
لم تعد الأزمة الإثيوبية مجرد صراع بين الحكومة والمعارضة، أو مواجهة عابرة بين الدولة وأطراف متمردة، بل تحولت إلى أزمة هيكلية عميقة تمس أسس النظام السياسي الذي نشأ عقب سقوط نظام “منجستو” في 1991، كما أنها تضع مشروع رئيس الوزراء آبي أحمد أمام اختبار مصيري قد يرسم ملامح الدولة الإثيوبية ويحدد مسارها السياسي لعقود مقبلة.
ومع إجراء الانتخابات غدًا الإثنين، تبدو إثيوبيا وكأنها تسير في اتجاهين متناقضين؛ فمن جهة تسعى الحكومة إلى تقديم الانتخابات باعتبارها دليلاً على استمرار المؤسسات الدستورية وقدرة الدولة على إدارة انتقال سياسي مستقر، ومن جهة أخرى تتصاعد مؤشرات الرفض والمقاطعة والتمرد في ثلاثة من أهم أقاليم البلاد “أوروميا وأمهرة وتيجراي”.
المفارقة أن هذه الأقاليم الثلاثة تمثل المكونات الرئيسية للقوة السياسية والعسكرية والديموغرافية في إثيوبيا، ما يجعل أي انتخابات تُجرى في ظل غياب توافقها أقرب إلى محاولة تثبيت سلطة مركزية منها إلى بناء عقد سياسي جديد.

آبي أحمد.. من رمز الإصلاح إلى رئيس محاصر بالأزمات
عندما وصل آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، قدم نفسه باعتباره قائدًا إصلاحيًا يحمل مشروعًا جيدًا لإثيوبيا، فأطلق سراح عدد من المعتقلين السياسيين بينهم شخصيات بارزة من قومية الأورومو، ووقع اتفاق سلام تاريخيًا مع إريتريا أهله للحصول على جائزة نوبل للسلام، غير أن منتقديه يرون أن تلك الخطوات مثلت بداية مشروع لتركيز السلطة أكثر من كونها تحولاً ديمقراطًيا حقيقيًا، إذ سرعان ما دخلت البلاد في دوامة من الصراعات الداخلية، وتراجعت مساحات المعارضة السياسية.
بينما اتهمت حكومته باستخدام القبضة الأمنية والعسكرية في مواجهة الخصوم، وبالنسبة لكثير من معارضيه، فإن صورة الزعيم الإصلاحي التي رُوج لها دوليًا تحولت تدريجيًا إلى نموذج حاكم يسعى إلى احتكار السلطة تحت شعار الحفاظ على وحدة الدولة واستقرارها.
فالحرب في تيجراي، والتمرد في أوروميا، والمواجهات مع فانو في أمهرة، حولت البلاد إلى ساحة صراعات متعددة المستويات، وأعادت صرح السؤال القديم حول قدرة إثيوبيا على البقاء كدولة اتحادية متعددة القوميات، ولهذا ينظر كثير من المعارضين إلى الانتخابات الحالية باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج شرعية سياسية تآكلت بفعل الحروب الداخلية.

أوروميا.. تمرد في قلب المعادلة
تكمن خطورة موقف جيش تحرير أورومو في أن الصراع يدور داخل الإقليم الذي ينتمي إليه آبي أحمد نفسه، فالعديد من أبناء قومية الأورومو كانوا ينظرون إلى وصوله للسلطة باعتباره انتصارًا تاريجيًا بعد عقود من الشعور بالتهميش، لكن العلاقة بين الحكومة وبعض التيارات القومية الأورومية دخلت مرحلة صدام مفتوح.
البيان الأخير الذي أصدره جيش تحرير أورومو ووصف فيه الانتخابات بأنها “جريمة سياسية”، لم يكن مجرد موقف إعلامي، بل إعلان بأن الحركة لا تعترف بشرعية العملية السياسية من أساسها، وعندما تعلن الحركة حظر التنقل في أوروميا خلال فترة الانتخابات؛ فهي ترسل رسالة مزدوجة : الأولى للحكومة بأنها لا تسيطر بالكامل على الإقليم، والثانية للمجتمع الدولي بأن الاستقرار الذي تتحدث عنه أديس أبابا لا يزال هشًا.

