
لم يكن الإنفاق على البحث العلمي والمشاركة في التجمعات الأكاديمية العالمية ترفًا أو رفاهية في يومٍ من الأيام، كما تؤكد الجارب الدولية، بل إن الواقع يشير بما لا مجال لشكٍ فيه أن البحث العلمي استثمار لتحقيق عائدات علمية تترجم إلى عوائد اقتصادية لاحقًا، ويمتد دور المؤتمرات العلمية الدولية لكونها الساحة الأساسية لنقل التكنولوجيا الحديثة، وتوطين المعرفة، وبناء الشراكات بين الجامعات ومؤسسات الصناعة.
ورغم أن قرارات التقشف الأخيرة الصادرة عن رئاسة مجلس الوزراء جاءت بهدف ضبط الموازنة العامة وتحجيم النفقات المباشرة، إلا أن تقييد مشاركة الأساتذة في المؤتمرات الدولية يترتب عليه خسائر اقتصادية أكبر، تتلخص في تراجع الابتكار وفقدان فرص التمويل الدولي والمنح البحثية المشتركة.
وتبلغ مخصصات التعليم العالي والبحث العلمي، في موازنة العام المالي (2025-2026) 135 مليار جنيه، منها 128 مليارًا للتعليم العالي، و7 مليارات جنيه للبحث العلمي.

ترشيد كافة أعمال السفر خارج البلاد إلا للضرورة القصوى
قرار رئيس الوزراء بترشيد الإنفاق وتقييد حركة السفر العلمي، كان محل تطبيق على أرض الواقع، وفقًا لما كشف عنه الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الزراعة والموارد المائية بـكلية الزراعة بجامعة القاهرة، وعرض تفاصيل أزمة مشاركته في المؤتمر العلمي العالمي لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، المقرر عقده في الدنمارك خلال شهر سبتمبر المقبل.
وأوضح نور الدين، أن بحثه العلمي قُبل للمشاركة في المؤتمر، إلا أن الجامعة لم تتمكن في البداية من توفير نحو 1500 دولار لتغطية نفقات السفر والإقامة، مشيرًا إلى أن ذلك يرجع إلى قرار صادر عن رئيس مجلس الوزراء بوقف مساهمة الجامعات في تمويل سفر أعضاء هيئة التدريس للمشاركة في المؤتمرات العلمية الدولية، في إطار ترشيد النفقات.
وفي مارس الماضي، أصدر رئيس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، قرارًا رقم 932 لسنة 2026، بشأن ضوابط وأوجه ترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلة فى الموازنة العامة للدولة والهيئات العامة الاقتصادية، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، وترشيد كافة أعمال السفر خارج البلاد إلا للضرورة القصوى وبعد موافقة رئيس مجلس الوزراء أو في حالة تحمل الجهة الداعية لجميع تكاليف السفر وبعد موافقة السلطة المختصة.

عدم وجود رعاة لدعم الجامعات المصرية
وأضاف أستاذ الزراعة، أنه سبق أن تحمل من ماله الخاص تكاليف المشاركة في المؤتمر السابق الذي نظمته منظمة الأغذية والزراعة، مؤكدًا أن تلك النفقات استنفدت مكافأة نهاية خدمته، متسائلًا عن أسباب عدم وجود رعاة لدعم الجامعات المصرية في تمويل مشاركة الباحثين بالمحافل العلمية الدولية، على غرار ما هو مطبق في العديد من الجامعات العالمية.
ودعا نور الدين إلى إنشاء صندوق لدعم مشاركة أعضاء هيئة التدريس في المؤتمرات الدولية، بمساهمة البنوك وشركات الطيران والشركات الاستثمارية ورجال الأعمال، بما يسهم في تعزيز الحضور العلمي المصري ورفع اسم مصر في المحافل الدولية.
إلا أن شكوى نور الدين تداولت على نطاق واسع، عبر نشرها على حسابه الشخصي على الفيسبوك، وسرعان ما جاء الحل سريعًا، وفقًا لما أعلنه الدكتور نادر نور الدين نفسه، عبر تلقيه اتصالًا هاتفيًا من رئيس جامعة القاهرة، الدكتور محمد سامي عبد الصادق، وأبلغه بأن الجامعة ستتولى إنهاء إجراءات مشاركته، مشددًا على أن الجامعة لن تسمح بحرمان أي باحث متميز من عرض أبحاثه في المؤتمرات الدولية وتمثيل مصر علميًا.

