
السياسة الناجحة تقوم على التنسيق الصامت بين الكبار بعيداً عن أضواء الكاميرات
إلقاء اللوم على الأجهزة الأمنية والسيادية فقط فيما يصدر من قرارات هو ظلم لهم
مصر جاهزة حاليا لخطوات جادة في مسار الإدارة الرشيدة.. ومبررات تأجيل المحليات قبل 2018 لم تعد قائمة
لدينا خريطة عنكبوتية من الأحزاب تزيد على مائة حزب.. وأتمنى أن يُختزل المشهد في أربعة موالاة تقابلها مثيلها من المعارضة
صناعة التشريع في مصر تمر بمراحل فلترة متعددة بمستويات أمنية وفنية قبل أن يرى القانون النور
النائب الذي يريد إحداث أثر حقيقي لا يجب أن يكتفي بإطلاق مقترحاته في الهواء بحثًا عن مشاهدات وتصفيق
فتح السياسي البارز ورئيس لجنة الادارة المحلية السابق أحمد السجيني، العديد من الملفات الهامة في حواره مع “ليبرالي” وتحدث بلغة سياسي مخضرم لا يجامل ولا يلمع الصورة عن ملف المحليات الذي طال انتظار المصريين لاستعادته، وكشف ما وراء أزمة “العداد الكودي” التي أثارت جدلاً واسعًا وأرهقت كاهل المواطنين، “السجيني” الذي حل في عضوية البرلمان لدورتين، ولمدة عشر سنوات، شغل فيها عدة مناصب أبرزها رئاسته للجنة الإدارة المحلية، كما تقلد منصب الأمين العام للأغلبية لمدة عامين، لذا كشف تفاصيل ملف المصالحة على مخلفات البناء وتشعّباته، وشرح من خلال خبرته في آليات صنع القرار في مؤسسات الدولة، وبالإضافة لعمل مجلس النواب من الداخل، كما تطرق إلى تجربته البرلمانية والسياسية.. وإلى نص الحوار.
هل ترى أن مساحة الاختلاف داخل البرلمان المصري مساحة حقيقية؟
للإجابة على هذا السؤال، لابد أن ننظر أولاً إلى التركيبة السياسية للقوى التي تمثل الشعب المصري تحت القبة. هذا البرلمان لا توجد فيه أغلبية بالمعنى الحقيقي، إذ يهيمن عليه حزب مستقبل وطن باعتباره صاحب الأكثرية وليست الأغلبية، يليه أحزاب كحماة وطن والجبهة والشعب الجمهوري، وهي ما يُطلق عليها أحزاب الموالاة للسلطة التنفيذية. وإلى جانبها أحزاب أخرى كالعدل والوفد والتجمع والمصري الديمقراطي الاجتماعي.
وهذا الوضع يُعيدنا إلى برلمان عام 2016 الذي افتقر هو الآخر إلى أغلبية واضحة، مما استلزم تشكيل ائتلاف دعم مصر، والأغلبية في كل برلمانات العالم تمنح قدرًا من الاستقرار النيابي، وكنت قد تشرفت بالعمل أمينًا عامًا للأغلبية تحت القبة لمدة عامين، ولاحظت أن عمل الأغلبية في إطار ائتلاف نيابي أصعب بكثير من عمل حزب واحد متماسك، لأن الائتلاف يضم أحزابًا عدة لكل منها ممثل يرجع إلى رئيس حزبه وقواعده، فتغدو عملية صنع القرار والسيطرة على مساره أكثر تعقيدًا بكثير مما هي عليه في حزب تحكمه هيئة عليا ومنهج مؤسسي واحد.
لماذا يحتاج البرلمان دائمًا إلى أغلبية؟
لأن العمل النيابي عملية بالغة التعقيد، تجمع بين الرقابة والتشريع،والأخير يستلزم مهارات فنية عالية، والرقابة تحتاج إلى خبرة واسعة حتى تكون رشيدة. فالرقابة حين تخلو من الرصيد والممارسة المتراكمة، تتحول إلى ما أسميه “المعارضة الحنجورية”، حيث يخرج النائب لمهاجمة وزير دون أي سند أو خلفية معلوماتية. وأنا أؤمن بمبدأ راسخ: الموالاة العمياء بلا وعي تُفقد المصداقية، والمعارضة التي لا تقدم حلولاً لا تخدم المجتمع.
