الغرب يدرس المستقبل منذ عقود.. فلماذا نحتاج إلى علم المستقبليات الآن؟.. الدكتورة عواطف عبد الرحمن تُجيب

لم يعد الإعلام يصف الواقع فقط، بل أصبح أداة لصناعة المستقبل عبر التأثير في المعرفة والوعي واتجاهات الجمهور، وقياس التحولات المستقبلية واستشراف تأثيراتها على الأفراد، ومن هنا ظهر علم المستقبليات كأحد العلوم الحديثة التي تسعى إلى قراءة الاتجاهات والتغيرات وفهم تأثيراتها على الإنسان والمجتمع، انطلاقًا من الحاضر دون الانفصال عن دروس الماضي، في حالة من الربط بين الإعلام والمجتمع وعلاقته وتأثيراته على الأفراد.

وقد تم تطبيق علم المستقبليات من خلال ورش تابعة لوحدة الدراسات المستقبلية بكلية الإعلام بجامعة القاهرة منذ عام 2020 وحتى العام الحالي، وذلك على عينات من العاملين بالحقل الإعلامي الصحفي والمهني والأكاديمي، بهدف ترسيخ أهمية هذا العلم ودوره في تطوير الأداء الإعلامي وتعزيز القدرة على قراءة المستقبل ومواجهة التحديات المتسارعة التي تواجه المهنة.

يأتي ذلك بالتزامن مع قرب الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، والمطالبة بالمزيد من التطوير في آليات وصناعة الصحافة والإعلام في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى توظيف أدوات الاستشراف والتخطيط المستقبلي داخل المؤسسات الإعلامية، تأكيدًا على أهمية إعلام قادر على مواكبة التحولات وصناعة مستقبل أكثر وعيًا وتأثيرًا.

وتأتي ورشة علم المستقبليات تحت رعاية وحضور الدكتور وسام نصر عميد كلية الإعلام، والدكتورة عواطف عبد الرحمن رئيس وحدة الدراسات المستقبلية، ودكتورة نيرمين الصابر، ودكتور أحمد مجدي حجازي استشاري علم الإجتماع، وحضور عددًا من خريجي الورشة، وعدد من المهتمين بعلم المستقبليات، ضمن فعاليات إعلان نتائج الورشة الخامسة لتطبيق علم المستقبليات على الأفراد.

تقول د. عواطف عبد الرحمن، رئيس وحدة الدراسات المستقبلية بكلية الإعلام جامعة القاهرة، ورائدة علم المستقبليات، إن”علم المستقبليات أحد أهم الأطر التي تُبنى عليها التوقعات والسيناريوهات وفقًا للواقع الحالي، بما يسهم في فهم توجهات الأفراد وحياتهم وانطلاقهم نحو المستقبل، فكل مرحلة من مراحل التطور الإنساني كانت تحمل مستقبلًا غامضًا، لكن الإنسان ظل دائمًا يحاول فهم القادم، ليس فقط بالتوقع، بل بالتحليل والاستشراف وبناء السيناريوهات الممكنة “.

تُضيف دكتورة عواطف، إن صناعة الوعي بالمستقبل من أهم المشروعات الفكرية والمعرفية، موضحة أن علم المستقبليات (Futures Studies) يهتم بدراسة الاتجاهات الحالية وتحليلها بهدف بناء تصورات وسيناريوهات لما يمكن أن يحدث مستقبلًا، وليس التنبؤ الدقيق، بل “استشراف الاحتمالات”.

توضح أن أول ظهور لمصطلح “علم المستقبليات” من خلال أحد المؤرخين الذين عملوا على التوقعات المستقبلية، وكان ذلك في بدايات القرن العشرين، وتحديدًا عام 1903، حيث استُخدم المصطلح للإشارة إلى الدراسات العلمية الخاصة بالمستقبل والتوقعات المبنية على أسس علمية.

تسترشد دكتورة عواطف بالأبحاث والدراسات، إذ ظهرت جماعات ومراكز بحثية متخصصة فيما عُرف لاحقًا بـ”علماء المستقبليات”، خاصة خلال سبعينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة، إلى جانب المدرسة البريطانية التي ركزت على بناء التوقعات وفق شروط علمية شديدة الصرامة مرتبطة بالزمن المستقبلي وتحليل المتغيرات المؤثرة فيه، باعتبار أن لكل ظاهرة شروطها وسياقاتها الخاصة.

تؤكد أن، هناك نوع من التجاهل النسبي لعلم المستقبليات في بعض الدول، إلى أن بدأت تظهر تعديلات ومحاولات جادة للاهتمام به. وفي مصر، شهد عام 2024 أول أبحاث رسمية موسعة مرتبطة بالمستقبليات، انطلاقًا من أهمية فهم المستقبل وتأثير الظواهر المستقبلية ونتائجها على الأفراد وجميع المناحي العلمية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية، حيث تم حضور ندورة بالجامعة الأمريكية تتحدث عن علم المستقبليات ومنهنا بزغت الفكرة لتطبيقها في كلية الإعلام بجامعة القاهرة.

تشير د. عواطف إلى أن الجامعات الأمريكية من أقدم المؤسسات التي اهتمت بالدراسات المستقبلية وتطبيقاتها، إذ لم تقتصر تطبيقات المستقبل على دراسة الظواهر فقط، بل امتدت إلى دراسة تأثيراتها على الأفراد والمجتمعات.

