مع ارتفاع معدلات جرائم الأطفال.. هل يتجه المشرع المصري لتعديل قانون عقوبات “الأحداث”؟

العقوبات لمن دون الـ18عام مقيدة بقانون الطفل رغم فجاعة الجرائم

خلال السنوات الأخيرة، شهد المجتمع المصري عددًا من الجرائم الصادمة التي كان أبطالها أطفالًا أو مراهقين لم يبلغوا الثامنة عشرة من العمر، وهو ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات تتعلق بمدى كفاية قانون الطفل المصري في التعامل مع الجرائم الجسيمة التي يرتكبها الأحداث، وحدود التوازن بين حماية الطفل باعتباره قاصرًا يحتاج إلى الرعاية والإصلاح، وبين تحقيق العدالة لضحايا هذه الجرائم وأسرهم.

وهنا يبرز السؤال، هل هناك حاجة لإعادة النظر في سن المسئولية الجنائية أو طبيعة العقوبات والتدابير المطبقة على الأحداث، خاصة أن الجرائم التي يرتكبها بعض الأطفال لم تعد  تُقرأ باعتبارها مجرد تصرفات طائشة أو مشاحنات عابرة يمكن احتواؤها بسهولة، فالمشهد تغير، والوقائع التي تتكرر باتت أكثر قسوة وصدمًا للمجتمع، ومع تصاعد هذه الحوادث، يبرز تساؤل ملح: هل ما زال قانون الطفل المصري قادرًا على مواكبة طبيعة الجرائم الحديثة؟ وهل يحقق التوازن بين حماية الطفل الجاني وضمان العدالة للضحايا، أم أن هناك فراغًا تشريعيًا يفرض إعادة النظر؟

المسئولية الجنائية
كان مساعد وزير الداخلية السابق، اللواء معز الدين السبكي، قد صرح في وقت سابق بأن نحو 7 آلاف طفل يرتكبون جرائم سنويًا، مشيرًا إلى أن معدلات الجريمة بين الأطفال تشهد ارتفاعًا مستمرًا، وبحسب قانون الطفل رقم 126 لسنة 2008، تختص محكمة الطفل بنظر قضايا الأحداث، وتتدرج العقوبات بين التدابير البديلة والإيداع في المؤسسات العقابية، وفقًا للفئة العمرية وطبيعة الجريمة.

ولا تقع المسئولية الجنائية على الطفل قبل بلوغه 12 عامًا، بينما يُعامل الأطفال من سن 12 إلى 15 عامًا عبر تدابير تربوية أو مؤسسية، في حين يمكن الحكم على من تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عامًا بعقوبات سالبة للحرية، مع حظر توقيع عقوبتي الإعدام أو السجن المؤبد عليهم، مهما كانت الجريمة المرتكبة، وذلك لأن في الجرائم الجسيمة التي قد تصل عقوبتها للبالغين إلى الإعدام أو السجن المؤبد، يُستبدل ذلك في قانون الأحداث بعقوبة الحبس والتي غالبًا لا تتجاوز 15 عامًا كحد أقصى.

الطفولة البريئة لم تعد واقعًا مسلمًا به
بين القتل والاغتصاب، شهدنا على مدار السنوات الماضية جرائم متعددة والتي أكدت أن مططلح “براءة الطفولة” لم يعد واقعًا مسلمًا به.

ففي محافظة الشرقية وتحديدا في مطلع شهر أبريل من العام الحالي، تم العثور على جثمان الطفلة مريم صابر، 14 عامًا، طالبة بالصف الثاني الإعدادي، مقيمة بقرية مشتول القاضي التابعة لدائرة المركز، داخل منزل مجاور لمسكن أسرتها.

وتبين من التحريات التي أجراها ضباط مباحث مركز الزقازيق، أن وراء ارتكاب الواقعة جارتها “سلمى م.” 17 عامًا، طالبة بالصف الثاني الثانوي العام، وشقيقها” عبدالله “طالب بالصف الثالث الإعدادي، حيث قاما باستدراج المجني عليها إلى داخل المنزل، ثم خنقها بقصد سرقة هاتفها المحمول وقرطها الذهبي، وأوضحت التحريات أن المتهمين تركا الجثمان داخل المنزل بعد فشل محاولتهما التخلص منه لإخفاء معالم الجريمة وإبعاد الشبهة عنهما.

