تحركات “تيجراي” تعيد رسم المشهد السياسي في إثيوبيا وتهدد مصير الانتخابات

تشير معطيات سياسية وردت فى بيان منسوب إلي جبهة تحرير شعب تيجراي، والتي أعلنت فيها استعادتها السيطرة على الإقليم من يد الحكومة أديس أبابا، إلى استمرار حالة من التوتر السياسي والأمني في إثيوبيا، فى سياق علاقة متوترة بين الجبهة والحكومة الاثيوبية رغم مرور سنوات علي اتفاقية “بريتوريا” لوقف إطلاق النار. كما أن هذه التطورات تنعكس سلبيا على أجواء الانتخابات المقرر أن تجرى في إثيوبيا في شهر يوليو المقبل، وسط رفض عدة إقاليم المشاركة فيها وليس التجراي فقط.

وبحسب ما ورد في البيان، فإن المشهد السياسى فى البلاد لا يزال يعاني من عدم استقرار مؤسسي، مع استمرار انعكاساته على الأوضاع الإدارية والمعيشية في إقليم تيجراي،  وتوترات داخلية في أقاليم أمهرة وأورومو، وتعقيدات مرتبطة بالعملية الانتخابية، إلى جانب امتدادات إقليمية تتقاطع مع حرب السودان، وهو ما يعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا فى القرن الأفريقي خلال العقد الأخير.

ننشر نص البيان باللغة الأمهرية

تيجراي من الحرب إلى السلام غير مستقر

تركز التصريحات الجديدة علي إقليم تيجراي، باعتباره نقطة البداية في الأزمة الكبرى التي شهدتها إثيوبيا منذ اندلاع الحرب عام 2020 بين الحكومة الفيدرالية والجبهة.

ورغم التواصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار المعروف بـ”اتفاقية بريتوريا للسلام في تيجراي”، إلا أن الجبهة تشير إلى أن هذا الاتفاق لم يترجم إلى استقرار دائم، بل إلى مرحلة هدوء نسبي هش.

وتتمثل أبرز التحديات، وفقًا للقراءات السياسية المصاحبة، في “بطء تنفيذ ترتيبات نزع السلاح وإعادة الدمج، تعثر إعادة الإعمار في الإقليم، استمرار الخلافات حول الصلاحيات الإدارية والأمنية، غياب الثقة السياسية بين الطرفين”، هذه العوامل جعلت من اتفاق بريتوريا نقطة إنهاء للحرب المفتوحة، لكنه لم يتحول إلى تسوية سياسية نهائية.

ومن جانبه الفريق تاديس ووريدي، رئيس إدارة تيجراي المؤقتة، علي قرار اللجنة المركزية لجبهة تحرير شعب تيغراي،  بإعادة تأسيس المجلس الإقليمي قبل الحرب ينتهك اتفاقية السلام في بريتوريا ويعرض جهود الاستقرار المستمرة فى المنطقة.

وقال وريدي، خلال بيان صادر من مكتب شؤون الاتصالات في تيجراي، إن الخطوة لاستعادة هيكل الحكم قبل الحرب تلغي فعليا اتفاقية بريتوريا، مضيفًا بأن تداعيات إعادة المجلس “يجب أن تقيم بعناية من حيث العواقب الإيجابية والسلبية على حد سواء”.

أمهرة وأورومو ..اتساع دائرة التوتر الداخلى

لم تعد الأزمة محصورة في تيجراي، إذ إقليما أمهرة وأورومو كمناطق توتر رئيسية في السنوات الأخيرة.

في إقليم أمهرة، تصاعدت الاشتباكات بين القوات الفيدرالية ومجموعات مسلحة محلية، أبرزها “فانو”، على خلفية خلافات تتعلق بإعادة هيكلة القوات الأمنية وتوزيع النفوذ السياسي، ما أدى إلى توترات متكررة تهدد الاستقرار المحلي.

أما في إقليم أورومو، فتستمر حالة من عدم الاستقرار في بعض المناطق، نتيجة الصراع بين الحكومة وبعض الجماعات المسلحة، إضافة إلى اتهامات متبادلة بشأن الانتهاكات الأمنية وعمليات الاعتقال، ما يعكس عمق الأزمة السياسية والاجتماعية في أكبر أقاليم البلاد.

هذا التوسع في بؤر التوتر يعكس تحول الأزمة الإثيوبية من صراع إقليمي محدود إلى أزمة وطنية متعددة الجبهات.

الانتخابات وإشكالية الشرعية السياسية

تمثل الانتخابات في إثيوبيا عنصرًا محوريًا لكنه مثير للجدل، فحتي الآن لم تنجح  في معالجة الانقسامات البنيوية داخل الدولة.