ولهذا يرى بعضهم أن البرلمان الحالي يفتقر إلى الزخم والتجانس، وأنا لا أستطيع الجزم بصحة هذا الحكم أو نفيه في هذه المرحلة المبكرة، لأسباب عدة؛ أبرزها أن انتقال البرلمان إلى مقره الجديد في العاصمة الإدارية أحدث فارقاً واضحاً في طريقة الممارسة. فبرلمان القصر العيني كان في متناول النواب والمواطنين والمسؤولين على حد سواء؛ يخرج النائب من القاعة ويعبر الشارع فيجد مجلس الوزراء ووزارات عدة على مرمى دقائق. أما في العاصمة الإدارية فالمسافات أطول والتنقل أثقل لبعض الأجهزة التنفيذية، خاصة أن منها لم ينتقل إلى العاصمة، وليس بمقدور النائب أداء مهامه الرقابية والتشريعية والتواصلية بالسهولة ذاتها التي كانت متاحة له من قبل.
لو كنت في حزب الوفد أثناء الانتخابات الأخيرة هل كانوا سيرشحونك ضمن القائمة؟
هذا قرار يرجع لقيادات الحزب في الأساس، وهم من يجاوبوا عليه، لكن ظني قولاً واحدًا إنهم كانوا هيدفعوا بي.
وماذا حدث مع حزب مستقبل وطن؟ لماذا تركته؟
لدي عتاب ليس أكثر إذا تمت مراجعة استقالتي سنكتشف أني حرصت على عدم جرح أحدًا، العتاب الوحيد إني عرفت بعدم ترشحي من وسائل الإعلام، وأنا من مؤسسي الحزب وأحد قياداته. لكن على المستوى الرسمي “ما حصلش أي لوم من أي طرف”، ووضعت الأمر في إطار العتاب على قدر المودة.
ومع ذلك تقول إن لحزب مستقبل وطن فضل عليك؟
في الحقيقة له فضلين اثنين. الأول إنني بقيت رئيسًا للجنة الإدارة المحلية خمس سنين متواصلة، وهذا لم يحدث بدونه، والثاني أن الحزب ترك لي مساحة الرقابة والانتقاد الحقيقي للحكومة دون أي يعاتبني أو يقول لي امتنع، بل كان يفتخر بي. وهذا صعب عندما يأتي من قيادي في حزب الأغلبية الداعم للحكومة.

ما الذي غيّرته فيك هاتان التجربتان؟
غيرتا في الكثير، لو سألتني عام 2015 أو 2016 عن مفهومي للديمقراطية وحقوق الإنسان، لأجبتك بمضمون مغاير تمامًا عمّا كنت سأقوله في 2024. فقد أتاحت لي هاتان التجربتان فهمًا أعمق لآليات صنع القرار والمشهد السياسي، وأسهمتا في تحوّل قناعاتي في ملفات عدة، والانتقال من أكبر أحزاب المعارضة إلى أكبر أحزاب الموالاة، مع تولّي منصب أمين عام الأغلبية، أضاف إليّ رصيداً من الخبرة لا يُستهان به.
ما أبرز رسالتك لصانعي القرار في ضوء هذه التجارب؟
ثمة ملفان يستوجبان مراجعةً عميقة: أولهما البناء السياسي، الذي ينبغي أن يقوم على رؤية واضحة، تتبعها خطة محكمة، ثم تدرّج في التنفيذ، والمهم أن نبدأ، وثانيهما منظومة العمران والمعادلة الاقتصادية المرتبطة بها، وقد شكّل الحوار الوطني قاعدةً صلبة يمكن البناء عليها، غير أن الكيانات الموازية الناجحة، كجهاز مستقبل مصر، لا بد أن تُرسَّخ بتشريعات تضمن استمراريتها، بحيث لا تظل رهينةً بشخص بعينه أياً كان موقعه.