يُهدد مكانة مصر البحثية
ترشيد النفقات سيكون محل تكرار الأزمة، ومنع سفر أساتذة الجامعات لاحقًا، ما دفع عدد من نواب البرلمان للدخل، حيث تقدم النائب حسين غيته، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم العالي والبحث العلمي ووزير المالية، بشأن ضعف مخصصات البحث العلمي، وعجز الجامعات عن تمويل مشاركة الباحثين المصريين في المؤتمرات العلمية الدولية، بما يهدد مكانة مصر البحثية ويُهدر عقولها وكفاءاتها.
أكد غيته أن الحديث عن البحث العلمي لم يعد ترفًا أكاديميًا، وإنما أصبح قضية أمن قومي وتنمية اقتصادية، فالدول التي تمتلك المعرفة هي التي تمتلك الاقتصاد، وهي التي تقود الصناعة والزراعة والدواء والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بينما تظل الدول التي تهمل البحث العلمي مجرد أسواق لاستهلاك ما ينتجه الآخرون.
وأضاف عضو مجلس النواب، أن الواقع المصري يكشف عامًا بعد آخر عن استمرار ضعف الإنفاق على البحث العلمي، والتأكيد على أن مخصصات التعليم والبحث العلمي لا تزال غير كافية لتحقيق أي طفرة حقيقية، وأن استمرار هذا النهج ستكون له آثار مباشرة على جودة التعليم الجامعي، وقدرة الباحثين المصريين على المنافسة الدولية، ومستقبل الاقتصاد الوطني القائم على المعرفة.

كيف حال الجامعات الإقليمية؟!
وأوضح غيته، أن الأزمة تجسدت بصورة صادمة فيما أعلنه الدكتور نادر نور الدين، أستاذ جامعة القاهرة، والذي كشف عن تعثر مشاركته في مؤتمر علمي عالمي تنظمه منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) في الدنمارك خلال شهر سبتمبر المقبل، رغم قبول بحثه العلمي للمشاركة، وذلك بسبب عدم قدرة الجامعة على تحمل تكاليف السفر والإقامة.
وتساءل إذا كانت واحدة من أكبر الجامعات المصرية غير قادرة على توفير تكلفة مشاركة أحد أساتذتها في مؤتمر علمي دولي بعد قبول بحثه، فكيف يكون حال الجامعات الإقليمية، أو الباحثين الشباب، أو المعيدين، أو طلاب الدراسات العليا؟
وأشار إلي أن الأمر لا يتعلق بحالة فردية، وإنما يكشف عن خلل هيكلي في فلسفة تمويل البحث العلمي في مصر، حيث أصبح الباحث مطالبًا بأن ينتج بحثًا ينافس عالميًا، ثم يتحمل بنفسه تكلفة السفر والإقامة ورسوم المشاركة، وكأن الدولة لا ترى في مشاركته أي قيمة علمية أو اقتصادية أو استراتيجية.

صرف ملايين الجنيهات مكافآت للأنشطة الرياضية والبطولات المختلفة
وأضاف أن الأخطر من ذلك أن المؤتمرات العلمية الدولية لم تعد مجرد لقاءات أكاديمية، وإنما أصبحت منصات لتبادل التكنولوجيا، وعقد الشراكات البحثية، وجذب التمويل الدولي، وتسجيل براءات الاختراع، وربط الجامعات بالصناعة، وتكوين شبكات تعاون بين الباحثين والمؤسسات العلمية حول العالم. وبالتالي فإن حرمان الباحث المصري من المشاركة فيها لا يمثل خسارة شخصية له، وإنما خسارة مباشرة للدولة المصرية ولجامعاتها ولمكانتها العلمية.
ولفت إلى وجود مفارقة واضحة للجميع، ففي الوقت الذي تنفق فيه الدولة، إلى جانب مؤسسات ورجال أعمال وشركات القطاع الخاص، ملايين الجنيهات في صورة مكافآت وحوافز وهدايا للأنشطة الرياضية والبطولات المختلفة، وهو أمر نحترمه ونقدره باعتبار الرياضة قوة ناعمة مهمة، فإننا لا نجد الاهتمام ذاته بالبحث العلمي، ولا توجد مبادرات مماثلة لدعم الباحثين المصريين أو تمويل مشاركاتهم في المؤتمرات الدولية أو تشجيع الأبحاث التطبيقية ذات العائد الاقتصادي، كما أن استمرار ضعف التمويل يدفع كثيرًا من الباحثين المتميزين إلى البحث عن فرص خارج مصر، أو الانضمام إلى جامعات ومراكز أبحاث أجنبية توفر لهم الإمكانات اللازمة، وهو ما يمثل استنزافًا مستمرًا للعقول المصرية التي أنفقت الدولة سنوات طويلة في تعليمها وتأهيلها.
وأوضح أن القضية المطروحة ليست قضية سفر باحث إلى مؤتمر، وإنما قضية تتعلق بفلسفة الدولة تجاه البحث العلمي، ومدى إدراك الحكومة أن الاستثمار الحقيقي ليس فقط في الخرسانة والإنشاءات، وإنما أيضًا في الإنسان والعلم والمعرفة.

