
كيف يتحول غبار المصانع من تهديد بيئي إلى ثروة قومية؟
دخان أسود ملىء بالملوثات، أعتاد المواطنين الساكنين بالقرب من المصنع رؤيته يوميًا وهو يتصاعد في السماء ويختلط بالهواء النقي، أصبح مشهداً مألوفًا تطاير الرذاذ الملوث المتطاير الناتج عن محطات الكهرباء والمصانع الثقيلة، والذي يحمل جزيئات دقيقة وملوثات قد تبقى عالقة في الهواء لساعات طويلة قبل أن تستقر فوق التربة والمياه والمنازل والحقول الزراعية، إلى جوف البشر.
لكن في المقابل، تظهر تجارب تتعامل مع هذا الرماد ليس باعتباره “مخلفًا خطيرًا” فقط، بل مادة خام يمكن إعادة تدويرها ضمن مفهوم الاقتصاد الدائري، وتحويله إلى منتجات تدخل في البناء والصناعة والطاقة، بما يحد من التلوث ويخلق عائدًا اقتصاديًا.
كيف يمكن ذلك؟
يحدث ذلك باستخدام الرماد أو المسحوق الناتج عن احتراق الفحم أو الوقود الثقيل وبعض المخلفات الصناعية داخل محطات الكهرباء ومصانع الأسمدة والأسمنت والمصانع الكبرى، إذ تتكون الجزئيات الملوثة من السليكا، الألمونيوم، أكاسيد الحديد، الكالسيوم، وآثار المعادن الثقيلة مثل الزئبق الرصاص، الزرنيخ، وتختلف خطورة الملوثات حسب نوع الوقود وكفاءة أنظمة الفلاتر.
أين تنتشر المصانع المسببة للرماد الصناعي؟
بحسب تصنيف وفرز وزارة البيئة لأماكن وأنواع المصانع فهي كالآتي :” مصانع الأسمنت، الطوب والأسمدة، توليد الكهرباء، المحارق الصناعية، مصانع الفحم” وتنتشر في مناطق ” حلوان، شبرا الخيمة، العين السخنة، برج العرب، العاشر من رمضان، أبو زعبل، السويس ، نجع حمادي”.
يقول أحمد حامد استشاري الأمراض الصدرية، إن الرماد والجزيئات الملوثة قادرة على اختراق الجسد وتزيد من احتمالية الإصابة من الربو، الالتهاب الرؤي، أمراض القلب، السكتات الدماغية، تهيج العين والجلد، ضعف المناعة، وبعض أنواع السرطانات، حيث تتسبب في ملايين الوفيات المبكرة سنويًا، فيما تعد الانبعاثات الصناعية أحد أهم مصادر الجسيمات الدقيقة الملوثة للجسد.

التأثير على البيئة المحيطة
لا يتوقف الأمر عند الإنسان فقط، فالرماد المتطاير يؤثر على البيئة المحيطة من نباتات وحيوانات وأيضًا على جودة الهواء فيتسبب في تغير خصائص التربة، تراكم المعادن الثقيلة، وضعف النمو والإنتاج الزراعي، انتقال الملوثات إلى المياه الجوفية ومصارف الري، زيادة تركيز الجسيمات العالقة في الهواء، رفع مستويات الضباب الدخاني، زيادة الانبعاثات الكربونية.
من الدول تعامل مع الرماد الصناعي كمورد اقتصادي مثل : الصين والهند والولايات المتحدة وألمانيا، واستفادت تلك الدول اقتصاديًا من إعادة استخدام الرماد الصناعي داخل مواد البناء والخرسانة منخفضة الانبعاثات، ونجحت بعض التجارب في استخدام الرماد الحراري في صناعة الأسمنت الأخضر، إنتاج الطوب والخرسانة، رصف الطرق، تصنيع السراميك، إنتاج مواد العزل الحراري، صناعة الجيوبوليمر المنخفض الانبعاثات.