هل النائب في المنظومة الراهنة نائب خدمي أم نائب سياسي؟
هذا السؤال قديم متجدد، والإجابة واضحة: النائب هو نائب تشريع ورقابة، غير أن الموروث الشعبي أرسى تقليدًا يرى أن النائب يجب أن يؤدي خدمات للمواطنين حتى يحافظ على شعبيته، والحق أن هذا التقليد يكشف عن خلل هيكلي عميق في منظومة الدولة، لماذا يُعقل أن يتولى النائب نقل طالب من مدرسة إلى أخرى؟ ولماذا يحتاج هذا الأمر إلى توقيع محافظ؟.
أذكر أنني دخلت عام 1999 على اللواء عبد السلام المحجوب، محافظ الإسكندرية آنذاك، فوجدت أمامه أكوامًا من الملفات يوقع عليها دون أن ينظر إليها، فسألته عن أمرها، فقال: هذه طلبات أعضاء مجلس الشعب تتعلق بالطلاب والكثافات المدرسية. ومرت على تلك الواقعة أكثر من خمسة وعشرين عاماً، ثم وجدت في مكتبي ملفات مماثلة من المواطنين تطالب بدخول أبناءهم للمدارس. وهذا يعني أن الإشكالية بنيوية متجذرة لا تزول بتغيير الأشخاص، وإنما تحتاج إلى إصلاح هيكلي شامل.
ما نحتاجه فعلاً هو إعادة هيكلة حقيقية بحيث يتجه المواطن إلى النائب في القضايا القطاعية الكبرى كمحطات الصرف الصحي والكباري والطرق والمدارس والمراكز الصحية، ويتولى عضو المجلس المحلي شؤون الأحياء اليومية من إنارة وصرف وتبليط. أما في غياب هذه المجالس المحلية فكل الأثقال تقع على عاتق النائب الواحد، وهو ما يجعله أسير الدائرة والملف الخدمي على حساب دوره التشريعي والرقابي الحقيقي.

هل غياب الإدارة المحلية هو المسؤول عن تحول دور النائب من سياسي إلى خدمي؟
هذا جزء جوهري من المشكلة، غياب المجالس المحلية المنتخبة منذ آخر انتخابات عام 2007 ترك فراغًا هائلاً ملأه النائب في البرلمان بأعمال لا تدخل أصلاً في اختصاصه، وللإدارة المحلية في تاريخي السياسي والفكري موقع خاص؛ فقد أسست لجنة الإدارة المحلية النوعية في حزب الوفد وترأستها، وتوليت حقيبة التنمية المحلية في حكومة الوفد الموازية إبان حكم الإخوان، وخضت مناظرات حادة آنذاك في قنوات دولية كـ”بي بي سي” و”سكاي نيوز” و”سي إن إن”، دفاعاً عن توجه وطني واضح في خضم مرحلة كانت فيها الصورة ملتبسة على كثيرين، ثم جاءت رئاستي للجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب لعشر سنوات متواصلة لتمنحني عمقاً استثنائياً في استيعاب هذا الملف من زوايا متعددة.
لكن ثمة من يقول داخل دوائر صنع القرار: ما الذي أنتجته المجالس المحلية إبان عهد الرئيس مبارك؟ وقد كان رأس النظام آنذاك الدكتور زكريا عزمي يؤكد أن الفساد وصل في المحليات إلى الركب. وهذا الرأي يمثل مدرسة فكرية ترفض تشكيل المجالس المحلية داخل دوائر القرار.
لكنني أختلف مع هذا التوجه اختلافًا جوهريًا، لا يجوز لنا أن نُوأد تجربة إنسانية أثبتت جدارتها لمجرد أن تطبيقاً سابقاً أخفق، كتاب التاريخ قد كُتب، فلماذا نُعيد اختراع العجلة؟ التجربة الإنسانية عبر آلاف السنين انتهت إلى أن الديمقراطية بكل مساوئها هي السبيل الأنسب لتحقيق الحكم الرشيد. وكما أن إخفاق برلمان في أداء دوره لا يعني أننا نُلغي مؤسسة البرلمان من حياتنا، فإن إخفاق مجالس محلية في مرحلة معينة لا يسوّغ إلغاء التجربة برمتها إلى الأبد.
