5 أعوام من الحرب الروسية الأوكرانية.. هل ينجح ترامب في الضغط على زيلنسكي وإقناع بوتين بوقف الصراع 

مع مرور أكثر من  خمس سنوات على اشتعال الحرب الروسية الأوكرانية، ظهرت على السطح مساعي تعمل على إنهاء  الحرب، فأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مطلع الأسبوع الجاري عن هدنة لمدة ثلاثة أيام بين روسيا وأوكرانيا، بعد أن تبادل البلدان الاتهامات بانتهاك اتفاقيات وقف إطلاق النار المنفصلة التي أعلنها كل طرف بمناسبة احتفالات الاتحاد السوفيتي بانتصاره على ألمانيا النازية، وقال الرئيس الأمريكي:” ستشمل هذه الهدنة تعليق جميع العمليات العسكرية، بالإضافة إلى تبادل ألف سجين من كلا البلدين”.

وعقب تصريحات “ترامب” بوقت قصير، أكد الرئيس الأوكراني زيلينسكي، مشاركة أوكرانيا، بينما ذكرت وسائل الإعلام الروسية الرسمية أن روسيا وافقت على الاقتراح.

تبادل الطرفان الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار في ساحة المعركة، وصرح عمدة موسكو “سيرجي سوبيانين” بإسقاط نحو 20 طائرة مسيّرة قرب المدينة خلال الساعتين الأوليين من وقف إطلاق النار.

تطورات المعارك
بينما تستفيد روسيا من ارتفاع الأسعار الصاروخي للنفط والغاز نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تخشي أوكرانيا على الجانب الآخر من انخفاض إمداداتها من الأسلحة الأمريكية، ما يُعني استعدادها لحرب طويلة الأمد تمتد لسنوات.

وعلى الجانب الآخر، يشهد الوضع جمود فعلي على خطوط المواجهة، حيث لم يتمكن الطرفان من تحقيق أي مكاسب ملموسة على الأرض، حيث تصعد أوكرانيا من هجماتها على البنية التحتية لتصدير النفط في عمق الأراضي الروسية، ومن المرجح أن تلعب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية دوراً حاسماً في إنهائها.

وبالنظر للجمود على خطوط الجبهة، ينظر للوضع بأنه يحتمل إعلان “بوتين” عن تعبئة عامة أخرى على غرار أواخر عام 2022، إلا أنه يمكن استبعاد ذلك للصعوبات الاقتصادية الراهنة التى يواجهها الاقتصاد الروسي.

أما على الجانب الأوكراني، وفقًا للممثل الخاص السابق للرئيس دونالد ترامب لشؤون أوكرانيا حتى عام 2019 “كورت فولكر”، فإن أوكرانيا في وضع أقوى مما كانت عليه سابقًا، ويعتقد أن كييف خفضت اعتمادها بشكل كبير على شحنات الأسلحة الغربية، وأصبحت قادرة على تغطية ما يصل إلى 60% أو 70% من احتياجاتها بنفسها، ما يعني قدرة كييف على الاستمرار في القتال حتى لو توقفت الولايات المتحدة عن تزويدها بالأسلحة عبر حلف الناتو.

يأتي ذلك في وقت لم تعد الولايات المتحدة قادرة على  ضمان استمرارها في توريد نفس الكمية من الصواريخ الضرورية لأنظمة الدفاع الجوي “باترويت” كما كان في السابق، حيث تعود أولويات الولايات المتحدة الآن إلى الحرب على إيران.

 ضغوط واشنطن
ووسط ذلك يطرح سؤال، هل ستضغط واشنطن على أوكرانيا للقبول بشروط وقف إطلاق النار الروسية وهل سترضح أوكرانيا لها؟

نحن أمام سيناريوهين، الأول من المتوقع أن يضغط “ترامب” على “زيلينسكي” مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في الخريف، لضمان قبول أوكرانيا لشروط وقف إطلاق النار الروسية، والتي منها أن تسحب أوكرانيا قواتها من المناطق التي تسيطر عليها حاليًا في “دونباس”، ومن المرجح أن يصمد “زيلينسكي” أمام ضغط “ترامب”.

أما الثاني فمن المتوقع أن تنتهي الحرب الأمريكية على إيران في الصيف، ما يتيح فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، وأن تتحول الولايات المتحدة باهتمامها لكوبا والسعى في تغيير نظامها، ووفقًا لهذا السيناريو ليس من المتوقع أن تضغط واشنطن على كييف، وإنما يضعف موسكو التي تربطها علاقات وثيقة بكوبا.

يتوقف كلا السيناريوهين على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر، والتي ستكون نقطة تحول حاسمة، إذ يمكن أن تضعف مكانة ترامب في الحزب الجمهوري، لذا من الممكن أن يستمر “ترامب” في دعم كييف عبر حلف الناتو ولكن ليس كالسابق.