جريمة هزّت مصر.. طفل يقتل صديقه ويشوه جثمانه

شهدت محافظة الإسماعيلية جريمة أخرى هزت الشارع المصري بأكمله، حيث أقدم مراهق لم يتجاوز الـ13 من عمره على قتل زميله في المدرسة، ثم قام بتقطيع جثمانه إلى أشلاء باستخدام منشار كهربائي، حيث استدرج الطفل الجاني زميله إلى منزل أسرته في غياب والديه، ثم اعتدى عليه بالضرب حتى فارق الحياة، قبل أن يُحضر منشار والده الكهربائي، ويشرع في تقطيع الجثة إلى أشلاء بعد مشادة كلامية بينهما في المدرسة متأثرًا بمشاهد شاهدها في أحد المسلسلات العنيفة وألعاب الفيديو الإلكترونية.

قضية أيسل.. اغتصاب وقتل

قضية الطفلة أيسل “7 سنوات” تعود لصيف عام 2023 في إحدى قرى السياحية بالعين السخنة، حيث أقدم طالب 15 عاما على استدراج الطفلة داخل حمام السباحة، والاعتداء عليها جنسيًا تحت الماء، مما أدى لإصابتها بسكتة قلبية ووفاتها، وحكمت المحكمة بمعاقبة الطفل المتهم بالسجن 15 عامًا، وهي أقصى عقوبة يقرها قانون الطفل المصري لمن هم دون 18 عاما.

 تسبب الحكم في إثارة موجة غضب وتصدر التريند، حيث ناشدت والدة أيسل الجهات المختصة ورئيس الجمهورية بتعديل قانون الطفل لتشديد العقوبات في قضايا الاعتداء على الأطفال وإقرار عقوبة الإعدام في مثل هذه الجرائم، وما زالت والدة أيسل تكتب منشورات تعبر عن مزيد من الحزن والقهر، بسبب اعتراضها على الحكم الذي لم يشفي غليلها، وهناك العديد من الجرائم التي ارتكبها أطفال ضد أطفال مثلهم وظل ذويهم يبكون بحرقة بسبب عدم عدالة قانون الأحداث من وجهة نظرهم

الإصلاح لا العقاب
ورغم أن قانون الطفل المصري يقوم في الأساس على فلسفة الحماية والإصلاح لا العقاب، فإن تصاعد الجرائم العنيفة التي يرتكبها بعض الأطفال أعاد فتح باب الجدل حول مدى ملاءمة التشريعات الحالية لطبيعة هذه الجرائم، وما إذا كانت هناك حاجة إلى تعديل سن المسؤولية الجنائية أو إعادة النظر في قانون الأحداث بما يحقق التوازن بين حماية الطفل وضمان حقوق الضحايا وأسرهم.

وفي إطار هذا الطرح، استطلع “ليبرالي” آراء عدد من القانونيين والمتخصصين في علم النفس والاجتماع، للوقوف على أسباب تنامي هذه الجرائم، ومدى كفاية القانون الحالي في التعامل معها، وما إذا كان الحل يكمن في تعديل التشريعات أم في معالجة الأسباب المجتمعية والتربوية التي تقف خلف هذه النوعية من الجرائم.

الأسرة والمدرسة أولًا.. رؤية نفسية لمواجهة جرائم الأحداث

قال الدكتور علي سالم، أستاذ مساعد علم النفس الاجتماعي بجامعة العاصمة، إن ظاهرة العنف والسلوكيات المنفلتة بين الأطفال والشباب انتشرت بصورة كبيرة خلال الفترة الأخيرة، وهو ما جعلها محل اهتمام وتسليط للضوء باعتبارها ظاهرة مجتمعية تستحق الدراسة والتحليل.

وأوضح في تصريحاته لـ”ليبرالي” أن هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، وإنما هي نتاج مجموعة من العوامل المتراكمة، يأتي في مقدمتها تراجع دور الأسرة بشكل كبير، مشيرًا إلى أن هذا التراجع يشمل عدة جوانب، أهمها الجانب الأخلاقي، حيث لم تعد الأسرة، ولا مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى مثل المسجد والكنيسة ووسائل الإعلام وجماعة الرفاق، تقوم بالدور الطبيعي المنوط بها في تقويم السلوك وتهذيبه وتعزيز السلوكيات الإيجابية.

وسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى الإعلامي في دائرة الاتهام
وأضاف “سالم” أن دور الأسرة في التربية والتهذيب شهد تراجعًا واضحًا، كما غاب دور المدرسة التربوي، في حين تراجع تأثير المؤسسات الدينية إلى حد ما بسبب وجود فجوة بين رسالتها ورسالة الجيل الحالي، أما الإعلام فله نصيب كبير من المسئولية، مؤكدًا أن وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية تلعب دورًا بالغ التأثير في زيادة معدلات العنف لدى الأطفال.