والمجالس المحلية ليست مجرد آلية لإدارة الخدمات، بل هي في المقام الأول مدرسة لتأهيل الكوادر السياسية. فالنائب الذي يمر بتجربة المجلس المحلي يأتي إلى البرلمان وقد اكتسب رصيداً ميدانياً لا يُعوَّض، ويعرف كيف يناقش وزيراً دون إهانة، وكيف يعارض ويقدم في الوقت ذاته حلاً قابلاً للتطبيق.
ولكن هل النموذج الديمقراطي الغربي يصلح لمصر في مرحلتها الراهنة؟
الديمقراطية الغربية تستند إلى طبيعة بعينها في شعوبها، وبالنظر إلى واقعنا من نسب فقر وأمية وحالة استقطاب وتهديدات إقليمية محيطة، فقد يكون تطبيق النموذج الغربي بصورته الكاملة دفعة واحدة غير ملائم في المرحلة الراهنة. لكن هذا لا يعني أن نكون بلا ديمقراطية، بل يعني أن نسعى إلى هذا النموذج بالتدرج الواعي والمدروس، وأن نضع خطة واضحة بجدول زمني محدد يجيب على أسئلة من قبيل: من يفعل ماذا؟ وأين؟ ومتى؟ وبأي موارد؟.
وهذا ما أشارت إليه المادة 242 من الدستور حين تحدثت عن تطبيق اللامركزية الاقتصادية والإدارية والمالية بشكل تدريجي دون أن تتطرق إلى اللامركزية السياسية دفعة واحدة. والتجربة الإنسانية أثبتت أنه لكي تحصل على رشد وكفاءة في إنفاق المال العام، يجب أن يقابل كل وحدة تنفيذية جهاز رقابي شعبي يملك الصورة الكاملة ويمارس دوره بخبرة ونزاهة. هذا ليس ترفاً فكرياً، بل هو شرط موضوعي لاستدامة أي إنجاز تنموي.
لماذا تأخر تطبيق اللامركزية وعدم إجراء انتخابات للمجالس المحلية كل هذه السنوات؟
حين يُثار هذا الأمر في أي حديث غير رسمي بين نواب ووزراء ورجال صحافة، تظهر مبررات من الفزاعات المتكررة.
الفزاعة الأولى: ماذا أنتجت المجالس المحلية سابقاً؟ وهي نظرة ضيقة تقتصر على الأداء الخدمي دون النظر إلى الدور السياسي في تأهيل الكوادر.
الفزاعة الثانية : التخوفات على المدن الجديدة من التشوه الذي أصاب المحليات القديمة، وأن وجود مجالس رقابية سيُهدد استقرار قيادات السلطة التنفيذية من خلال آلية سحب الثقة التي نص عليها دستور 2014.
الفزاعة الثالثة: الخشية من اندساس الخلايا النائمة لتنظيمات بعينها في أعداد الأعضاء الكبيرة التي قد تبلغ خمسين ألف عضو. وهذه الحجة كانت لها مسوّغاتها الموضوعية في السنوات الأولى منذ 2015، حين كانت البلاد تعيش تهديدات إرهابية حقيقية في سيناء وداخل المدن، وكانت الأحداث تتسارع، وكانت ذاكرة الفوضى لا تزال حاضرة بقوة، لكن هذه الحجة فقدت مسوّغها إلى حد بعيد بعد أن انحسرت تلك التهديدات وتبدلت خريطة المشهد الأمني.
الفزاعة الرابعة تأتي من الوزراء والمسؤولين أنفسهم الذين يخشون أن تتحول المجالس المحلية إلى أداة ضغط وابتزاز من قبل الأعضاء تُعطل عمل وزاراتهم. وهذه وجهة نظر تستحق الاحترام لكنها تبالغ في وزن السلبيات وتُغفل ما يمكن أن تُحدثه هذه المجالس من رقابة إيجابية وحوكمة فعلية على الإنفاق العام.
غير أن هذه الفزاعات كان لها ما يسوّغها في مرحلة بعينها، بين عامي 2015 و2018 لم نكن جاهزين فعلاً للمضي في هذا المسار، إذ كنا نواجه تهديدات أمنية جسيمة، فضلاً عن أن أجهزة الدولة لم تكن تمتلك الكوادر المدربة المؤهلة للتعامل مع اللامركزية المالية والإدارية والاقتصادية معاً، فاللامركزية الحقيقية تعني أن تمنح الوحدات المحلية صلاحية إدارة إيراداتها وإنفاقها، وهذا يستلزم كوادر تتلقى الأجر الملائم للسلطة الممنوحة لها والتأهيل الكافي لها. ثم جاءت جائحة كوفيد عام 2020 فعطّلت مسارات كثيرة كانت تسير في الاتجاه الصحيح.
