تيجراي بين عودة دبراصيون وصعود مجلس التغيير.. هل دخل الإقليم الإثيوبي مرحلة صراع الشرعية؟

عودة تيجراي إلى  واجهة الأزمة الإثيوبية 

تشهد الساحة السياسية في إقليم تيجراي الإثيوبي، تحولات متسارعة تعكس دخول الإقليم مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا من مرحلة الحرب نفسها، حيث لم يعد الصراع محصورًا بين الحكومة الفيدرالية والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، بل بات يدور داخل البيت التيجراوي حول سؤال أكثر حساسية: من يمتلك شرعية إدارة الإقليم في مرحلة ما بعد اتفاق بريتوريا؟

خلال الأسابيع الأخيرة، تداخلت ثلاثة تطورات رئيسية أعادت رسم المشهد السياسي داخل تيجراي؛ أولها عودة دبراصيون جبر ميكائيل إلى صدارة السلطة في الإقليم، وثانيها تأسيس “مجلس السلام والتغيير في تيجراي داخل أديس أبابا، وثالثها التحركات السياسية المتزايدة التي يقودها جيتاشيو ريدا، الذي تحول تدريجيًا من أحد أبرز قادة الجبهة خلال الحرب إلى شخصية أقرب إلى مشروع التسوية مع الحكومة الفيدرالية.

هذه التطورات لا يمكن قراءتها كأحداث منفصلة، بل تمثل في جوهرها صراعًا متكاملًا على إعادة تشكيل السلطة داخل تيجراي، وعلى طبيعة العلاقة المستقبلية بين الإقليم والدولة الإثيوبية.

دبراصيون واستعادة نفوذ الجبهة

فعودة دبراصيون لرئاسة الإقليم لم تكن مجرد إعادة ترتيب داخلية داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، وإنما حملت رسالة واضحة بأن الجبهة لا تزال القوة الأكثر تنظيمًا ونفوذًا داخل الإقليم، رغم الحرب الطويلة التي استهدفت إنهاكها عسكريًا وسياسيًا، فالرجل عاد في لحظة تشهد فيها تيجراي انقسامًا حادًا، ليؤكد أن الجبهة ما زالت تمتلك القدرة على استعادة زمام المبادرة وإعادة فرض نفسها باعتبارها الممثل الرئيسي  للإقليم.

لكن أهمية هذه العودة تمكن في توقيتها السياسي أكثر من بعدها التنظيمي، إذ جاءت بالتزامن مع تصاعد الحديث عن ترتيبات جديدة داخل تيجراي تهدف إلى خلق قيادة سياسية بديلة أكثر قربًا من أديس أبابا، وهو ما ظهر بوضوح مع الإعلان عن تأسيس “مجلس السلام والتغيير”.

مجلس السلام والتغيير.. مشروع بديل أم أداة لإعادة هندسة الإقليم؟

المجلس الجديد، الذي يضم أحزابًا سياسية وشخصيات عسكرية ومدنية بارزة، يمثل عمليًا محاولة لإعادة إنتاج مركز قوة جديد داخل تيجراي، بعيدًا عن الهيمنة التقليدية للجبهة الشعبية، والأهم أن حضور شخصيات  مثل جيتاشيو ريدا والجنرال تسادكان جيبريتينساي خلال المؤتمر التأسيسي للمجلس، يعكس وجود دعم سياسي واضح لهذا المشروع، سواء من دوائر داخل تيجراي أو من الحكومة الفيدرالية نفسها.

ومن هنا؛ تبدو المعركة الحالية داخل الإقليم أقرب إلى صراع بين مشروعين سياسيين متناقضين.

المشروع الأول تقوده الجبهة الشعبية بقيادة دبراصيون، ويقوم على الحفاظ على البنية السياسية التقليدية لتيجراي باعتبارها كيانًا يمتلك خصوصية قومية وسياسية داخل الدولة الإثيوبية، مع رفض أي ترتيبات قد تؤدي إلى تقليص نفوذ الجبهة أو إعادة هندسة الإقليم سياسيًا تحت ضغط أديس أبابا.

أما المشروع الثاني، فتيمثل في التيار الذي يدفع نحو إعادة تشكيل السلطة داخل تيجراي عبر ترتيبات انتقالية جديدة، تسمح بظهور قوى سياسية متعددة، وتفتح الباب أمام علاقة أكثر مرونة مع حكومة آبي أحمد.

جيتاشيو ريدا.. من قائد في الجبهة إلى مهندس للتسوية

وفي قلب هذا الصراع، يقف جيتاشيو ريدا باعتباره الشخصية الأكثر إثارة للجدل داخل المشهد التيجراوي الحالي، فالرجل الذي كان أحد أبرز الوجوه السياسية للجبهة خلال الحرب، تحول تدريجيًا إلى رمز للتيار البراغماتي الذي يرى أن استمرار المواجهة مع أديس أبابا سيقود تيجراي إلى مزيد من العزلة والانهيار.

