
أكد وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيجسيث، في حوار “شانجريلا” -الذي عُقد بسنغافورة هذا العام، وهو اجتماع سنوي ينظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن لمسئولي الدفاع والخبراء- أن الولايات المتحدة لا تتخلى عن حلفاؤها في آسيا، بل وتتوقع منهم تعزيز قدراتهم الدفاعية، مشيرًا إلى خطر الحشد العسكري الصيني في المنطقة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة تسعى لتجنب أي مواجهة غير ضرورية.
وسعى “هيجسيث” إلى إقناع حلفاء الولايات المتحدة بأن التزام الصمت بشأن تايوان هو أفضل وسيلة لإظهار القوة الأمريكية، ما جعل “هيجسيث” أول وزير دفاع أمريكي منذ أكثر من عقد يتجنب ذكر تايوان خلال خطاب استمر نحو 30 دقيقة في حوار “شانجريلا” السنوي الممتد منذ 23 عامًا، معلنًا أن عهد الغضب الاستعراضي قد ولى، وأن السياسة التي يجب أن تتبع تجاه المنطقة هي سياسة قوية وهادئة وواضحة، واصفًا العلاقات مع بكين بأنها أفضل مما كانت عليه منذ سنوات عديدة، ما يجعل ذلك الحديث في الواقت الراهن انتصارًا للرئيس الصيني شي جين بينج.

تغير لهجة واشنطن
تأتي اللهجة الأكثر اعتدالا في تناقض صارخ لما صرح بيه “هيجسيث” قبل عام، حيث وصف بكين مرارًا وتكرارًا بـ”الصين الشيوعية”، وصرح صراحةً بأن غزو تايوان سيؤدي إلى عواقب وخيمة على منطقة المحيطين الهندي والهادئ والعالم أجمع، وذلك بعد أسابيع من تحذيرات “شي” لـ”ترامب” في بكين من سوء التعامل مع قضية تايوان والذي قد يؤدي إلى مواجهات بين القوتين، وقد أشار “هيجسيث” إلى القلق المبرر إزاء التوسع العسكري الصيني، وأثنى على جميع الدول الآسيوية لزيادة إنفاقها الدفاعي، إلا أن لهجته العامة أظهرت الرغبة في تجنب التوترات مع الصين.
واستمر “هيجسيث” في تصريحاته للصحفيين أثناء مغادرته سنغافورة السبت الماضي، مؤكدًا أن السياسة الأمريكية تجاه تايوان لم تتغير، مضيفًا أن التغير الوحيد الذي سيلاحظ هو طريقة الحديث، فعلى الولايات المتحدة أن تتحدث “بهدوء مع حمل عصا غليظة”، ويمكن ربط تلك العبارة بالرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت الذي أطلق مشروع قناة بنما وسعى إلى منع القوى الأوروبية من التدخل في أمريكا اللاتينية، واستعرض القوة العسكرية والدبلوماسية الأمريكية في كل من أوروبا وآسيا.
ويعد خطاب “هيجسيث” أحد اهم الاختبارات لمدى ثبات السياسة الأمريكية تجاه تايوان على أرض الواقع، خصوصًا صفقة الأسلحة المتعثرة والتي تبلغ قيمتها 14 مليار دولار، والتي وصفها “ترامب” بأنها ورقة مساومة عقب لقائه مع شي جين بينج، وهو تصريح يعد خرقًا لعقود من الأعراف الدبلوماسية، وتهرب “هيجيسيث” من الإجابة على سؤال حول ما إذا كانت صفقة الأسلحة ستبرم.
حيث لا تعترف الولايات المتحدة رسميًا بالجزيرة الديمقراطية، لكنها تتبع سياسة “الغموض الاستراتيجي” بهدف إبقاء الصين في حيرة من أمرها بشأن ما إذا كانت أمريكا ستتدخل لحماية الجزيرة من أي هجوم.

رد تايوان
صرح وزير الدفاع التايواني، ويلينجتون كو، للصحفيين السبت الماضي، بأن خطاب “هيجسيث” ركز بشكل عام على حماية السلام والاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ “الأندو- باسيفك”، وأضاف أن تايوان ستواصل تعزيز قدراتها الدفاعية والمحافظة على صلات وثيقة مع الولايات المتحدة.

