الأويجور في سوريا.. ورقة في الحرب الخفية بين أمريكا والصين على طريقة المجاهدين الأفغان

يعد ملف الأويجور محور التوترات في العلاقات الأمريكية الصينية، على الرغم من غيابه عن المحادثات المحادثات الدبلوماسية في القمة الأخيرة المنعقدة من أسابيع خلال زيارة الرئيس الأمريكي لبكين، إذ تدعم واشنطن وأجهزة مخابراتها الإقليم الانفصالي  بشكل غير مباشر وهو ما يثر تحفظات بكين، كما تسير مجريات خلف الكواليس في لعبة استخدام التنظيمات المتطرفة في الحروب الاستراتيجية الأمريكية، كما حدث مع المقاتلين أو المجاهدين الأفغان في المواجهة مع الاتحاد السوفيتي قبل سقوطه، لتبرز هنا جماعة الأويجور والتي لها ميول انفصالية عن الصين.

 ونجد أن الملف ، بدأ يثير مخاوف صينية بعد أن برز دور الأويجور في سوريا وأصبح له علاقة مع النظام السوري الوليد، خاصة بعد دورهم في محاربة نظام بشار الأسد، حيث آلاف المقاتلين الأويجور المولودين في الصين كقوات نخبة في الحرب الأهلية السورية، محققين اختراقات استراتيجية مكنت المقاتلين من إسقاط حكومة بشار الأسد.

وخاض المقاتلون الأويجورالذين كانوا يعملون بشكل أساسي في منطقة إدلب معركة شرسة على خطوط المواجهة، مما سمح لتحالف الميليشيات المتطرفة وهيئة تحرير الشام، بتعزيز قاعدتهم الشعبية، وأصبح وجود مقاتلي الإيجور يمثل أزمة سواء داخلية من بعض القوى المدنية السورية، ومواقفه المتشدة تجاه المختلفين معهم مذهبيًا أو دينيًا.

أمضت صحفية إميلي فينج، مراسلة الإذاعة الوطنية الإمريكية “NPR”، أكثر من شهر في إجراء مقابلات مع العشرات من مقاتلي الأيجور، وتحدث معهم عن قصة رحلتهم غير المتوقعة إلى سوريا، تحدثت “NPR” مع أكثر من 40 مقاتلاً من الأيجور وعائلاتهم، وأفاد معظمهم أنهم جاءوا إلى سوريا لتعلم فنون القتال، ولم يكونوا انتقائيين بشأن من يدربهم، حيث أن جميع المقاتلين المذكورين في هذا التقرير، فضلوا استخدام الاسم الأول فقط خوفًا من أن تعتقل الحكومة الصينية عائلتهم في الصين.

من هم الأويجور؟
جماعة عرقية تركية مسلمة في الغالب يبلغ عددهم نحو 12 مليون نسمة في إقليم شينج يانج الصيني الذي يسيطر عليه الحزب الشيوعي الصيني منذ عام 1949، وكان الكثير منهم يفرون مما وصفته منظمات حقوق الإنسان بالإبادة الثقافية التي ارتكبتها الحكومة الصينية، وحملات القمع التي شنتها الحكومة الصينية عقب انتفاضات الأيجور عام 1990 ضد سياسات تحديد النسل التي تفرضها الدولة، ومرة ​​أخرى عام 1997 احتجاجًاعلى حملة أمنية حكومية، مرورًا بأحداث يوليو 2009 أفقدتهم الثقة في إدارة الصين للمنطقة.

ووصفت إدارة “ترامب” الأولى هذا الاضطهاد بالإبادة الجماعية، حيث تقول منظمات حقوق الإنسان إن الحكومة الصينية بدأت منذ عام 2017، باحتجاز وسجن مئات الآلاف من الأويجور، دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة، وبررت الصين هذا الاحتجاز الجماعي جزئيًا باعتقاد بكين أن آلاف الهجمات على مدى ثلاثة عقود، كانت بتحريض أو تنسيق من قبل مسلحين أويجور في الخارج.

بدأت أعداد من الأويجورتصل إلى الشمال السوري في بدايات العام 2013، وغالبًا استقروا في إدلب وجبل التركمان وريف حلب، شكل معظمهم فصيل مسلح عُرف باسم “حركة تركستان الشرقية الإسلامية – ETIM” وشارك التنظيم المتطرف في معارك ضد نظام الأسد وأحيانًا ضد تنظيم داعش، ولا يعرف العدد الدقيق للمقاتلين الأويجور، إلا أن التقديرات تتراوح بين 3000 إلى 5000 مقاتل.

يبلغ تعداد الأويجور في سوريا اليوم حوالي 20 ألف نسمة، بمن فيهم النساء والأطفال، وفقًا لكبار القادة العسكريين، ويقول بعض المقاتلين الأويجور إنهم يأملون أيضًا في استقطاب المزيد من الأويجور من الشتات إلى سوريا.

وصرح مقاتلي الأويجور أنهم لم يأتوا إلى سوريا لشن حرب، لا ضد نظام الأسد، ولا ضد السوريين، كل ما أرادوه هو التدريب العسكري ليتمكنوا يومًا ما من استعادة السيطرة على أراضيهم من الحكومة الصينية، لكن معركتهم الحقيقية الأولى اختارتهم في ربيع عام 2015، كانت قوات الأسد تتقدم نحو مخبأ الأويجور في شمال سوريا قرب مدينة جسر الشغور.