وهل نحن جاهزون الآن؟
قولاً واحدًا نعم، نحن جاهزون جدًا ومشتاقون، ولو لم نخطُ في هذا الاتجاه الآن فسنكون ملامين، المجالس المحلية هي قاعدة الهرم السياسي، وبدونها يظل الهرم معلقاً في الهواء، فالنائب الذي يأتي من المجالس المحلية يحمل رصيداً شعبياً وخبرة ميدانية حقيقية، ثم يرتقي إلى المجالس النيابية، وقد اكتسب مهارة الرقابة والتشريع من الميدان لا من الفراغ، وكانت بعض التجارب الحزبية، كالاتحاد الاشتراكي في زمنه، قد فطنت إلى هذه المعادلة حين كانت تُهيئ الكوادر الشبابية من خلال التنظيمات الشعبية القاعدية قبل أن ترفعهم إلى المجالس الأعلى.

ننتقل إلى ملف التصالح على مخالفات المباني.. ما جوهر المشكلة؟
ملف التصالح هو مكوّن أساسي من منظومة أشمل اسمها منظومة العمران في مصر، تضم التخطيط الاستراتيجي والتفصيلي وحوكمة الأداء وتيسير الحصول على تراخيص البناء بكرامة وفي وقت وجيز ووفق منظومة معلومة للمواطن سواء كان مستثمراً كبيراً أو مواطناً بسيطاً يريد أن يبني وحدة صغيرة على أرض يملكها.
التصالح في جوهره جاء لمعالجة ما مضى، أي وضع المخالفات القائمة في إطار قانوني منضبط مقابل رسوم تتمكن الدولة من خلالها من توفير بنية تحتية ملائمة لتلك المناطق. وكنت قد دخلت على هذا الملف من باب لجنة الإدارة المحلية لا الإسكان، حين لاحظت أن التطبيق الميداني كان يسير بطريقة تمس الأمن القومي من خلال عمليات الإزالة القسرية وإخراج المواطنين من مساكنهم. فعقدت الجلسة الشهيرة في مجلس الشيوخ، وأتحت الفرصة للمواطنين لمواجهة الوزراء بمعاناتهم، ثم أصدرت التسع توصيات التي تبنتها الحكومة لاحقاً في مؤتمر بنها.
وكان من أهم هذه التوصيات تبسيط الإجراءات وخفض الأسعار. وقد أثبتت النتائج صحة هذا التوجه: قبل هذه المرحلة لم تتجاوز عائدات الملف ستمائة مليون جنيه خلال عام كامل من الممارسة وفق أسلوب الحظر والإزالة، بعدها تجاوزت أحد وعشرين مليار جنيه في أربعة أشهر فحسب بعد اعتماد سياسة التيسير وتخفيض السعر في القرى إلى خمسين جنيهاً للمتر بقرار من رئيس الجمهورية.
ما الذي يشكو منه المواطنون اليوم في هذا الملف؟
المواطن يرى أنه دفع رسوم التصالح على ما بنى في الماضي، ثم وجد نفسه ممنوعاً من البناء في المستقبل، والحقيقة أن ثمة خلطاً كبيراً هنا لا بد من تصحيحه: قانون التصالح مُعني بما فات لا بما يأتي، فما مضى عليه يُصالَح فيه، أما البناء الجديد فيحتاج إلى ترخيص، ومن اعتقد أن التصالح يمنحه حق الاستمرار في البناء دون قيد فقد أساء فهم القانون أو أُسيء إليه شرحه.
بيد أن ثمة ملفات تستحق المراجعة الجادة، كمسألة البناء على أراضي الدولة، وملف الجراجات، وما يخص الأبنية خارج الحيز العمراني التي تمثل ما يقارب مليون أسرة. وقد تحفظت على عدة نقاط في مسودة القانون وأبديتها علناً، لأن بعض المحظورات المُدرجة تتعارض مع الواقع المعاش وتمثل نسبة عددية كبيرة من الحالات التي يستحيل معالجتها بالأدوات الاستثنائية ذاتها.