أمهرة .. من حليف إلى خصم
إذا كانت أوروميا تمثل أزمة داخل القاعدة الاجتماعية لآبي أحمد، فإن أمهرة تمثل أزمة داخل التحالف السياسي الذي أوصله إلى السلطة، فخلال حرب تيجراي كانت القوى الأمهرية أحد أهم حلفاء الحكومة الفيدرالية، لكن الخلافات حول توزيع النفوذ ومستقبل النظام الفيدرالي أدت إلى انهيار هذا التحالف تدريجيًا، ومن هنا جاءت قوة حركة فانو التي تحولت من مجموعات شعبية مساندة للدولة إلى أحد أبرز التحديات الأمنية أمامها، وتخشي الحكومة أن يؤدي استمرار نفوذ فانوس إلى إضعاف سيطرتها على الإقليم الذي يمثل مركزًا مهمًا للثقل السياسي والعسكري في البلاد.

تيجراي .. السلام الناقص
رغم مرور سنوات على اتفاق بريتوريا الذي وقعت بين أديس أبابا وحركة تحرري تيجراي عقب الحرب الطاحنة بين الطرفين، فإن جذور الأزمة في تيجراي لم تُحل بالكامل، فالمنطقة خرجت من الحرب دون حسم سياسي نهائي، بينما بقيت ملفات إعادة الإعمار وعودة النازحين وترتيبات تقاسم السلطة محل خلاف مستمر، لذلك فإن قرار جبهة تحرير شعب تيجراي، إعادة تفعيل مؤسسات ما قبل الحرب يحمل دلالة تتجاوز الخلاف الإداري، فالرسالة الحقيقية هي أن جزءًا من النخبة التيجراوية لا يزال يرى أن التسوية الحالية غير كافية لضمان مصالح الإقليم، وفي حال فشل الحوار السياسي، فإن احتمالات العودة إلى التوتر ستظل قائمة.
لماذا تثير الانتخابات كل هذا الجدل؟
تكمن المشكلة الأساسية في أن الانتخابات تُجرى بينما تفتقد الدولة شرطًا جوهريًا لأي عملية ديمقراطية ناجحة، وهو الاحتكار الكامل لاستخدام القوة، ففي أوروميا توجد مناطق تنشط فيها قوات جيش تحرير أورومو، وفي أمهرة تستمر عمليات فانو، أما في تيجراي فما زالت آثار الحرب تلقي بظلالها على المشهد السياسي، وبالتالي فإن السؤال المطروح ليس من سيفوز في الانتخابات، بل ما إذا كانت نتائجها ستكون قادرة على إنهاء النزاع حول شرعية السلطة.
البعد الإقليمي
الأزمة الإثيوبية لم تعد شأنًا داخليًا فقط.، فمصر تتابع التطورات في ظل استمرار الخلاف حول سد النهضة، والسودان ينظر بقلق إلى أي اضطراب قد ينعكس على المناطق الحدودية المتنازع عليها، أما إريتريا فتراقب المشهد بحذر بسبب علاقتها المعقدة بتيجراي، وفي القرن الأفريقي عمومًا، يخشى كثير من المراقبين أن يؤدي أي انهيار للاستقرار في إثيوبيا إلى تداعيات إقليمية واسعة، نظرًا لكونها الدولة الأكبر سكانًا والأكثر تأثيرًا في المنطقة.
السيناريو الأخطر
الخطر الحقيقي لا يكمن في فوز آبي أحمد، فذلك يبدو مرجحًا، وإنما في اتساع الفجوة بين الشرعية القانونية التي تمنحها صناديق الاقتراع والشرعية السياسية التي تمنحها القوى الفاعلة على الأرض، فإذا خرجت الانتخابات بنتائج لا تعترف بها قوى أوروميا وأمهرة وتيجراي، فقد تجد الحكومة نفسها أمام مشهد معقد: سلطة قوية دستوريًا، لكنه تواجه معارضة مساحة في أطراف الدولة، وهنا تصبح الانتخابات بداية لأزمة جديدة بدلاً من أن تكون نهاية للأزمة الحالية.
ولهذا يرى العديد من المحللين، أن ما يجري في إثيوبيا اليوم ليس مجرد استحقاق انتخابي، بل معركة حول شكل الدولة نفسها: هل ستنجح أديس أبابا في إعادة بناء سلطة مركزية موحدة، أم أن البلاد تتجه نحو مرحلة طويلة من الصراع بين المركز والأقاليم في واحدة من أكثر دول أفريقيا أهمية وحساسية؟.