وعلى مدى السنوات الخمس التالية، خاض الأويجور معارك ضارية استمرت عشرين يومًا متواصلة، لحماية مدينة إدلب السورية والسهول الاستراتيجية المحيطة بها، وقد مكن هذا التحالف المكون من تنظيم فصائل مسلحة سنية هناك، عرفت لاحقًا باسم هيئة تحرير الشام، من بناء قاعدة نفوذها، واليوم يتولى أحمد الشرع، القائد السابق لهيئة تحرير الشام قيادة سوريا كرئيس الجمهورية السورية.

الاندماج في الدولة الجديدة
تقديرًا لجهودهم قامت الحكومة السورية الجديدة هذا العام بدمج أكبر ميليشيا أويجورية في الجيش الوطني السوري المعاد تشكيله، وعينت عددًا من القادة الأويجور ضباطًا في وزارة الدفاع الجديدة، وتدور نقاشات حول منح بعض الأويجور الجنسية السورية.

ورغم نفوذهم داخل الحكومة السورية الجديدة، فإن وضع الأويجور في سوريا هش، إذ ينظر إليهم بعض العرب السوريين، وإلى غيرهم من المقاتلين الأجانب، بعين الريبة والخوف، وفي الوقت نفسه كثفت الصين ضغوطها الدبلوماسية على سوريا لطرد الأويجور.

قالت وزارة الدفاع السورية إن الأويجور في سوريا لا يشكلون تهديدًا داخليًا ولا خارجيًا، بل يلتزمون بما يضمن أمن سوريا واستقرارها، وأضافت أن اندماجهم في النظام السوري يخدم مصلحة حماية السيادة السورية ومنع حدوث اضطرابات في بلدانهم الأصلية.

ملف الأويجور في سوريا
يعارض العديد من العرب السوريين استمرار وجود المقاتلين الأجانب بمن فيهم الأويجور في سوريا، فخارج إدلب، لم ير معظم السوريين مقاتلاً أويجوريًا من قبل، وقد أثارت المعتقدات المتشددة التي يعتنقها العديد من الأويجور في سوريا مخاوف الأقليات الدينية في البلاد.

وخلال الحرب استولى المقاتلون الأويجور على منازل كثير منها مهجور، في مناطق ذات أغلبية شيعية ومسيحية، ومع عودة النازحين السوريين بعد انتهاء القتال لتفقد قراهم الأصلية في شمال سوريا، وجدوا منازلهم محتلة من قبل مقاتلين شيشانيين ومغاربة وأويجور.

بعد أشهر من المفاوضات بين الحكومة السورية الجديدة وضباط أويجور وقادة مسيحيين، بدأ الأويجور بإعادة بعض الأراضي والمنازل التي كانوا قد احتلوها في عدة قرى ذات أغلبية مسيحية، أكد معظم الأويجور الذين تحدثت إليهم الإذاعة الوطنية العامة الإمريكية “NPR” أن هذا الإجراء كان صائبًا.

موقف الصين من الأويجور في سوريا
يقول مسؤولون أويجور إن التهديد الثاني والأكبر لاستمرار وجودهم في سوريا هو الصين، وفي نوفمبر وافقت الصين على إعادة فتح سفارتها في دمشق، لكنها أثارت مجددًا قضية المقاتلين الأويجور، وصرح وزير الخارجية الصيني وانج يي، أن سوريا تعهدت بعدم السماح لأي جهة باستخدام الأراضي السورية لتقويض مصالح الصين.

تقدر الصين هذا الوعد وتأمل أن تتخذ سوريا إجراءات فعّالة لتنفيذه، كما امتنعت بكين عن التصويت في الأمم المتحدة في نوفمبر 2025 على قرار برفع العقوبات عن الشرع، معللة ذلك بمخاوفها بشأن المقاتلين الإرهابيين الأجانب في سوريا.

أدرجت الولايات المتحدة جماعة مسلحة من الأويجور هي حركة تركستان الشرقية الإسلامية “ETIM”، على قائمة المنظمات الإرهابية عام 2002 في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، وتزعم الصين أن هذه الحركة تقف وراء العديد من الهجمات العنيفة على أراضيها.

إلا أن الولايات المتحدة رفعت هذا التصنيف عن حركة تركستان الشرقية الإسلامية عام 2020، مع تدهور العلاقات بين البلدين بشكل حاد خلال فترة رئاسة “ترامب” الأولى، ووصفت الصين هذه الخطوة بأنها ذات دوافع سياسية، ولا تزال المنظمة خاضعة لعقوبات من الأمم المتحدة والمملكة المتحدة واليابان ونيوزيلندا من بين دول أخرى.

على مشارف جسر الشغور على قمة تل، بين الشجيرات الخضراء تقع قبور مئات المقاتلين الأويجور الذين سقطوا في قتال نظام الأسد، دفن آخرهم هنا في ديسمبر 2024، ولا تحمل العديد من شواهد القبور في هذه المقبرة المؤقتة أسماءً كاملة، بل أسماء حركية فقط، لأنهم دفنوا على عجل في خضم الحرب.

ولم تستجب وزارة الخارجية الصينية ومجلس الدولة لطلبات التعليق من الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية “NPR”، لكن الصين وصفت المقاتلين الأويجور بالإرهابيين، وربطتهم بجماعات إسلامية متطرفة أخرى خاضعة للعقوبات.