المشكلة الحقيقية تكمن أيضاً في منظومة التراخيص ذاتها. طالما ظل المواطن عاجزاً عن الحصول على رخصة بناء بيسر وفي وقت معقول، ستظل المخالفات تتجدد. وأذكر واقعة في إحدى المديريات الزراعية الكبرى أُعدّت فيها ثمانون ملفاً استكملت متطلباتها على المستوى اللامركزي، فلما رُفعت إلى الوزارة المركزية ثم مجلس الوزراء لم يقبل منها إلا ملفان فحسب لعدم استيفاء متطلبات شكلية للباقي رغم اكتمال جوهرها. فماذا يفعل المواطن أمام هذا الواقع سوى أن يبني دون ترخيص؟
كيف تصف علاقة البرلمان بالحكومة خلال السنوات الماضية؟
عملت مع خمسة وزراء للتنمية المحلية وثلاثة وزراء للإسكان ووزيرتين للبيئة وأربعة وزراء للزراعة. والعلاقة الصحية بين السلطة التنفيذية والبرلمان تقوم على معادلة واضحة: حين تجد الحكومة في الجانب الآخر داخل البرلمان جهةً تؤدي دوراً وتفهمه وتستوعبه وتقدم رؤى فيه، فإنها تتبنى هذه الرؤى. وهذا ما حدث فعلاً مع الدكتور مصطفى مدبولي في ملف التصالح.
وما يجعل التنفيذيين يتجاوبون مع رئيس اللجنة ليس السلطة الشكلية، بل ثلاثة عوامل متكاملة: أولها الجدية في التعامل مع الملفات، وثانيها العمق في فهمها بحيث لا يشعر الوزير أنه جاء ليُعلَّم بل ليُشارك في إيجاد حلول، وثالثها القدرة على استخلاص مكتسبات من الوزارات الشقيقة والتنسيق بين الجهات لصالح الوحدات المحلية.
أما على مستوى رؤساء الوزراء، فأذكر المهندس إبراهيم محلب الذي ربطتني به علاقة إنسانية ومهنية منذ لقاء أول قبل أن أكون نائباً في حركة المحافظين عام 2014، حيث كنت وقتها ضمن الأسماء المرشحة. أما المهندس شريف إسماعيل رحمه الله، عملنا معاً في ملف إدارة المخلفات وملف استرداد أراضي الدولة، وكان بيننا تواصل شخصي عميق بلغ حد جلسات استمرت ثلاث ساعات في الاتحادية لمناقشة ملف التصالح وتقنين أراضي وضع اليد. وأؤمن بأن النهضة التي شهدها ملف البنية التحتية للمخلفات في مصر كانت بذرتها في عهده. أما الدكتور مدبولي فقد كانت علاقته بالسلطة التشريعية على مستوى حضور الوزراء للجلسات أكثر انضباطاً في مرحلة معينة قبل أن تتبدل بعض الأمور مع طول المدة وتراكم الضغوط.
وأحرص دائماً على مبدأ راسخ في تعاملي مع التنفيذيين: ما إن تُرفع الجلسة حتى يصبح الوزير والمحافظ أخاً وزميلاً، لكن داخل الجلسة أنا رئيس الجلسة الحريص على هيبة المؤسسة وعلى تطبيق اللائحة حرفاً بحرف، لأن اللائحة هي الدرع الذي يحمي الجميع ويحافظ على مصداقية الرقابة.
الشارع المصري يرى أن البرلمان تحول إلى أداة لتمرير قرارات الحكومة.. ما هي وجهة نظرك؟
بعض ما يُقال صحيح ويستحق الاعتبار، والبعض الآخر فيه ظلم بيّن للبرلمان. مطبخ البرلمان الحقيقي وماكينة صنع الممارسة النيابية يوجدان في اللجان النوعية لا في الجلسات العامة، وما يحدث داخل هذه اللجان للأسف لا يُغطَّى بالصوت والصورة، بل يُكتفى بتغطية إعلامية ثابتة. ونحن في عصر السوشيال ميديا والمقاطع القصيرة، والناس لم تعد تتابع جلسات طويلة، فكان ينبغي التعامل مع هذا الواقع الجديد ونقل ما يجري داخل اللجان النوعية إلى المواطنين بأسلوب يناسب هذا العصر. ما يحدث داخل اللجان النوعية من مناقشات وتشريع ورقابة ميدانية يُشرّف أي مواطن مصري وطني.