وأشار إلى حادثة شهيرة وقعت قبل فترة ليست بعيدة، عندما أقدم طفل على قتل صديقه وتقطيع جثمانه ودفنه، قبل أن تكشف التحقيقات أن الجاني طفل تعلم هذا السلوك من لعبة إلكترونية أو من مشاهد رآها في أحد الأفلام، ولفت إلى أن نظرية التعلم الاجتماعي تؤكد أن السلوك العدواني يُكتسب من خلال المشاهدة والتقليد، تمامًا كما تُكتسب السلوكيات الإيجابية، موضحًا أن الأطفال يتأثرون بدرجة كبيرة بما يُعرض أمامهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الألعاب الإلكترونية أو حتى شاشة التلفزيون.

وفيما يتعلق بالمطالبات بتغليظ العقوبات أو خفض سن المسئولية الجنائية لتحقيق الردع المجتمعي، أكد الدكتور علي سالم أن ذلك ليس الحل الحقيقي للمشكلة، موضحًا أن الجرائم يرتكبها الأطفال وغير الأطفال على حد سواء، وبالتالي فإن القضية أعمق من مجرد تشديد العقوبات.

الوعي .. لا العقاب
وأضاف أن الردع المجتمعي والردع القانوني يمثلان عاملين مؤثرين ومهمين، إلا أن العنصر الأهم يظل الوعي، ثم الوعي، ثم الوعي، مشددًا على أهمية تدريس مواد خاصة بالأخلاقيات، وعودة المدرسة إلى أداء دورها التربوي قبل التعليمي، واستعادة الأسرة لدورها في غرس القيم، إلى جانب فرض رقابة حقيقية على المحتوى الإعلامي والتلفزيوني المقدم للأطفال والشباب.

وأكد أن مواجهة السلوكيات المنفلتة لا تقتصر على الجرائم فقط، بل تمتد إلى ظواهر أخرى مثل الإدمان والمخدرات والاعتداءات والتحرش وغيرها من المشكلات التي يشهدها المجتمع، موضحًا أن هذه الظواهر ليست نتيجة وجود طفل غير مُربّى أو غياب الردع القانوني فحسب، وإنما تعكس إخفاق مؤسسات التنشئة الاجتماعية في أداء دورها الأساسي.

وأشار إلى أن مؤسسات التنشئة تبدأ بالأسرة باعتبارها أول صورة مصغرة للمجتمع يتعامل معها الطفل، تليها المدرسة التي تكمل أي قصور في دور الأسرة من خلال الجمع بين التربية والتعليم، ثم يأتي دور المسجد والكنيسة اللذين يعززان ما تلقاه الطفل من تربية وتعليم بالقيم الدينية والأخلاقية، إلى جانب جماعات الأصدقاء والرفاق التي يتعين الاهتمام باختيارها بعناية نظرًا لتأثيرها الكبير في تشكيل السلوك.

وشدد على أهمية فرض ضوابط على ما يُعرض عبر وسائل التواصل الاجتماعي وما يتعرض له الأطفال من محتوى رقمي، بالإضافة إلى ضرورة تطوير المحتوى التلفزيوني ليكون متوافقًا مع قيم المجتمع وعاداته وتقاليده، وفي الوقت نفسه قادرًا على مخاطبة الجيل الحالي بلغة العصر.

تفعيل مؤسسات التنشئة هو الحل
وأكد الدكتور علي سالم أن تفعيل أدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية كافة من شأنه أن يسهم بصورة فعالة في محاصرة السلوكيات المنفلتة بمختلف أشكالها، وليس فقط السلوكيات الإجرامية والمنحرفة، معتبرًا أن هذه هي الرؤية الأشمل والأكثر فاعلية في مواجهة الظاهرة على المدى الطويل.

الردع بتشديد العقوبات

وقال الدكتور أيمن أبو العلا عضو مجلس النواب السابق، أن الحديث عن خفض سن الطفولة أو التعامل مع الأطفال المتهمين في بعض الجرائم تتعارض مع المواثيق الدولية التي وقّعت عليها مصر، وكذلك مع الدستور المصري الذي يحدد سن الطفولة بثمانية عشر عامًا.

وأوضح لـ”ليبرالي” أن الحل لا يكمن في خفض سن الطفولة أو اللجوء إلى عقوبة الإعدام، وإنما في تغليظ العقوبات قدر الإمكان بما يحقق الردع المطلوب، مؤكدًا أن العقوبات الحالية التي قد تصل إلى خمسة عشر عامًا تُعد عقوبات قاسية ورادعة وليست ضعيفة.

