
بين برلين وأديس أبابا.. هل يقترب السودان من التسوية أم يواصل إدارة الأزمة؟
في وقت تتواصل فيه الحرب السودانية للعام الثالث على التوالي وسط تدهور إنساني غير مسبوق وتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع، تتكثف التحركات الإقليمية والدولية بحثًا عن مخرج للأزمة التي ألقت بظلالها على السودان والمنطقة بأكملها.
ورغم تعدد المبادرات والمؤتمرات الدولية، لا يزال السؤال مطروحًا حول فرص نجاح هذه الجهود في وقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة، في ظل استمرار المواجهات العسكرية والانقسامات الحادة داخل المشهد السياسي السوداني.
وفي حواره مع “ليبرالي” يكشف القيادي السوداني جعفر عثمان، الناطق الرسمي باسم تحالف صمود، عن قراءة التحالف لنتائج مؤتمر برلين، ودلالات الحراك السياسي في أديس أبابا، ودور الرباعية الدولية والآلية الخماسية في إدارة الأزمة، كما يطرح رؤيته لمستقبل التسوية السياسية وإمكانية توحيد القوى المدنية السودانية في مواجهة مخاطر استمرار الحرب وتداعياتها على وحدة الدولة واستقرار الإقليم، وإلى نص الحوار:
كيف تقرأ نتائج مؤتمر برلين الأخير بشأن السودان؟ وهل يمكن اعتباره تحولاً حقيقيًا أم مجرد دعم إنساني دون تأثير سياسي مباشر؟
لا يمكن قراءة نتائج مؤتمر برلين بمعزل عن المشهد السوداني المعقد الذي يتداخل فيه السياسي والعسكري والإنساني، صحيح أن المؤتمر نجح في حشد دعم دولي واسع وتعهدات مالية كبيرة لمواجهة الكارثة الإنسانية التي تعيشها البلاد، لكنه في جوهره ظل أقرب إلى مسار الدعم الإنساني منه إلى مسار صناعة الحل السياسي، ولذلك فإن الحديث عن تحويل حقيقي في الأزمة السودانية لا يمكن أن يستند فقط إلى حجم الأموال التي تم التعهد بها، وإنما إلى قدرة المجتمع الدولي على تحويل هذه الجهود إلى جزء من رؤية شاملة تنهي الحرب وتؤسس للاستقرار.
من وجهة نظرنا، فإن أساس حل الأزمة السودانية يتطلب توافر إرادة دولية وإقليمية ومحلية في آن واحد، غير أن الإرادة المحلية تظل هي العنصر الحاسم، وفي هذا الإطار نعتبر أن البيان الذي أصدرته الدول الرباعية في سبتمبر الماضي يمثل حجر الأساس لأي تسوية سياسية جادة، لأنه وضع ملامح واضحة لخارطة طريق تتضمن آليات عملية للتعامل مع الأزمة السودانية.
رغم ضخ مليارات الدولارات في مؤتمرات باريس ولندن وبرلين، لماذا لا يزال الحل السياسي غائبًا عن أرض الواقع؟
السبب الرئيسي أن الأزمة السودانية ليست أزمة إنسانية فقط حتى يتم حلها عبر التمويل والإغائة، الحرب في السودان لها جذور سياسية وعسكرية عميقة، وبالتالي فإن المساعدات مهما بلغ حجمها لا تسطيع أن توقف القتال أو تعالج أسباب الصراع، والمطلوب هو التعامل مع الأزمة من خلال ثلاثة مسارات متوازية ومترابطة، وهي ذات المسارات التي تحدث عنها بيان الرباعية، وتشمل المسار العسكري، والمسار السياسي، والمسار الإنساني، هذه المسارات لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، لأن أي تقدم في أحدهم ينعكس مباشرة على المسارات الأخرى.
فالمسار الإنساني، على سبيل المثال، يحتاج إلى تفاهمات عسكرية تتعلق بممرات العبور الآمنة، ونقاط توزيع المساعدات، ووقف الاستهداف، وضمان وصول الإغاثة إلى المناطق المتضررة، كما أنه يحتاج إلى تفاهمات سياسية توفر الغطاء اللازم لتنفيذ هذه الترتيبات على الأرض.