ولذلك، فإن انخراطه في مشروع “مجلس السلام والتغيير”، يعكس محاولة لإعادة تعريف مستقبل الإقليم بعيدًا عن الخطاب التقليدي القائم على الصدام المستمر مع المركز.

لكن هذه التحولات لا تعني أن ميزان القوة قد حُسم لصالح أي طرف، فى الجبهة الشعبية، رغم تراجعها النسبي، لا تزال تمتلك شبكة تنظيمية وعسكرية واسعة داخل تيجراي، كما أن جزءًا مهمًا من الشارع التيجراوي لا يزال ينظر بعين الريبة إلى أي مشروع يُعتقد أنه مدعوم من الحكومة الفيدرالية.

استراتيجية آبي أحمد.. الاحتواء بدل المواجهة

وفي المقابل، تراهن أديس أبابا على أن الانقسامات الداخلية داخل تيجراي ستؤدي تدريجيًا إلى إضعاف الجبهة من الداخل، دون الحاجة إلى العودة إلى المواجهة العسكرية المباشرة التي أثبتت كلفتها الباهظة.

وهنا يظهر البعد الأهم في المشهد الحالي؛ فالحكومة الفيدرالية لا تتعامل مع ما يجري باعتباره أزمة داخل إقليم متمرد فقط، بل كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة صياغة التوازنات داخل الدولة الإثيوبية كلها.

منذ وصول آبي أحمد إلى السلطة، كان الهدف الأساسي يتمثل في إنهاء نموذج الهيمنة الذي مارسته الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي لعقود داخل مؤسسات الدولة، وإعادة بناء نظام سياسي أكثر مركزية يقوده حزب الأزدهار، لكن الحرب كشفت أن إسقاط النفوذ العسكري للجبهة لا يعني بالضرورة إنهاء حضورها السياسي والاجتماعي.

لذلك، يبدو أن السلطة الفيدرالية انتقلت الآن إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تقوم على تفكيك البنية الداخلية للجبهة عبر دعم تيارات وقوى بديلة داخل تيجراي نفسها.

مخاطر الانقسام واحتمالات التصعيد

غير أن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، لأن أي محاولة لإعادة هندسة المشهد السياسي داخل الإقليم دون توافق حقيقي قد تؤدي إلى انفجار داخلي جديد،  فتيجراي لا تزال تعيش أوضاعًا إنسانية وأمنية هشة، كما أن ملف إعادة النازحين، وإعادة الإعمار، ودمج المقاتلين السابقين، لا يزال بعيدًا عن الحل.

كما أن عودة دبراصيون في هذا التوقيت قد تدفع نحو مزيد من الاستقطاب، خاصة إذا اعتبر أنصار الجبهة أن “مجلس السلام والتغيير”،  يمثل محاولة لسحب الشرعية من القيادة التقليدية للإقليم.

الأخطر أن الصراع داخل إقليم تيجراي يتزامن مع أزمات متصاعدة في أقاليم أخرى، خصوصًا أمهرا وأورومو، ما يعني أن أي انفجار جديد داخل الإقليم قد يفتح الباب أمام مرحلة شاملة من عدم الاستقرار داخل إثيوبيا.

سنياريوهات المستقبل في تيجراي

في ضوء هذه التطورات، تبدو تيجراي اليوم أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية:-

السيناريو الأول يتمثل في نجاح دبراصيون والجبهة الشعبية في تثبيت سيطرتهم الكاملة على الإقليم، مع احتواء القوى المنافسة، وهو ما قد يؤدي إلى استقرار نسبي داخلي لكنه سيبقي العلاقة متوترة مع الحكومة الفيدرالية.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار الانقسام الداخلي بين التيارات المختلفة، بما قد يقود إلى صدامات سياسية وربما أمنية داخل الإقليم، خصوصًا إذا حاولت أي جبهة فرض ترتيبات أحادية بالقوة .

في حين يبقي السيناريو الثالث مرتبطًا بإمكانية التوصل إلى صيغة توافقية بين الجبهة والحكومة الفيدرالية والقوى السياسية الجديدة داخل تيجراي، بما يسمح بإعادة بناء المؤسسات الإقليمية بصورة تشاركية تمنع عودة الحرب.

تيجراي واختبار مستقبل الدولة الإثيوبية

وفي ضوء هذه التطورات، تبدو تيجراي اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فإما أن تنجح القوى السياسية المختلفة في تحويل الانقسام الحالي إلى عملية إعادة بناء سياسية تدريجية تسمح بظهور نظام أكثر تعددية داخل الإقليم، أو تنزلق الأوضاع نحو صراع داخلي جديد يعيد إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيدًا.

في النهاية، لم تعد المعركة في تيجراي تدور فقط حول من يحكم الإقليم، بل حول شكل الدولة الإثيوبية نفسها، وحدود السلطة المركزية، ومستقبل النظام الفيدرالي الذي يواجه أخطر اختبار منذ عقود.