هل تتجه روسيا إلى إنهاء الحرب أم اتفاق وقف إطلاق النار؟
وصف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل روسيا بـ”أنها لغز داخل لغز داخل لغز”، لذا فإن محاولات فهم ما يجري في روسيا تحتاج إلى إيجاد طريقة تمكنك من ذلك، كما صرح السفير الأمريكي السابق في ورسيا جون سوليفان”يقولون في روسيا إن الأمور لا تحدث بسرعة، ولكن عندما تحدث، تحدث بسرعة” أي أنك لا ترى الكثير من الأحداث القادمة، ولكن عندما يحدث حدث فأنه بحدث بسرعة.

قد يدفع الوضع الاقتصادي داخل روسيا إلى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار وليس اتفاق سلام، فـ”بوتين” لا يقبل بالانسحاب دون تحقيق أهدافه من الحرب، لذا فمن المستبعد التوصل إلى تغيير جوهري قبل نهاية العام.

وتشير التقديرات إلى أن روسيا فقدت نحو 350 ألف جندي، معظمهم من الشباب، في وقت تعاني فيه روسيا من نقص حاد في الشباب، وهو ما يعد كارثة لروسيا على كل المقاييس، كما استنزف الاقتصاد الروسي في الحرب بشكل ضخم.

ويعد الحدث الأبرز في روسيا هو العرض العسكري السنوي “عرض يوم النصر”، الذي يُحيي فيه ذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية والتي تعرف بـ”الحرب الوطنية العظمي”، ولكن هذا العام يجب ملاحظة ما لم يحدث وليس ما حدث؟

ما لم يحدث هوغياب العروض العسكرية الضخمة، حيث لم تستعرض موسكو أي أسلحة ضخمة، لم تكن هناك شاحنات مدفعية ضخمة، ولا صواريخ ولا قاذفات، والتي طالما كانت مظهرًا ثابتًا من مظاهر الاحتفالات في عهد الاتحاد السوفيتي وروسيا من بعده، سواء للقادة السوفييت ومن بعدهم للعالم.

ولأول مرة منذ نحو عقدين، غابت المعدات العسكرية عن عرض الساحة الحمراء، الذي اعتاد الكرملين استعراضه لاستعراض القوة العسكرية الروسية على الساحة الدولية.

ولم تتمكن روسيا من إقامة العرض العسكري كالمعتاد، وذلك لتطور كييف في استخدام الطائرات المسيرة وأنواع أخرى من الصواريخ، ما جعل إقامة عرض عسكري بهذا الضخامة سيؤدي لتكلفة ضخمة لأنه سيلفت انتباه كييف، وقد نجحت الأخيرة فى اختراق الدفاعات الروسية بطائراتها المسيرة، ما يحطم فكرة التفوق الروسي المطلق.

يضاف إلى ذلك طول مدة الحرب، فقد تخطت مدة الحرب الروسية الأوكرانية مدة مشاركة روسيا في  الحرب العالمية الثانية ، كما تسبب صمود أوكرانيا في إحراج لبوتين الذي افترض انتهاء الحرب في غضون أيام قليلة.

موقف الاتحاد الأوروبي
وبالسبة للموقف الأوروبي تجاه  التطورات الإوكرانية، فصرح رئيس المجلس الأوروبي “أنطونيو كوستا” بأنه يعتقد بوجود إمكانية لتفاوض الاتحاد الأوروبي مع روسيا لإنهاء الحرب، وأنه يحظى بدعم زيلينسكي في هذا الشأن، وقال في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز:” أجري محادثات مع قادة الدول الأعضاء الـ 27 في الاتحاد الأوروبي لبحث أفضل السبل لتنظيم جهودنا وتحديد ما نحتاج إلى مناقشته بفعالية مع روسيا عندما يحين الوقت المناسب لذلك”.

وأضاف:” لا يمكننا تغيير الواقع الجغرافي،. نحن في أوروبا، وجيران روسيا، وبالطبع نحتاج إلى التحدث معهم حول مستقبل البنية الأمنية الأوروبية”، ورد المتحدث باسم الكرملين “ديمتري بيسكوف” بأن روسيا مستعدة للحوار، لكنها:” لن تبادر إلى مثل هذه الاتصالات من جانبها”.

إلى أين يتجه الوضع؟
يأمل “بوتين” في إقناع “ترامب” بإجبار “زيلينسكي” على التخلي عن ما تبقى من دونيتسك، تعويضًا عن تعثر التقدم على خط المواجهة، كان هذا هو العرض الذي قدمه بوتين في قمة ألاسكا في أغسطس الماضي، ورغم أن الولايات المتحدة درسته، إلا أن ترامب لم يفرضه على أوكرانيا.

رغم التكهنات بإمكانية تعاون “بوتين” مع المستشار الألماني السابق “غيرهارد شرودر” كوسيط، لا توجد أي مؤشرات على تراجع مطالب روسيا المتشددة، ففي الأسبوع الماضي صرح يوري أوشاكوف، أحد كبار مساعدي الكرملين بأن محادثات السلام لا يمكن أن تبدأ إلا بعد انسحاب أوكرانيا الكامل من دونيتسك.

إن صورة “بوتين” كرجل قوي تتلاشى مع تصعيد أوكرانيا للحرب  وصمودها في روسيا، مع تجاوز الحرب الروسية الأوكرانية الحرب العالمية الثانية من حيث المدة، فهل يتحول “بوتين” إلى الرجل الذي حطم روسيا؟.