خطة عاجلة لزيادة مخصصات البحث العلمي
وطالب الحكومة بالإعلان عن خطة عاجلة لزيادة مخصصات البحث العلمي بالموازنة العامة للدولة، بما يضمن توفير التمويل اللازم للأبحاث العلمية، ودعم مشاركة الباحثين وأعضاء هيئة التدريس في المؤتمرات والمحافل العلمية الدولية.
وفي السياق ذاته، تقدمت النائبة فاطمة عادل، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم العالي والبحث العلمي، بشأن تداعيات وقف دعم مشاركة الباحثين وأعضاء هيئة التدريس في المؤتمرات والمحافل العلمية الدولية، وما يمثله ذلك من تأثير سلبي على تنافسية البحث العلمي المصري وتصنيف الجامعات.
وأوضحت النائبة، أن قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 932 لسنة 2026 الخاص بضوابط ترشيد الإنفاق العام ترتب عليه وقف مساهمة الجامعات في تحمل نفقات سفر الباحثين للمشاركة في المؤتمرات العلمية بالخارج، مؤكدة أن البحث العلمي لا يمكن اعتباره بندًا قابلًا للتقليص، لما يمثله من ركيزة أساسية في تطوير الجامعات وتعزيز مكانة مصر في التصنيفات الدولية.

أولويات الترشيد ومدى اتساقها مع أهداف الدولة
وأكدت أن المشاركة في المؤتمرات الدولية تعد إحدى أهم وسائل نشر الأبحاث العلمية، وبناء الشراكات الأكاديمية، وجذب التمويل البحثي، فضلًا عن دورها في رفع تصنيف الجامعات المصرية وتعزيز حضورها على الساحة العلمية العالمية، مشيرة إلى أن الجامعات المصرية تواجه بالفعل تحديات تتعلق بمعايير البحث العلمي والتدويل.
وأشارت فاطمة عادل إلى أن سياسات ترشيد الإنفاق طالت أيضًا عددًا من الأنشطة الثقافية والعلمية، في الوقت الذي تستمر فيه إقامة فعاليات حكومية مختلفة، ما يطرح تساؤلات حول أولويات الترشيد ومدى اتساقها مع أهداف الدولة في دعم القوة الناعمة وتعزيز الحضور المصري على المستويين العلمي والثقافي.
وشددت على أن تقليص الإنفاق على مشاركة الباحثين في المؤتمرات الدولية ينعكس سلبًا على فرص التعاون العلمي ونقل الخبرات، ويؤثر على قدرة الجامعات المصرية على المنافسة إقليميًا ودوليًا، مؤكدة أن الاستثمار في البحث العلمي يمثل استثمارًا في التنمية والاقتصاد والمعرفة.
وطالبت النائبة بإحالة طلب الإحاطة إلى اللجنة المختصة بمجلس النواب، لمناقشة أثر سياسات ترشيد الإنفاق على تمويل مشاركة الباحثين وأعضاء هيئة التدريس في المؤتمرات العلمية الدولية، ومدى توافق تلك السياسات مع مستهدفات الدولة في دعم البحث العلمي، وتعزيز تنافسية الجامعات المصرية على المستوى الدولي.