أما الجلسات العامة فهي في كل برلمانات العالم مملوكة للأغلبية. في مجلس العموم البريطاني الذي زرته ضمن مجلس الصداقة البرلمانية، وفي الكونجرس الأمريكي والبرلمان الألماني والياباني التي زرتها كلها، الأغلبية هي من تتحكم في مسار الجلسة العامة وتوجيه القرار. هذه ليست ثغرة في النظام بل هي طبيعة العمل البرلماني في كل مكان.
غير أن صناعة التشريع في مصر لا تُحكمها الأغلبية وحدها، بل تمر بمصافٍ عدة وقنوات فنية وسيادية وتنسيقية، ولا يخرج النص إلا بحالة توافقية بين جميع الأطراف، وهو ما يعني أن النص الذي يخرج قد يكون أضعف مبادرةً ولكنه أكثر اتزاناً في الغالب. والدليل على الجدية في صياغة التشريع هو ما درج عليه المستشار حنفي الجبالي رئيس مجلس النواب السابق من استدعاء المفتي والأزهر وعقد جلسات مغلقة لضمان التوافق الديني والقانوني على النصوص الحساسة، وهو ما يجعل المواطن المنصف يطمئن لا أن يستشيط غضباً.
كيف يمكن للأقلية البرلمانية أن تؤثر فعلاً في التشريع؟
من أبرز ما تعلمته من تجربتي الطويلة أن النائب الذي يريد إحداث أثر حقيقي لا يجب أن يكتفي بإطلاق مقترحاته في الهواء بحثاً عن مشاهدات وتصفيق، بل عليه أن ينسق مع الأطراف المختلفة قبل أن يُعلن مقترحه. والخيار أمام النائب من الأقلية واحد من اثنين: إما أن يُطلق تعديله بصوت عالٍ في القاعة فيُحصّل التصفيق الشعبي على السوشيال ميديا ويفشل في التمرير، وإما أن يخفض من “الإيجو” قليلاً ويتواصل مع مكتب رئيس المجلس والأغلبية والجهات المعنية ويأتي بتعديله معتمداً. والنموذج الأمثل الذي أعتز به هو النائبة إيرين سعيد التي كانت تعمل وفق هذا المنهج الثاني، فتخرج تعديلاتها مقبولة ومؤثرة لأنها تستند إلى تنسيق حقيقي لا إلى مواجهة مفتوحة. وهذا قمة النضج السياسي للمعارضة والأقلية.
وخلال زيارتي للكونجرس الأمريكي ولمجلس العموم البريطاني أكدت لي هذه الحقيقة؛ فالسياسة الناجحة تقوم على التنسيق الصامت بين الكبار بعيداً عن أضواء الكاميرات، ثم تخرج القرارات للعلن وكأنها جاءت في يسر وسلاسة. والخيار بين “الإيجو” والإنجاز هو الاختبار الحقيقي لكل سياسي.

ما تقييمك للخريطة الحزبية الراهنة في مصر؟
لدينا ما يزيد على مائة حزب، وهي خريطة عنكبوتية تفتقر إلى الوضوح والفاعلية. والحزب لا يُعرَّف بورقة تأسيسه، بل بقدرته على التداول السلمي للسلطة وإنتاج كوادر قادرة على الحكم. وحين تسألني أن أسماء خمسة أحزاب من بين المائة، ستجد أن المشهد ينطوي على فائض شكلي وعجز حقيقي في آنٍ معاً.
الأحزاب الفاعلة تحتاج إلى جناحين متكاملين: جناح التنظيم الذي يُنتج النواب والقيادات الشعبية التي تستطيع الوصول إلى الشارع وفهمه وتمثيله، وجناح اللجان النوعية أو الأمانات المتخصصة التي تُنتج الوزراء والمحافظين والتكنوقراط. والعلم يقول لنا ذلك بوضوح: الجمع بين العنصرين الصحيحين ينتج المركب المطلوب، أما الاقتصار على أحدهما فلا يُنتج شيئاً مستداماً.