تشير أبحاث منشورة في مجلات علمية ودراسات تداولها باحثون ومتخصصون إلى أن استبدال جزء من الأسمنت التقليدي بالرماد المتطاير قد يخفض التأثير المناخي لبعض أنواع الأسمنت بنسب تصل إلى 30% وحتى 55% في بعض التطبيقات الصناعية، إلى جانب تقليل التكلفة وتحسين بعض خصائص الخرسانة مثل المتانة ومقاومة التشققات.
كما طورت شركات عالمية تقنيات تقلل الاعتماد على الكلنكر -المواد الناتجة عن الحرق الأسمنتي-عبر دمج الرماد الصناعي والمواد المعاد تدويرها، بما يخفض البصمة الكربونية ويحول جزءًا من الملوثات إلى عائد اقتصادي وصناعات خضراء جديدة.
تؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة والبنك الدولي أن إعادة تدوير المخلفات الصناعية وتحويلها إلى مواد خام أصبح جزءًا أساسيًا من السياسات البيئية الحديثة، خاصة مع ارتفاع حجم النفايات عالميًا إلى أكثر من 2.5 مليار طن سنويًا وفق تقديرات البنك الدولي.
توضح الدراسات أن إعادة استخدام الرماد الحراري داخل صناعات الأسمنت والطوب والطرق يقلل من دفن المخلفات ويخفض التلوث ويوفر موارد اقتصادية جديدة للدول، كما تعمل برامج الأمم المتحدة على دعم قياس مؤشرات الاقتصاد الدائري وتشجيع الحكومات على دمج المخلفات الصناعية في سلاسل الإنتاج بدلًا من اعتبارها عبئًا بيئيًا فقط.
في نفس السياق صرح د.محمد كفافي خبير الاقتصاد البيئي أن مصر وقعت عدد من الاتفاقيات مع المطورين بقيمة حوالى 83 مليار دولار فيما يتعلق بقطاع الطاقة المتجددة وقامت بتنفيذ عدد من المشروعات لدعم الاقتصاد الأخضر، مما يؤدى إلى تحقيق التنمية المستدامة ويرفع الأسهم الاقتصادية ويقلل الانبعاثات الكربونية وتحسين الحياة الصحية والأمنة فى مصر، ويخلق فرص عمل.
أطلقت وزارة البيئة العام الماضي برنامج دعم الاقتصاد الدائري في مصر “Circular Egypt” لدعم المصانع التي تقوم بتدوير المنتجات والمخلفات الصناعية ضمن اطار الاستراتيجية الوطنية ومشروع النمو الأخضر برعاية مؤسسة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “اليونيدو” والمصمم خصيصا لدعم ومنح الشركات في مرحلة النمو.

كيف يمكن تحويل الرماد إلى ثروة؟
بالرغم من أهمية الاقتصاد الدائري في الأدبيات الاقتصادية، والتي ظهرت منذ ستينيات القرن الماضي، فإن محاولات وضع مفهوم محدد له بشكل شامل لم تظهر إلا في السنوات القليلة الماضية، حينما سعت بعض المنظمات الدولية ومنها مؤسسة إلين ماك آرثر منذ عام 1989، بإصدار العديد من التقارير الدولية والمشاريع حول موضوع الاقتصاد الدائري وإمكانية تطبيقه.وبالرغم من الفوائد الاقتصادية والاجتماعية الناتجة توليد الطاقة بتوجه نحو الاقتصاد الدائري تصــل قيمتهــا إلــى مــا لا يقــل عــن 9.2 مليــار دولار أمريكــي، ورغم ذلك يعاني الاقتصاد الدائري من بعض الجوانب المفقودةمن حيث آليات العمل والتطبيق، جاء ذلك وفقا لبحث الاقتصاد الدائرى بين النظرية والتطبيق دراسة حالة للاقتصاد المصري لمؤلفيها “ريهام مطاوع، أحمد البكل”والمنشور في مجلة الدراسات السياسية والاقتصادية الصادرة من جامعة قناة السويس، فإن الاقتصاد الدائري هو مفهوم جديد نسبيًا وخاصة لقطاع المنتجات الإلكترونية وصناعة الاسمنت وتوليد الطاقة من المخلفات في مصر يشير البحث أن مفهوم الاقتصاد الدائري قائم على عدة دعائم مثل إعادة التدوير، ومراعاة الأبعاد البيئية للعمليات الصناعية، والتركيز على مبادئ التكامل الصناعي، والاهتمام بالتصميم المتجدد، بالإضافة إلى تحول أنماط الاستهلاك، والتركيز على الخدمات بدلاً من السلع والمنتجات.
التحدي الحقيقي
المشكلة ليست فقط في وجود الرماد، بل في كيفية إدارته وتنفيذه وتطبيقه بشكل صحيح وبآليات تحول الملوثات الصناعية إلى ثروة قومية ومنها تُزيل العبأ عن كاهل صحة المواطنيين والمناخ وازدياد درجات الحرارة والتلوث، وذلك وفق تشريعات محددة ووجود رقابة وتكنولوجيا لتحويل الأزمة إلى منحة وفرصة للتنمية المستدامة.