تعزيز الوعي المجتمعي
وأضاف أن الأهم من تشديد العقوبات هو تعزيز الوعي المجتمعي من خلال الأسرة والمدرسة والمؤسسات التعليمية المختلفة، والعمل على استعادة وترسيخ الثوابت الأخلاقية والقيم المصرية الأصيلة، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة الجريمة.

وأشار “أبو العلا” إلى أن موقفه السابق لم يكن يتعلق بخفض سن الطفولة، وإنما بخفض سن الرشد فيما يخص إدارة الأموال والميراث، موضحًا أن القوانين الحالية تجعل بعض الأقارب مسؤولين عن إدارة أموال القُصَّر الأيتام حتى بلوغهم سن الحادية والعشرين، بينما أصبح الشباب في الوقت الراهن أكثر قدرة على إدارة أموالهم وتحمل المسؤولية اعتبارًا من سن الثامنة عشرة.

وسائل ردع ووقاية
وشدد على أن سن الطفولة مسألة دستورية ومنصوص عليها في المواثيق الدولية، ولا يمكن المساس بها، مؤكدًا أن الجرائم البشعة التي شهدتها الفترة الماضية، ومنها جرائم القتل والاغتصاب، لا ينبغي أن تدفع إلى المساس بالمبادئ الدستورية الخاصة بالطفولة، بل تستدعي البحث عن وسائل أكثر فاعلية للردع والوقاية، وفي مقدمتها التوعية المجتمعية والتربية السليمة إلى جانب تشديد العقوبات.

مقترح تغليظ عقوبات بعض الأحداث

قال الخبير القانوني الدكتور هيكل الراوي، إن سن الطفولة المحدد بثمانية عشر عامًا يرتبط بالتزامات دستورية ومواثيق دولية تلتزم بها الدولة المصرية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل وقانون الطفل المصري، ومع ذلك، فإن هذه الالتزامات لا تمنع المشرع من إعادة النظر في نطاق المسؤولية الجنائية والعقوبات المقررة لبعض الفئات العمرية من الأحداث، خاصة في الجرائم الجسيمة.

وأوضح “الراوي” أن عددًا من الدول اتجه إلى حلول تشريعية بديلة، فلم تُغيِر سن الطفولة، لكنها خفَّضت سن المسؤولية الجنائية أو شددت العقوبات المطبقة على الأحداث الذين يرتكبون جرائم بالغة الخطورة بعد بلوغهم 16 عامًا، مع استمرار حظر تطبيق عقوبتي الإعدام والسجن المؤبد عليهم التزامًا بالمعايير الدولية.

وأضاف أن من الممكن دراسة تعديل تشريعي في مصر يستهدف الفئة العمرية من ستة عشر إلى أقل من ثمانية عشر عامًا، بحيث تُشدد العقوبات المقررة على مرتكبي الجرائم الخطيرة، كجرائم القتل العمد وغيرها من الجرائم الجسيمة، من خلال رفع الحد الأقصى لعقوبة السجن المشدد المقررة لهم، بما يحقق قدرًا أكبر من الردع والتناسب بين الجريمة والعقوبة، بما يحقق إثلاج صدور أهل القتيل والرأي العام.

التوازن بين الردع وحماية الأحداث
وأشار إلى أنه سبق أن طرح هذا المقترح في إطار نقاشات تشريعية وقدمه إلى أحد أعضاء مجلس النواب، إلا أنه لم يتخذ مسارًا تشريعيًا حتى الآن، مؤكدًا أن الهدف من الفكرة هو تحقيق التوازن بين متطلبات العدالة الجنائية وحماية المجتمع من ناحية، والالتزام بالضمانات المقررة للأطفال والأحداث من ناحية أخرى.

تكشف الآراء التي رصدناها أن الجدل الدائر حول جرائم الأحداث لا يتعلق فقط بحجم العقوبة أو سن المسؤولية الجنائية، وإنما يمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بأسباب الجريمة ذاتها وكيفية الوقاية منها.

فبينما يرى البعض أن تصاعد الجرائم العنيفة يستدعي إعادة النظر في العقوبات المقررة لبعض الفئات العمرية من الأحداث، يؤكد آخرون أن المشكلة الحقيقية تكمن في تراجع أدوار الأسرة والمدرسة والمؤسسات المعنية بالتنشئة الاجتماعية، وأن أي تعديل تشريعي لن يكون كافيًا بمفرده ما لم يصاحبه جهد مجتمعي وتربوي واسع.

وفي إطار هذا الحديث يبقى السؤال مطروحًا: هل تحتاج مصر إلى تعديل قانون الطفل، أم أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة الأسباب التي تدفع بعض الأطفال إلى ارتكاب الجريمة من الأساس؟.