تحرك بكين
يأتي نهج واشنطن الكثر هدوءًا تجاه تايوان، في الوقت الذي يصعد فيه الرئيس الصيني شي جين بينج، من جهوده لعزل زعيم تايوان، وقد مارست الصين ضغوضًا في أبريل الماضي على ثلاث دول أفريقية لمنع الرئيس لاي تشينج تي من استخدام مجالها الجوي، في خطوة نادرة لمنعه من السفر إلى الخارج، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن بكين طردت أحد صحفييها في فبراير الماضي بسبب مقابلة أجرتها الصحيفة مع “لايتشينج” قبل عدة أشهر.

الصين في حوار “شانجريلا”
رغم تغيب كبير الدبلوماسيين العسكريين في بكين عن حوار “شانجريلا” للعام الثاني على التوالي، أعرب المندوبون الصينيون عن ارتياحهم لعدم تحول الحوار إلى ساحة لتصعيد التوترات بين الولايات المتحدة والصين كما كان الحال في الأعوام الماضية.
ويمكن وصف استخدام “هيجسيث” عبارة الاستقرار الاستراتيجي البناء التي أقرتها بكين لوصف العلاقات الصينية الأمريكية بأنها جديرة بالثناء، إلا أن استخدام هيجسيث عبارة روزفلت “العصا الغليظة” تحمل دلالة واضحة على تدخل واشنطن في الشؤون الآسيوية، فعلى الرغم من تصريح واشنطن باستقرار العلاقات مع بكين إلا أنها تسعى لحث دول المنطقة على زيادة الإنفاق العسكري لمواجهة الصين.

انتقادات اليابان والفلبين
انتقد وزير الدفاع الياباني، شينجرو كويزومي، الأحد الماضي، بكين أنه من الغريب أن تتهم دولة تمتلك ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية اليابان بالـ”نزعة عسكرية جديدة”، وطلب وزير الدفاع الياباني كويزومي من “هيجسيث” التطرق إلى المخاوف بشأن التزام الولايات المتحدة خلال حوار شانغريلا يوم السبت الماضي، وقال شينجيرو كويزومي، إن بعض الدول قد تقلل من شأنهذا المستوى من الالتزام، وقد ترغب في زرع الفتنة بين الولايات المتحدة وحلفائها.
بينما وصف وزير الدفاع الفليبني، جيلبرتو تيودورو، في مقابلة مع تليفزيون بلومبيرج السبت الماضي، أن اليابان والفليبن وتايوان بأنهم جزء من مسعى تقارب يجمعهم هدف مشترك، واقترح أن يلجأ سكان تايوان إلى بلاده في حال أي غزو عسكري من جانب الصين.
وعلى الرغم من أن بكين لا تظهر أي مؤشرات على أي عمل عسكري وشيك، صرح الرئيس فريناند ماركوس الابن هذا الشهر بأن الفلبين ستتدخل على الأرجح في أي نزاع، نظرًا لقربها من تايوان. وجاءت تصريحات الرئيس الفليبني قبل أيام من سفره إلى اليابان لحضور قمة مع رئيسة الوزراء اليابانية سنايا تاكايتشي والتي أغضبت الصين في نوفمبر الماضي بتصريحات مماثلة.
كما عززت القوات الأمريكية تعاونها في الفلبين واليابان اللتين تستضيفان قوات أمريكية في قواعد عسكرية على حدود تايوان، كما أجرت الثلاث دول مناورات مشتركة حيث أرسلت طوكيو قوات قتالية للمشاركة لأول مرة في تاريخها بعد الحرب العالمية الثانية.
ولطالما كانت الصين حذرة من محاولات الولايات المتحدة تشكيل نسخة من حلف الناتو في المحيط الهادئ، ورغم إشادة هيجسيث بالحلفاء الآسيويين بما فيهم كوريا الجنوبية واليابان وأستراليا لجهودهم المتزايدة لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، إلا أنه تجنب تسليط الضوء على الميزانية العسكرية الخاصة التى أقرتها تايوان والبالغة 25 مليار دولار والتي سيخصص منها 14 مليار دولار لشراء صفقة أسلحة أمريكية.