وفي نفس السياق، فإن الاستشراف المستقبلي يقصد به أنه رؤية استباقية للمستقبل، أي رؤية تحليلية تستوعب الواقع وتقرأ اتجاهاته، مع استخدام منهج استباقي لا يظل أسيرًا لثقل الماضي، بل ينطلق من فهم الحاضر والتطلع لما يمكن أن يحدث لاحقًا، فكل ضلع من أضلاع الاستشراف مهم في بناء الرؤية المستقبلية، وفقًا لشرح د. عواطف عبد الرحمن.

تستطرد أن عملية الاستشراف تأتي بسؤال: ما هي الرؤية المستقبلية؟ باعتبارها الخط الأساسي الذي تُبنى عليه بقية الخطوات. ثم يأتي التساؤل: كيف نحقق هذه الرؤية؟ وهنا يجب التركيز على ما نريده فعلًا، وما الذي يجب تجنبه، وما هي الأولويات التي ينبغي التركيز عليها للوصول إلى المستقبل المطلوب.

تؤكد ضرورة العودة إلى الحاضر لنسأل أنفسنا: ما الإصلاحات التي يمكن أن نُغيّر بها الواقع الحالي؟ وما المعوقات التي تمنع هذا التغيير؟ وما العناصر التي يجب التركيز عليها؟ فالماضي ليس دائمًا واضحًا بصورة كاملة، لأن البنية التاريخية والاجتماعية تؤثر علينا باستمرار، لكن لا يجب أن نبقى أسرى لها طوال الوقت.

تُوضح أن أهمية التفكير النقدي في تحديد: من المستفيد من الوضع الحالي؟ ومن الخاسر؟ وما حجم الخسارة إذا قمنا بتغيير هذا الواقع أو استبداله؟ ولهذا طُرحت نحو 15 سؤالًا رئيسيًا ضمن الرؤية الخاصة بتغيير الحاضر وصناعة المستقبل.

تُشير إلى الماضي بضرورة التعامل معه بعقلانية ووعي نقدي، لأن التركيز المفرط على الماضي قد يعيق القدرة على صناعة المستقبل. لذلك يتم الاعتماد على الرؤية الجماعية التشاركية من خلال جلسات العصف الذهني، ثم جمع التأثيرات الإيجابية والسلبية وتحليلها وتنقيحها، بهدف الوصول إلى تصورات يمكن أن تُحدث تغييرًا مستقبليًا حقيقيًا.

أشارت إلى، النقاط هامة منها التركيز على الأشخاص الذين يرفضون استكمال الأبحاث أو التغيير، لأن الجانب النفسي، والقدرة على المبادرة والاستمرار، يُعدان أساس أي عملية تغيير حقيقية. ولهذا لا بد من وضع تخطيط استراتيجي واضح يعتمد على فرضيات “ماذا لو”، وبناء سيناريوهات متعددة للمستقبل، إذ تم العمل على نحو 12 سيناريو مستقبليًا من خلال خمس ورش عمل، مع دراسة الرؤية النقدية للواقع الحالي، ومحاولة الإجابة عن سؤال جوهري: أين نحن الآن؟ وما المساحة التي نسمح فيها بالتغيير؟

الجدير بالذكر أن ورشة “المستقبليات وتطبيقاته على الأفراد” نتائج كل الورش السابقة، والتي خلصت من خلال عينات المشاركين من الباحثين والصحفيين والمعيدين بكليات الإعلام والعاملين في المجال المهني من صحفيين وإعلاميين من خلال 5 ورش استمرت من عام 2020 إلى عام 2026 إلى رصد التطلعات المستقبلية للأفراد وفقًا للواقع الحالي والتحديات وكيفية مجابهتها، وانتهت مناقشة الورشة الخامسة والنهائية لتطبيق علم المستقبليات على الأفراد، اليوم الثلاثاء بتاريخ 29 أبريل، والتي استمرت لمدة 3 أشهر بعرض نماذج لحالات من العينات والأفراد من الإعلاميين من خلال عرض مجالات “الأسرةوالسياسةوالحالة الاقتصادية والحالة المهنية والحالة الصحية والثقافة والمجتمع” وتأثيرات تلك المناحي في الحاضر واستشراف وبناء سيناريوهات المستقبل، مع التأكيد على التقاطع بين علم المستقبليات والإعلام باعتبارهما مجالين متداخلين؛ إذ تحلل المستقبليات “ما يمكن أن يحدث”، بينما يصنع الإعلام “كيف يفهم الناس ما سيحدث؟ وهو ما يجعل العلاقة بينهما علاقة تكاملية في فهم الواقع وصناعة المستقبل.

استخلصت نتائج ورشة علم المستقبليات وتأثيراها على الأفراد أن علم المستقبليات لا يرتبط بمجال واحد فقط، بل يمتد تأثيره إلى جميع مناحي الحياة، بما يشمل التعليم والإعلام وعلم الاجتماع والاقتصاد والسلوك الإنساني وآليات صناعة القرار. كما أظهرت النتائج أهمية بناء رؤية مستقبلية قائمة على التفكير النقدي والتخطيط الاستراتيجي، مع دراسة التأثيرات النفسية والاجتماعية التي تصاحب عمليات التغيير والتطور، في محاولة لفهم كيفية توظيف الاستشراف المستقبلي في الحياة اليومية والبيئات العلمية والمهنية والاجتماعية.