لغز “الفراخ الكبيرة” بالأسواق.. خبراء يجيبون لـ”ليبرالي” عن أسباب انتشارها ومدى أمانها صحيًا

5 كيلو للدجاجة الواحدة.. حيرة المستهلك بين التوفير والمخاوف الصحية

أسعار اللحوم تدفع المستهلكين “للفراخ” الكبيرة… لكن ماذا يحدث داخل المزارع؟


لاشك أن زيادة الأسعار تدفع المواطن للبحث عن أي طوق نجاة يجد فيه ملاذه في تدبير أمور منزله وفقًا لميزانيته المحدودة، إلا أن الأسواق فاجئت الجميع بـ “ظاهرة” لم تكن الحسبة الاقتصادية تتوقعها، تتمثل في الدجاج الأبيض الذي يتجاوز حجمه المألوف بمرات، ليتأرجح مؤشر الميزان عند الـ 4 أو الـ 5 كيلو للدجاجة الواحدة.

للوهلة الأولى تأتي تلك الأوزان كأنها “انفراجة بروتينية” رخيصة، ولكن سرعان ما تحولت إلى مادة خصبة للشك والقلق داخل أروقة البيوت المصرية، وفتحت الباب على مصراعيه أمام تساؤلات مشروعة، تضمنت؛ كيف لفرخة لا تتعدى دورة حياتها في المعتاد 45 إلى 50 يومًا على أقصى تقدير، أن تتحول إلى هذا الحجم العملاق؟، وهل نشتري دجاج أو “فراخ” طبيعية؟، أم أننا أمام كتلة داجنة أشبه بمخزن أمراض جراء متبقيات الأدوية والمضادات الحيوية؟.

“ليبرالي” تجيب على تلك التساؤلات من خلال الخبراء في هذا التقرير، حيث أوضح الدكتور محمد القرش، الخبير الزراعي، والمتحدث السابق  لوزارة الزراعة، أن وصول بعض الدواجن في الأسواق إلى أوزان تتجاوز 4 و 5 كيلو لا يُعني بالضرورة وجود مشكلة صحية أو استخدام وسائل تربية غير طبيعية، وإنما يرتبط في المقام الأول بمدة بقاء الدجاجة داخل المزرعة وبرامج التغذية والسلالات المستخدمة في الإنتاج.

الوزن التجاري الأكثر شيوعًا
وأضاف “القرش” لـ”ليبرالي” أن السلالات الحديثة من دجاج التسمين تمتلك معدلات نمو مرتفعة للغاية مقارنة بما كان موجودًا قبل سنوات، موضحًا أنها تطورت وراثيًا على مستوى العالم لتحقيق أفضل تحويل غذائي وأسرع معدلات نمو، مشيرًا إلى أنه:” كلما استمر الطائر فترة أطول داخل العنبر زاد وزنه بشكل طبيعي، لكنه في المقابل يستهلك كميات أكبر من الأعلاف”.

وتابع الخبير الزراعي أن وجود دورات لتربية الدواجن بطبعها تحتاج إلى فترات طويلة تتخطى السنة، مثل الدواجن”الأمهات”، وهي الدواجن المسئولة عن إنتاج البيض، وتختلف تمامًا عن دورة التسمين العادية التي تنتهي خلال 45 يومًا، حيث تتراوح إجمالي مدة دورة الأمهات ما بين 60 إلى 68 أسبوعًا.

وأوضح “القرش” أن الوزن التجاري الأكثر شيوعًا في الأسواق يتراوح ما بين 1.8 و3 كيلو للدجاجة الواحدة، مضيفًا أن:” هذه الأوزان تحقق توازنًا بين تكلفة التربية وسعر البيع، بينما تتطلب الأوزان الكبيرة فترات تربية إضافية ترفع تكلفة الإنتاج على المربي”، مشيرًا إلى أنه في بعض الأحيان تؤدي ظروف السوق إلى ظهور هذه الأوزان الكبيرة، منوهًا بأنه عند انخفاض الأسعار أو تراجع الطلب، يواجه المنتج صعوبات في التسويق، ويؤجل بيع القطيع لفترة أملاً في تحسن الأسعار، وخلال هذه الفترة تستمر الطيور في النمو وتكتسب أوزانًا إضافية.

توفير لمحدودي الدخل

وأشار الخبير الزراعي إلى أن المستهلك المصري أصبح ينظر إلى الدجاجة الكبيرة باعتبارها وسيلة لتقليل تكلفة البروتين داخل الأسرة، خاصة مع ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، حيث يمكن تقسيم الدجاجة الواحدة إلى عدة وجبات وتخزين جزء منها للاستخدام لاحقًا.

ومن جانبه، أوضح عاشور خلف، صاحب محل لبيع الدواجن بحي عين شمس، أن الإقبال على الأوزان الكبيرة ارتفع خلال الأشهر الأخيرة من جانب بعض الأسر، لاسيما الأسر ذات الأعداد الكبيرة، مرجعًا السبب للتوفير فيها مقارنة بعدد دجاجات صغيرة لا تتعدى الـ 2 كيلو.