ما دلالة غياب أو ضعف مشاركة الأطراف السودانية الفاعلة في مؤتمر برلين على مستقبل أي تسوية؟
هذا يؤكد أن المؤتمرات الدولية مهما بلغت أهميتها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحوار السوداني – السوداني، المجتمع الدولي يستطيع أن يقدم الدعم والوساطة والضمانات، لكن لا يستطيع أن يفرض السلام إذا لم تتوافر إرادة سودانية حقيقية لإنهاء الحرب.
كما أن أي عملية سياسية لا تشمل الأطراف المؤثرة على الأرض ستظل عملية ناقصة، لأن نجاح أي تسوية يتطلب مشاركة القوى القادرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، لذلك فإن غياب الفاعلين الأساسيين يحد من قدرة هذه المؤتمرات على إحداث اختراق سياسي مباشر، ويجعل تأثيرها يتركز بصورة أكبر على الجانب الإنساني.
إلي أي مدى تمثل لقاءات أديس أبابا الأخيرة محاولة لإعادة ترتيب البيت السياسي السوداني بعيدًا عن ساحة الحرب؟ وهل يمكن اعتبارها المسار السياسي الموازي لمسار برلين الإنساني؟
يمكن النظر إلى لقاءات أديس أبابا باعتبارها خطوة مهمة في اتجاه إعادة بناء المسار السياسي السوداني، فبعد أكثر من عامين من الحرب، أصبح واضحًا أن الحل العسكري غير قادر على حسم الصراع، وأن العودة إلى السياسة أصبحت ضرورة لا خيارًا.
نعتقد أن الطريق الذي بدأ في أديس أبابا عبر الآلية الخماسية ما زال بحاجة إلى مزيد من الترتيب والتنظيم، كما أنه يواجه بعض التحديات المتعلقة بطبيعة المشاركين وأجندة الحوار؛ لكنه مع ذلك يمكن أن يشكل قاعدة مناسبة لعملية سياسية تنهي الحرب وتؤسس لسلام مستدام وتحافظ على وحدة السودان.
ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار مسار أديس أبابا بمثابة المسار السياسي الموازي للمسار الإنساني الذي تمثله مؤتمرات الدعم الدولية، حيث أن المسارين يكمل أحدهما الآخر ولا يمكن لأي منهما أن ينجح بمعزل عن الآخر.
كيف تقيمون دور الآلية الدولية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيغاد والجامعة العربية في إدارة الحوار بين أطراف الصراع؟
هذه الآلية تؤدي دورًا مهمًا في توفير منصة للحوار وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، كما أنها تمثل إطارًا إقليميًا ودوليًا يمنح العملية السياسية قدرًا من الشرعية والدعم.
لكن في تقديرنا فإن العامل الأكثر تأثيرًا يظل مرتبطًا بالدول الرباعية، وهي المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة الأمريكية، أهمية هذه الدول لا تنبع فقط من ثقلها السياسي، وإنها من امتلاكها أدوات تأثير حقيقة على أطراف الحرب، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لذلك فإن نجاح أي مسار تفاوضي يتوقف إلى حد كبير على وجود إرادة مشتركة بين هذه الدول لدفع الأطراف المتحاربة نحو التسوية، وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه بصورة عملية.
هل نشهد اليوم محاولة دولية لفرض خريطة سياسية جديدة للسودان من الخارج عبر برلين وأديس أبابا؟
لا أعتقد أن المجتمع الدولي يسعى بالضرورة إلى فرض خريطة سياسية جديدة بقدر ما يسعى إلى منع انهيار الدولة السودانية واحتواء تداعيات الحرب، لكن في الوقت نفسه، فإن أي ترتيبات يتم إعدادها خارج السودان لن تكون قابلة للحياة إذا لم تحظَ بقبول القوى السياسية والمجتمعية السودانية، لذلك فإن الحل الحقيقي يجب أن يظل سودانيًا في جوهره، مع دعم إقليمي ودولي يوفر الضمانات ويساعد في تهيئة الظروف اللازمة لإنجاح العملية السياسية.