ما بين تايبيه وطهران
أثار أحد المشاركين في الحوار مسألة قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بصفقات الأسلحة مع شركائها بعد تعليق حزمة مساعدات بقيمة 14 مليار دولار لتايوان بهدف الحفاظ على الذخائر للحرب في إيران، وقال “هيجسيث” إنه سيفصل تمامًا بين القضيتين، مؤكدًا أن الولايات المتحدة في وضع ممتاز وقوي للغاية من حيث مخزونها الإجمالي من الذخائر وقدرتها على إنتاج المزيد عند الحاجة.
وشدد “هيجسيث” في خطابه على نهج الولايات المتحدة القوي والهادئ والواضح تجاه المنطقة، وقدرتها على استخدام القوة مع التحدث بهدوء، وأكد أن جوهر هذا النهج يكمن في توفير المزيد من الأسلحة، بدلا من الخطابات العالمية الجوفاء حول النظام الدولي القائم على القواعد.
وأضاف “هيجسيث” أننا لسنا بحاجة إلى المزيد من المؤتمرات، بل إلى المزيد من القدرات القتالية، بل نحتاج إلى تقليل حوار شانجريلا، وزيادة عدد السفن والغواصات، وجاءت تصريحاته بعد ساعات من دعوة الرئيس الفيتنامي، تو لام، في كلمته الرئيسية في قمة الدفاع، إلى مزيد من الحوار لحل التوترات في المنطقة، وقال الزعيم الفيتنامي إن التحديات التي تواجه العالم تشمل تآكل القواعد والقانون الدوليين وأزمة نماذج التنمية، بما في ذلك تباطؤ النمو وتغير المناخ، وأزمة الثقة بين الدول.
وأضاف أن تآكل الثقة “أزمة صامتة، لكنها خطيرة” تُغذي انعدام الثقة والقلق، وتتفاقم أحيانًا مع ظهور تقنيات جديدة كالذكاء الاصطناعي.

نيوزليندا المتطفلة
انتقد هيجسيث “المتطفلين” واصفًا نيوزيلندا بذلك ردًا على سؤال لاحق، محذرًا في الوقت نفسه من أن على أوروبا وحلف الناتو اتخاذ قرارات مصيرية.
وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” لاحقًا قال وزير الدفاع النيوزيلندي، إن بلاده ليست متطفلة”وأنها بصدد رفع إنفاقها الدفاعي من نقص تاريخي في الاستثمار إلى ما يصل إلى 2% من ناتجها المحلي الإجمالي.
ما يحدث الآن في ملف تايوان يتناقض مع السياسة الأمريكية التي تعود إلى إدارة ريجان والتي تنص على أن البيت الأبيض لا يستشر بكين بشأن نقل الأسلحة إلى تايبيه، كما أنه يعد تلطف وتقرب من الجانب الأمريكي لنظيره الصيني في سبيل المصالح التجارية.

تعاون ثلاثي لركيزة “أوكوس”
أعلنت المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا عن مبادرة جديدة للطائرات المسيرة تحت الماء، في فعالية أقيمت على هامش المؤتمر، عن مبادرة جديدة ضمن شراكتهم “أوكوس”، التي تركز بشكل أساسي على تطوير وبناء غواصات تعمل بالطاقة النووية.
وفي إطار ما يعرف بالركيزة الثانية لشراكة “أوكوس”، أعلن الثلاثة عن استثمارهم المشترك في تطوير قدرات محسّنة للطائرات المسيّرة تحت الماء، وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي: “سنعمل معًا على إنتاج مجموعة من أجهزة الاستشعار وأنظمة الأسلحة المتطورة للطائرات المسيّرة تحت الماء”، مضيفًا أن ذلك سيساعد في رصد التهديدات، بما في ذلك تلك التي تستهدف الكابلات وخطوط الأنابيب تحت الماء، والتي تتعرض للتخريب منذ العام 2024.
ترى واشنطن أنه آن الأوان للتحول من حوار “شانجريلا” إلى مزيد من السلاح والذخيرة، والتوجه نحو الواقعية العملية وأن على الكل التكيف والعمل دون وعظ أو ضجيج، في إشارة إلى أنه ولى زمن النظام الدولي القائم على القواعد، ما يجعلها المرة الأولى التي تعترف فيها الولايات المتحدة رسميًا بقوة الصين المتكافئة كقوة ند.