وأضاف “خلف” لـ”ليبرالي”، أن:” الزبون حاليًا ينظر إلى إجمالي كمية اللحم المتوفر من الفرخة، حيث يُقسم الزبون أو بالأحرى ربة المنزل الفرخة إلى عدة أجزاء كلما كبرت، وتتنوع ما بين” البانية من صدر الفرخة وهو الأوفر والأكثر لحمًا في الفرخة كلما كبرت، والأوراك تقطع إلى 4 أجزاء، والأجنحة والهياكل، والكبدة والقوانص”، متابعًا:” والله الناس دلوقتي ساعات بتاخد الرجول والراس ومبقتش تسيبها”، مؤكدًا أن الدجاجة الكبيرة بتقطيعها بالطريقة سالفة الذكر، تمكن ربة المنزل من طهيها على 4 أو 5 مرات وفقًا لوجبات مختلفة.

زيادة الوزن ليست دائمًا مكسبًا للمربي
وبالعودة للدكتور محمد القرش، يؤكد أن جودة الدواجن لا تُقاس بالوزن فقط، بينما يوجد عوامل أخرى أكثر أهمية مثل الحالة الصحية للطائر، ونوعية التغذية، والالتزام بالإجراءات البيطرية داخل المزرعة، وسلامة الذبح والتداول، مضيفًا أن كل يوم إضافي تقضيه الدواجن داخل المزرعة يعني استهلاك أعلاف وطاقة ورعاية بيطرية، وبالتالي فإن زيادة الوزن ليست دائمًا مكسبًا للمربي، بل قد تكون انعكاسًا لظروف الإنتاج والتسويق.

وفي السياق ذاته، قال الدكتور ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، إن ظهور دجاج بأوزان تصل إلى 4 و5 كيلو ليس هو النمط السائد في السوق المصرية، لأن الوزن الاقتصادي الأمثل للتسويق يكون عند أوزان أقل من ذلك، لكن في بعض الفترات قد يحتفظ المربي بالقطيع مدة أطول داخل المزرعة بسبب ظروف السوق أو تغيرات الطلب، ما يؤدي إلى زيادة الوزن بصورة ملحوظة.

ظروف السوق وليست خطة إنتاج مقصودة
وأضاف “الزيني:” لـ”ليبرالي” أن المستهلك أصبح أكثر حساسية للسعر في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، لافتًا إلى لجوء بعض الأسر إلى شراء الدواجن كبيرة الحجم وتقسيمها إلى عدة وجبات باعتبارها وسيلة لتقليل الإنفاق على البروتين مقارنة ببدائل أخرى أعلى تكلفة.

وفي هذا الصدد، يوضح الحاج علاء أبوشادي، صاحب مزارع دواجن في الحامول بكفر الشيخ، أن الفرخة عند وصولها لـ 4 أو 5 كيلو، فهذه الأوزان ليست الأصل في التربية التجارية ولا يطمح المربي لهذا الوزن من الأساس، متابعًا أن الوزن المثال للمربي يترواح ما بين 2 إلى 3 كيلو على أقصى تقدير.

“في فترات معينة بنضطر نحتفظ بالدواجن مدة أطول داخل العنابر”، يضيف “أبوشادي” في حديثه لـ”ليبرالي”، مرجعًا السبب لضعف الطلب أو انتظار تحسن الأسعار، حيث تستمر الدواجن في النمو وتصل لأوزان كبيرة، مؤكدًا أن الدجاجات الكبيرة نتيجة ظروف السوق أكثر من كونها خطة إنتاج مقصودة.

مصر تستهلك 5 ملايين دجاجة يوميًا
وفي الحديث عن ظروف السوق، لفت الدكتور ثروت الزيني إلى أن سوق الدواجن في مصر، حيث يواجه تحديات واضحة خلال الفترة الحالية نتيجة ارتفاع حجم الإنتاج المحلي، وهو ما أدى إلى تراجع الأسعار داخل المزارع وتكبّد المربين خسائر ملحوظة.

وشدد نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، على أن الانخفاض الكبير في الأسعار لا يعد مؤشرًا إيجابيًا بالكامل، إذا جاء على حساب خسارة المنتج، مؤكدًا ضرورة تحقيق توازن يحافظ على استمرارية الإنتاج ويضمن استقرار السوق.

وأوضح “الزيني” أن أسعار الدواجن في المزرعة تُسجل حاليًا 67 جنيهًا للكيلو، منوهًا بأن زيادة الإنتاج بأكثر من 30%، في حين أن الإشكالية الأساسية تتمثل في اختلال التوازن بين حجم الإنتاج ومستوى الطلب، وهو ما أدى إلى ضغوط سعرية واضحة وخسائر للعديد من المربين، محذرًا من استمرار هذا الوضع لما يمثله من تهديد لاستقرار الصناعة.

وأشار إلى أن الاستهلاك اليومي في مصر يُقدر بـ 5 ملايين دجاجة يوميًا، لافتًا إلى أن السوق تتأثر كذلك بمواسم الاستهلاك مثل عيد الأضحى وتوافر البدائل من اللحوم الحمراء، منوهًا بأن صناعة الدواجن في مصر تُعد من القطاعات الاقتصادية الكبرى التي تتجاوز قيمتها 200 مليار جنيه، وتوفر فرص عمل لنحو 3.5 مليون عامل، ما يستدعي التعامل معها باعتبارها قطاعًا استراتيجيًا يحتاج إلى دعم وتنظيم.