ما تأثير تباين الرؤى بين القوى المدنية السودانية حول المشاركة في هذه اللقاءات على وحدة الموقف السياسي؟
الانقسامات داخل المعسكر المدني ظلت واحدة من أبرز نقاط الضعف التي أعاقت التقدم نحو حل سياسي شامل، لكن في الفترة الأخيرة شهدنا تطورات إيجابية تمثلت في اللقاءات التي جمعت تحالف صمود والكتلة الديمقراطية وحركة جيش تحرير السودان وحزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل، والمؤتمر الشعبي، وحزب البعث العربي الاشتراكي الأصل، وعددًا من القوى السياسية والمدنية والشبابية.
هذه الخطوة مهمة لأنها فتحت الباب أمام حوار أوسع بين مكونات المشهد السياسي السوداني، لكنها ما زالت تحتاج إلى مزيد من التشاور والتفاهمات من أجل بناء موقف مدني موحد قادر على التأثير في مسار التسوية.
ونرى أن تشكيل لجنة مشتركة تضم الاتجاهات السياسية الرئيسية الثلاثة؛ وهي القوى المؤيدة للقوات المسلحة، والقوى المؤيدة لقوات الدعم السريع، والقوى الرافضة للحرب والمنحازة للحل السياسي، يمكن أن يشكل مدخلًا عمليًا لتقريب وجهات النظر وإدارة العملية السياسية بصورة أكثر فاعلية.
وما المهام التي يجب أن تضطلع بها هذه اللجنة؟
هناك أربع مهام أساسية ينبغي أن تكون على رأس أولوياتها، أولاً: الاتفاق على أطراف العملية السياسية بشكل واضح ومحدد حتى لا تتكرر أزمات الإقصاء والخلاف حول التمثيل، ثانيًا : تحديد القضايا التى ستتم مناقشتها في إطار العملي السياسية، ثالثًا: الاتفاق على مكان وزمان الحوار، ورابعًا: تحديد طبيعة دور المجتمعين الإقليمي والدولي وآليات الوساطة المطلوبة لإنجاح العملية السياسية.
إذا تم الاتفاق على هذه القضايا، فإن السودان سيكون قد خطا خطوة مهمة نحو بناء مسار سياسي قادر على إنهاء الحرب واستعادة السلام.
هل نحن أمام بداية مسار تسوية تدريجي أم مجرد إدارة طويلة للأزمة؟
هناك أسباب تدعو إلى التفاؤل الحذر، خاصة مع تزايد الإدراك لدى قطاعات واسعة من القوى السياسية والمدنية بأن الحل العسكري لن ينهي الأزمة، وأن الحل السياسي أصبح الخيار الوحيد الممكن، لكن نجاح هذا المسار يتطلب مزيدًا من الضغوط الإقليمية والدولية على طرفي الحرب من أجل دفعهما إلى طاولة التفاوض.
في المقابل، فإن استمرار الحرب يحمل مخاطر وجودية على السودان، فكلما طال أمد الصراع ازدادت احتمالات تفكك الدولة وتآكل مؤسساتها، وارتفعت معدلات النزوح والهجرة، وتفاقمت الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، كما أن استمرار الحرب قد يحول السودان إلى بيئة خصبة للتنظيمات المتطرفة والجريمة العابرة للحدود، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي.
لذلك فإن إنهاء الحرب لم يعد مجرد مطلب سوداني داخلي، بل أصبح ضرورة إقليمية ودولية، ورغم صعوبة الطريق وتعقيداته، فإن التحركات السياسية الجارية تمثل فرصة يجب البناء عليها قبل أن تصل البلاد إلى مرحلة يصعب معها احتواء تداعيات الصراع.
فمصلحة الجميع اليوم، داخل السودان وخارجه، تقتضي العمل بصورة عاجلة لإنهاء الحرب، والحفاظ على وحدة الدولة السودانية، وفتح الطريق أمام سلام مستدام يعيد للسودانيين حقهم في الأمن والاستقرار والتحول المدني الديمقراطي.





