نهاد شعبان

من تخرج رمزي إلى “بيزنس” موسمي داخل المدارس
أولياء الأمور في حيرة بين فرحة الأبناء وضغوط التكاليف
تحولت حفلات التخرج لمرحلة رياض الأطفال “KG” في المدارس الخاصة واللغات والحضانات، خلال السنوات الأخيرة، من مجرد مناسبة رمزية بسيطة يحتفل فيها الأطفال بانتقالهم إلى مرحلة دراسية جديدة، إلى ظاهرة مثيرة للجدل تحمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية جديدة، فبينما يرى بعض أولياء الأمور أنها فرصة لإدخال البهجة على قلوب الصغار وصناعة ذكريات لا تُنسى، يراها آخرون “سبوبة” جديدة تستغل بها بعض المؤسسات التعليمية الأهالي، عبر فرض رسوم مبالغ فيها لا تتناسب مع طبيعة المرحلة العمرية أو الهدف التربوي من الحفل.

تحول ملحوظ
في الماضي، كانت حفلات التخرج في هذه المرحلة تُقام داخل فناء المدرسة، بديكورات بسيطة وأزياء موحدة، وغالبًا ما يشارك المعلمون في تنظيمها بشكل تطوعي، أما اليوم فقد أصبحت هذه الحفلات تُنظم بشكل مبالغ فيه وأحيانًا داخل قاعات أفراح أو فنادق فخمة، مع فرق تصوير احترافية، وملابس خاصة لكل طفل، واستعراضات مدروسة أشبه بالعروض المسرحية، وهذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل يعكس تغيرًا في ثقافة الاستهلاك لدى بعض المدارس وأولياء الأمور، حيث أصبح “الشكل” جزءًا أساسيًا من التجربة التعليمية.

تكلفة مرتفعة
وتتراوح تكلفة اشتراك الطفل في حفل التخرج الواحد بين مبالغ قد تبدو معقولة للبعض، لكنها تُشكل عبئًا حقيقيًا على أسر أخرى، خاصة مع وجود أكثر من بند للدفع، مثل رسوم الحفل، والزي الخاص، والتصوير، وأحيانًا “هدية التخرج” أو “الألبوم التذكاري”، وفي بعض الحالات، يتم إلزام أولياء الأمور بالدفع دون منحهم خيار الرفض، أو دون توضيح تفصيلي لبنود التكلفة، ما يزيد من حالة الاحتقان، حيث تقول إحدى أولياء الأمور لطفل في مرحلة الروضة:” اتفاجئت إن المدرسة طالبة مبلغ كبير جدًا لحفلة التخرج، غير اللبس والتصوير، حسيت إن الموضوع بقى تجارة مش مناسبة لطفل عنده 6 سنين”، مضيفة:” أنا مش ضد الفكرة، بالعكس ابني كان مبسوط، لكن ليه كل التكاليف دي؟ ليه لازم القاعة تكون فندق 5 نجوم؟ الموضوع مبالغ فيه جدًا”.

ضغط اجتماعي
في المقابل، تدافع بعض المدارس عن هذه الحفلات باعتبارها جزءًا من الأنشطة الترفيهية التي تُسهم في بناء شخصية الطفل وتعزيز ثقته بنفسه، وترى إدارات تعليمية أن أولياء الأمور أنفسهم يطلبون مستوى أعلى من التنظيم، ويقارنون بين المدارس، ما يدفعها لتقديم “منتج” أفضل للحفاظ على صورتها التنافسية في السوق التعليمي، لكن هذه التبريرات لا تقنع الجميع، حيث يرى البعض أن الطفل في هذه المرحلة العمرية لا يحتاج إلى هذا المستوى من “الاستعراض”، وأن البساطة قد تكون أكثر ملاءمة وصدقًا، كما أن ربط الفرح والاحتفال بالمظاهر المادية قد يرسخ لدى الأطفال قيمًا استهلاكية مبكرة، بدلا من التركيز على المعاني الحقيقية للإنجاز والتعلم، حيث أوضحت ولية أمر لطالبة في الروضة:” بنتي كانت كل اللي فارق معاها إنها تطلع على المسرح وتلبس روب التخرج، ماكنتش مهتمة بالقاعة ولا التصوير، إحنا اللي بنكبر الموضوع، مضيفة:” وطبعًا اضطريت أدفع علشان بنتي ما تحسش إنها مختلفة عن زمايلها، ودي مشكلة، بقى فيه ضغط نفسي على الأهالي”.

مظاهر مبالغ فيها
من جهة أخرى، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي موجة من الانتقادات والسخرية من “مبالغة” حفلات تخرج الكي جي، حيث نشر البعض صورًا ومقاطع فيديو تظهر الأطفال بملابس فاخرة وعروض ضخمة، مصحوبة بتعليقات تتساءل:” إذا كان ده تخرج كي جي، أمال الجامعة هتكون إيه؟”، وهذه التفاعلات تعكس حالة من الجدل المجتمعي حول الحدود الفاصلة بين الاحتفال المقبول والمبالغة غير المبررة، كما أنه لا يمكن إغفال دور شركات تنظيم الحفلات والتصوير، التي دخلت بقوة إلى هذا المجال، مقدمة “باقات” متكاملة للمدارس تشمل كل تفاصيل الحفل، من الديكور إلى الإخراج الفني، وهذا التوجه ساهم في رفع سقف التوقعات، لكنه في الوقت نفسه زاد من التكلفة النهائية التي يتحملها ولي الأمر، ما يطرح تساؤلات حول مدى أولوية هذه النفقات في العملية التعليمية، ورغم ذلك تظل حفلات التخرج لمرحلة الكي جي ساحة مفتوحة للنقاش بين من يراها ضرورة نفسية وترفيهية للأطفال، ومن يعتبرها عبئًا اقتصاديًا غير مبرر، وبين من يرى أن الهدف منها هو إسعاد الطفل فعلًا، ومن يراها مجرد مواكبة موجة من “الاستعراض الاجتماعي” ليس أكثر.








