الأب، أو إلى حرمان الطفل من أحد والديه، داعية إلى وضع آليات واضحة تحمي الأطفال من تداعيات النزاعات الأسرية وتضمن استمرار علاقتهم بكلا الوالدين، ما لم توجد أسباب قانونية تستدعي خلاف ذلك.

وشددت على ضرورة تحقيق التوازن في المراكز القانونية للأب والأم، انطلاقا من مسؤوليتهما المشتركة عن الأطفال الذين قررا إنجابهم، مؤكدة أن مسؤولية التربية والرعاية لا ينبغي أن تلقى على عاتق طرف واحد.
كما دعت إلى تعزيز مسؤولية الدولة في توفير التمويل اللازم لضمان تنفيذ أحكام النفقة وحماية الأسر المتضررة، سواء من خلال إنشاء صندوق لدعم الأسرة أو تفعيل آليات مالية ومصرفية ملزمة، بما يضمن حصول المستحقين على حقوقهم وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الأسري.

تحديات لتنفيذ أحكام  القانون

وسلط المحامي الحقوقي عبد الفتاح يحيى الضوء على التحديات المرتبطة بتنفيذ أحكام الأحوال الشخصية، منتقدا ما وصفه بالفجوة بين مستويات الدعم المالي والاحتياجات المعيشية الفعلية للأسر.

وأشار يحيى إلى أن قيمة المعاش الذي استشهد به في مداخلته، والبالغة نحو 5 آلاف جنيه، لا تكفي لتغطية احتياجات أسرة مكونة من ستة أو سبعة أفراد، متسائلا عن مدى قدرة هذه المبالغ على توفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، في ظل ارتفاع الأعباء الاقتصادية.
وانتقد المحامي الحقوقي تعقيدات إجراءات صرف النفقات وتنظيم الرؤية والولاية على شؤون الأطفال، موضحا أن بعض هذه الإجراءات قد تدفع أحد الأطراف إلى التنازل عن حقوقه نتيجة صعوبة الحصول عليها أو طول المسار التنفيذي.
وأكد أن معالجة أزمة الأحوال الشخصية لا ينبغي أن تقتصر على صياغة نصوص قانونية جديدة، وإنما يجب أن تمتد إلى تطوير آليات التنفيذ وضمان وصول الحقوق إلى مستحقيها بصورة فعالة.

وأوضح يحيى أن تنفيذ الأحكام المرتبطة بالأسرة قد يتطلب التعامل مع جهات حكومية متعددة، تشمل وزارات المالية والتربية والتعليم والصحة وغيرها، وهو ما يضع المواطن أمام إجراءات متشعبة قد تمتد إلى 10 أو 15 جهة حكومية لتنفيذ حكم واحد.
ودعا إلى إنشاء جهة تنفيذية موحدة تتولى تنسيق الإجراءات المتعلقة بقضايا الأسرة، بما يقلل الأعباء الإدارية ويسرع تنفيذ الأحكام القضائية. كما طالب بتجميع المنازعات المرتبطة بالأسرة في ملف واحد أمام قاضٍ واحد، بحيث تشمل مختلف المسائل المتصلة بالنزاع، مثل النفقات والمصروفات التعليمية وإثبات النسب، بما يساعد على تكوين صورة متكاملة عن أوضاع الأسرة وإصدار أحكام أكثر اتساقا وفاعلية.

وشدد على أهمية تفعيل مبدأ تجميع منازعات الأسرة، الذي يستهدفه تنظيم محاكم الأسرة، لتقليل تعدد القضايا والإجراءات، وتحقيق العدالة الناجزة، وضمان عدم تحول تعقيدات التقاضي والتنفيذ إلى عائق أمام حصول الأطفال وأفراد الأسرة على حقوقهم.

 تكامل أدوار المؤسسات الدينية والإعلام والمدارس لنشر الوعي الأسري

أكد النائب مجدي مرشد أن مجلس النواب يعبر عن الشعب وتطلعاته، مشددا على أن أعضاء المجلس يتمتعون بالحرية الكاملة في التعبير عن آرائهم والدفاع عنها، في إطار ممارسة دورهم التشريعي والرقابي.
وأوضح مرشد أن العلاقة بين البرلمان والحكومة تقوم على التعاون البناء بما يحقق مصالح المواطنين ويحافظ على مصالح الدولة المصرية، مؤكدا أهمية دراسة الظواهر المجتمعية المرتبطة بالأسرة المصرية، وفي مقدمتها معدلات الطلاق وتراجع معدلات الزواج، للوقوف على أسبابها وأبعادها، والعمل على وضع حلول تشريعية مناسبة لمعالجتها.

وأشار إلى أهمية تكامل أدوار المؤسسات الدينية والإعلام والمدارس في نشر الوعي الأسري، وتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة، بما يسهم في الحفاظ على استقرار الأسرة المصرية. وأكد مرشد تضامنه مع سن الحضانة الوارد في مشروع قانون الأحوال الشخصية المقدم من حزب العدل.

 الرعاية المشتركة والمسؤولية المتبادلة في العلاقات الأسرية

وأكدت الحقوقية الدكتورة نيفين عبيد أن قضية الأهلية الكاملة للنساء تمثل أحد أبرز التحديات المطروحة في ملف حقوق المرأة، مشيرة إلى ارتباطها بحقوق النساء الشخصية وعلاقتهن بالدولة في إطار المواطنة والمساواة القانونية. وأوضحت أن تحقيق الأهلية الكاملة للنساء يتطلب إعادة النظر في توزيع الأدوار داخل الأسرة، وتجاوز الأنماط التقليدية التي تحصر مسؤولية المرأة في نطاق الأسرة، دون الاعتراف الكافي بتكامل الأدوار والمسؤوليات بين الرجل والمرأة.

وشددت على ضرورة أن يستند أي قانون جديد للأحوال الشخصية إلى مفهوم الرعاية المشتركة والمسؤولية المتبادلة، بما ينعكس على مختلف الجوانب القانونية المنظمة للعلاقة الأسرية، بدءا من الزواج، مرورا بالطلاق، وصولا إلى الولاية والوصاية، مؤكدة أن قضايا الأهلية والولاية المشتركة تتجاوز الخلافات المرتبطة بالطلاق والخلع، لتشمل مختلف تفاصيل الحياة الأسرية والاجتماعية. وفيما يتعلق بحقوق الطفل، أكدت أهمية تبني رؤية تشريعية متكاملة تراعي احتياجات الأطفال وتوفر لهم البيئة المناسبة للنمو السليم، مع ضمان حقوق جميع أفراد الأسرة وتحقيق التوازن بين مسؤوليات الوالدين، بما يسهم في تعزيز العدالة والاستقرار داخل الأسرة المصرية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى