
عقب أدائها صلاة الظهر كما هي العادة كل يوم، جلست شيماء طلعت الزوجة الأربعينية على الأريكة في غرفة المعيشة، وشرعت في تجهيز الخضروات لوجبة الغداء، لاسيما مع اقتراب حضور زوجها من العمل وأولادها من المدرسة.
ولدفع الملل، التقتت شيماء “روموت” التلفزيون، لتستمع لأي من برامج الطهي لتساعدها في تحضير وجبة غداء شهية ورخيصة في آن واحد، إلا أنها وفي ظل البحث بين القنوات، وجدت إحدى القنوات تُذيع خبرًا عن تصدير مصر لـ 300 طن من الدواجن لقطر، بخلاف تحقيق مصر لفائض 30%من الدواجن وانخفاض الأسعار.

200 مليار جنيه استثمارات في قطاع الدواجن
الأخبار بثت الطمنئية والتفائل في نفس شيماء، ودفعتها للذهاب إلى محل الدواجن في السوق القريب من منزلها، أملًا في مفاجأة الزوج والأبناء بوجبة “مكرونة وفراج بانية”، “معشوقة العائلة”-” كما تقول شيماء، إلا أن الواقع كان صادمًا فسعر البانية ارتفع لـ 230 جنيه بعد أن كان 210 جنيه مطلع الأسبوع الجاري، وهنا تسائلت شيماء بلهجة بسيطة:”أسعار إيه اللي نزلت؟”
حال شيماء يمثل واقع مرير تعيشه ملايين الأسر المصرية، التي كانت سابقًا تلجأ للدواجن باعتبارها من أكلات البروتين الرخيصة نسبيًا ومتعددة الأنواع ما بين “بانيه وشيش ودواجن كاملة وأوراك وأجنحة..إلخ”، بينما الواقع وارتفاع الأسعار جعل تناولها وشرائها صعب كما هو حال الأيام الصعبة التي نعيشها حاليًا.
وفيما يخص الأرقام، كشف تقرير صادر عن وزارة الزراعة، عن أن صناعة الدواجن وبيض المائدة تُعد قاطرة اقتصادية بامتياز، ويبلغ حجم الاستثمار فيها 200 مليار جنيه، وتستوعب الصناعة 3.6 مليون عامل، ما يجعلها مصدرًا رئيسيًا للرزق ومحرك قوي للتوظيف.

إنتاج 1.6 مليار دجاجة سنويًا
كما كشف التقرير، عن أن مصر تتميز بقدرة إنتاجية ضخمة في هذا المجال، حيث ينتج القطاع سنويًا قرابة الـ 1.6 مليار دجاجة، وهو ما يساهم في تغطية جزء كبير من الاستهلاك المحلي، وتُنتج الصناعة قرابة الـ 16 مليار بيضة مائدة سنويًا، وهذه الأرقام تؤكد الاكتفاء الذاتي النسبي وقدرة الصناعة على تلبية الطلب المتزايد للمواطنين.
وعند الحديث عن وجود أكتفاء ذاتي من أي منتج، تكون الخطوة التالية هي تصدير الفائض، وهو ما أكده محمود العناني، رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن، لافتًا إلى أن قطاع الدواجن يشهد خلال العام الجاري فائضًا في الإنتاج يتجاوز احتياجات السوق المحلي، وهو ما دفع الاتحاد للتحرك لتصريف الفائض لضبط السوق وتحسن الأسعار وعدم انهيارها.

تصدير 300 طن إلى قطر
وأوضح العناني، نجاح الجهود في فتح السوق القطري أمام الدواجن المصرية، حيث تحركت بالفعل أول شحنة تصديرية بواقع 10 حاويات، موضحًا أن سعة كل حاوية تصل إلى 30 طنًا، بما يعكس حجم الشحنة وأهميتها كبداية فعلية لعودة الصادرات المصرية إلى السوق القطري، بعد الانتهاء من تنسيق واعتماد كل المستندات المطلوبة بين الجانبين.
رئيس اتحاد منتجي الدواجن، أَضاف أن فتح السوق القطري يتيح الفرصة أمام أي منتج مصري يمتلك تعاقدات تصديرية للتوسع في هذا السوق، منوهًا بأنه عُرض توريد البيض إلى الجانب القطري، مؤكدًا أن المفاوضات لا تزال جارية في هذا الشأن، في إطار خطة متكاملة لزيادة الصادرات وتنويع المنتجات الداجنة المصرية في الأسواق الخارجية.
وفي السياق ذاته، قال سامح السيد، رئيس شعبة الدواجن بالغرفة التجارية بالجيزة، إن تصدير الدواجن لن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في السوق المحلية، بل سيسهم في تحقيق الاستقرار، موضحًا أن عائدات التصدير ستوفر العملة الصعبة اللازمة لدعم وزيادة الإنتاج.

المشكلة في الحلقات الوسيطة بين المزرعة والمستهلك
مصر تمتلك حاليًا فائضًا في إنتاج الدواجن يُقدّر بنحو 30%، وفقًا لتقديرات سامح عيدالعزيز، وهو ما يسمح بالتوسع في التصدير دون التأثير على تلبية احتياجات السوق المحلي، منوهًا بأن هذه الخطوة ستساعد في استيراد المزيد من الكتاكيت ومستلزمات الإنتاج، خاصة الأعلاف مثل الذرة الصفراء وفول الصويا، بما ينعكس على زيادة المعروض خلال الفترة المقبلة.
وأشار إلى أن قطاع الدواجن يستهدف رفع معدلات الإنتاج لتصل إلى نحو 5 ملايين دجاجة يوميًا بنهاية يونيو، مقارنة بحوالي 4 ملايين دجاجة في السابق، في إطار خطة لتلبية الطلب المحلي وتعزيز فرص التصدير.
الأخبار والأرقام الإيجابية عن الفائض والتصدير، تشير إلى أمر طبيعي، وهو انخفاض الأسعار، لكن الواقع مختلف تمامًا، ليُطرح تساؤل:” لماذا لم تنخفض أسعار الدواجن؟”، ويجيب الدكتور عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن بالغرفة التجارية، عن أن المشكلة الرئيسية التي تجعل المواطنين لا يشعرون بانخفاض سعر الدواجن، تكمن في الحلقات الوسيطة بين المزرعة والمستهلك.

المواطن لا يشعر بأي انخفاض في الأسعار
المواطن لا يشعر بأي انخفاض في الأسعار، حسب رأي السيد، لأن تجار الجملة والتجزئة يحققون أرباحًا كبيرة على حساب المُنتج الذي يخسر والمستهلك الذي يدفع الثمن، محذرًا من أن استمرار هذه الأوضاع سيؤدي إلى خروج عدد كبير من صغار المنتجين من المنظومة، مما سيؤدي حتمًا إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.
ودعا السيد إلى ضرورة وضع حلول تنفيذية على أرض الواقع للتحكم في الحلقات الوسيطة وضمان هامش ربح بسيط ومستدام للمنتج، وبما يُحقق راحة للمواطن، بخلاف عدم الفرحة بالتصدير، مؤكدًا على أن التصدير يكون وفقًا لخطة استراتيجة لدعم المنتجين، لاسيما الصغار منهم.
وشدد على أهمية تنمية هذه الصناعة الاستراتيجية من خلال تكاتف جميع الجهات المعنية من القطاعين العام والخاص، بما يدعم رؤية الدولة 2030 في تطوير قطاع الدواجن وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني.

تطبيق نموذج “تونس”
كما توجد نقطة جوهرية في استمرار ارتفاع أسعار الدواجن رغم الفائض، وفقًا لرئيس شعبة الدواجن، وتتمثل في أن صناعة الدواجن تعتمد على استيراد الأعلاف لتربية الدواجن، ما يجعل انخفاض الأسعار لما كانت عليه قبل سنوات أمر صعب.
ويطرح السيد خطة، يطالب بتنفيذها بالتنسيق فيما بين الحكومة وكبار المنتجين للدواجن”الحيتان الكبار”على حد وصفه، من خلال طرح أراضي “مجانية” للشركات الكبرى التي لدليها استثمارات بالمليارات، لزرع الذرة والصويا وتقليص الاستيراد.
وتابع، بأن كل شركة تحصل على 100 ألف فدان، وتصتصلحهم وتزرعهم لاننا نستورد 80% من الذرة و95% من الصويا، وفي خلال سنتين إلى 3 سنوات سيزداد الانتاج وينخفض استيراد الذرة لـ 30% والصويا لـ 40%، مستشهدًا بتونس والتي تُنفذ هذا المخطط مع الشركات الكبرى، مشددًا على أن تطبيق مثل هذا المخطط سينعكس على انخفاض أسعار الدواجن وتصدير فائض كبير وتحقيق عملة صعبة بالمليارات من تصدير الدواجن، بخلاف استقرار السوق المحلي.