وأتمنى أن يُختزل المشهد في أربعة أو خمسة أحزاب موالاة تقابلها أحزاب معارضة بالعدد ذاته، تعمل جميعها وفق منهج مؤسسي واضح يتيح التدرج نحو تداول سلمي حقيقي للسلطة، بحيث تقتنع المؤسسات الوطنية الضامنة للاستقرار أن هذا التداول لن يُفضي إلى فوضى أو مغامرة، بل إلى بناء منضبط ومحسوب.
وما رسالتك لحزب العدل المقبل على انتخابات هيئته العليا؟
رسالتي تتضمن محورين: أولهما أن التداول على قيادة الحزب من الداخل ليس ضعفاً بل قوة، وأن النائب عبد المنعم إمام، إن صدق في نيته بعدم الترشح لدورة جديدة بعد هذه الدورة التي نجح فيها مؤخرا، فذلك خطوة في الاتجاه الصحيح. لا يليق بحزب يُنادي بتداول السلطة ألا يمارسه على نفسه أولاً. ويستطيع “إمام” أن يكون الأب الروحي للحزب ورئيسه الشرفي ومرجعيته الفكرية دون أن يتمسك بالكرسي التنفيذي، وهذا النموذج موجود في أحزاب عريقة عديدة.
أما المحور الثاني فهو أن الأداء التكنوقراطي الجيد لن يستدام إلا إذا تُرسّخ في بنية تنظيمية متينة تصل إلى الوحدات الحزبية الأساسية على مستوى الأحياء والقرى والشياخات. الفكر وحده دون تنظيم شعبي راسخ لا يكفي لبناء حزب مؤثر ومستدام. ولحزب العدل رصيد جدير بالبناء عليه، وتحرك ديناميكي في التنسيق مع الأغلبية خلال الانتخابات الماضية أثبت وعياً سياسياً ناضجاً، فليُكمل هذا المسار بتعميق جذوره الشعبية لا بالتوقف عند الإطار النخبوي التكنوقراطي.
في ختام هذا الحوار، ما الذي تراه في أفق مصر القريب؟
التحديات كبيرة لا أنكرها، من أعباء اقتصادية وديون وضغوط إقليمية متلاحقة. لكن ثمة عوامل تطمئنني: مصر لها رصيد دولي راسخ في استحقاق الاهتمام والحرص على استقرارها، وهذا الرصيد ليس صدقة بل هو ثمرة موقع جغرافي استراتيجي وتاريخ حضاري ثقيل ودور إقليمي لا غنى عنه لأي توازن في المنطقة. كما أن مؤسسة القوات المسلحة التي تعاملت معها عن قرب تمثل ضمانة جوهرية في هذه المعادلة، وأثق فيها ثقة كبيرة.
ما يقلقني ليس التحديات في حد ذاتها، بل ردود الفعل على تقديرات خاطئة، وما قد ينتج عنها من قرارات غير محسوبة في ملفات حساسة. ومصر قادرة على تدارك كثير من أوجه الخلل لو أجرت بعض الإصلاحات المتوسطة على أكثر من مستوى في آنٍ واحد. وأرى أن الرئيس قد أشار إلى جملة من هذه الإصلاحات في افتتاح جهاز مستقبل مصر، وأن الحوار الوطني الذي ضم كل المكونات وضع على الطاولة أجندة إصلاحية متكاملة ينتظر المواطن ترجمتها إلى واقع ملموس.
قولاً واحداً: مصر تحتاج إلى إصلاحات سياسية وإلى مراجعة جادة للممارسة النيابية والرقابية، وإلى أخذ مخرجات الحوار الوطني مأخذ الجدية والتطبيق بجدول زمني واضح. ولا بد من عدم التعامل بكبرياء والحرص على مراجعة الذات وتصحيح المسار، وفي ظل هذه العوامل فأنا متفائل بأن الخير قادم، بخاصة أن إنجازات التنمية الهائلة التي شهدتها مصر في السنوات الأخيرة تستحق أن تُحاط بمنظومة سياسية ورقابية وإدارية ترسّخها وتجعلها مستدامة لا مرهونة بشخص أو مرحلة.