فرغم إجراء الانتخابات العامة في السنوات الأخيرة، إلا أن العملية الانتخابية واجهت عدة تحديات، من أبرزها: “عدم إجراء الانتخابات في بعض المناطق المتأثرة بالنزاعات، وغياب مشاركة سياسية شاملة لبعض القوى، واستمرار الانقسامات بين المركز والأقاليم، ضعف الثقة في المؤسسات الانتخابية لدى بعض الأطراف”.

هذه التحديات جعلت من الانتخابات أداة لإدارة الأزمة أكثر من كونها وسيلة لحسمها، إذ لم تؤدى إلى توافق سياسي شامل يرسخ الاستقرار.

البعد الإقليمي.. السودان في خلفية المشهد

في موازاة الأزمة الداخلية، تتقاطع التطورات الإثيوبية مع الحرب المستمرة في السودان منذ 2023، ما أضاف بعدًا إقليميًا جديدًا للمشهد. وقد ظهرت خلال الفترة الماضية اتهامات إعلامية وسياسية، بشأن وجود دعم غير مباشر من أطراف إثيوبية لبعض القوى المسلحة السودانية، خصوصًا قوات الدعم السريع.

ورغم ذلك، لم يتم تقديم أدلة دولية حاسمة تؤكد هذه الاتهامات، بينما تلتزم الحكومة الإثيوبية خطابًا رسميًا تنفي التدخل المباشر، مؤكدة تمسكها بسياسة عدم الانحياز ودعم الاستقرار الإقليمي.

خريطة الأزمة.. دولة متعددة الطبقات من الصراع

يمكن فهم المشهد الإثيوبي الحالي بوصفه “خريطة أزمة” تتداخل فيها مستوايات الصراع، بحيث لا يمكن فصل الداخل عن الخارج، ولا الحرب عن السياسة، ولا الإقليم عن الدولة.

وتتشكل هذه الخريطة من ثلاثة دوائرة مترابطة تعكس طبيعة الأزمة البنيوية التى تمر بها البلاد:

1- دائرة ما بعد الحرب: “لا تزال تداعيات حرب تيجراي التي اندلعت عام 2020 بين الحكومة الفيدرالية وحبهة تحرير شعب تيجراي، حاضرة بقوة فى المشهد السياسي والأمني، رغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار”بريتوريا للسلام”.

ورغم أن الاتفاق أوقف العمليات العسكرية الواسعة، إلا أن الأزمة لم تحسم سياسيًا بشكل كامل، إذ لا تزال ملفات جوهرية عالقة، من بينها إعادة الإعمار، وترتيبات الدمج العسكري، وإعادة توزيع الصلاحيات بين الإقليم والحكومة المركزية.

هذه المرحلة يمكن وصفها بأنها “ما بعد الحرب دون سلام مكتمل”، حيث تحولت المواجهة العسكرية إلى حالة توتر سياسي وأمني منخفض الشدة، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة في حال فشل التسويات الجارية.

2- دائرة الداخل المتشظي: “إلى جانب تيجراي، امتدت التوترات لتشمل أقاليم أخرى، أبرزها أمهرة وأورومو، ما يعكس تحول الأزمة من نزاع إقليمي إلي أزمة دولة. وفي إقليم أورومو، فلا تزال بعض المناطق تشهد اضطرابات أمنية مرتبطة بجماعات مسلحة ومطالب سياسية متشابكة، ما يعكس استمرار التوتر بين المركز والأطراف.

أما في إقليم أمهرة، تصاعدت المواجهات بين القوات الفيدرالية ومجموعات مسلحة محلية، في ظل خلافات حول إعادة هيكلة القوات الأمنية وتوزيع السلطة، وهو ما يعكس صراعًا أعمق حول طبيعة الدولة الفيدرالية نفسها.

هذا التشظي الداخلي يشير إلى أزمة بنيوية في النموذج الفيدرالي الإثيوبي، حيث تتداخل الهويات الإثنية مع الصراع على السلطة والموارد، ما يجعل الاستقرار هشًا وقابلًا للتغير.

3- دائرة الإقليم: “يتقاطع الدور الإثيوبي مع أزمات إقليمية مثل الحرب في السودان، ما يزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي”.

قراءة في مستقبل الأزمة

تشير التصريحات المنسوبة لقيادات تيجراي، إلي أن الأزمة في إثيوبيا لم تعد أزمة أمنية فقط، بل أصبحت أزمة بنيوية تتعلق بشكل الدولة وطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم.

كما أن التحدي الأكبر يتمثل في قدرة الدولة الفيدرالية على إعادة بناء عقد سياسي جديد، يوازن بين التنوع الإثني والسياسي من جهة، ووحدة الدولة من جهة أخرى، دون اللجوء إلى الحلول العسكرية.