البرلماني السابق محمد بدراوي: الأزمة الاقتصادية ليست في نقص القوانين بل في غياب التطبيق والبيروقراطية



الاستثمار المنتج أفضل من الاقتراض لأنه يخلق دخلاً مستداماً ولا يحمل الأجيال أعباءً إضافية

البيروقراطية ما زالت أكبر عائق أمام الاستثمار رغم تعدد القوانين

المشروعات الصغيرة والمتوسطة هي المحرك الحقيقي للنمو الاقتصادي

التحول إلى الدعم النقدي يجب أن يكون تدريجياً واختيارياً وبضمانات تحمي المواطنين

نجاح الدولة يجب أن يقاس بمدى تحسن حياة المواطن، وليس بالمؤشرات الكلية فقط

الصناعة والزراعة والتجارة والسياحة تمثل قاطرة الخروج من الأزمة الاقتصادية


في وقت تتصدر فيه الملفات الاقتصادية أولويات الرأي العام، يؤكد النائب السابق والخبير الاقتصادي المهندس محمد بدراوي أن جوهر الأزمة في مصر لا يكمن في نقص التشريعات، وإنما في ضعف التنفيذ واستمرار البيروقراطية، معتبراً أن نجاح أي سياسة اقتصادية يرتبط بتهيئة مناخ الاستثمار وتحسين الإدارة، وليس بإصدار المزيد من القوانين.

وفي حواره مع الإعلامية سوزان حرفي، ببرنامج “شارع الأمل” المذاع عبر منصة ليبرالي، تحدث بدراوي عن تجربة الفصل بين المال والسياسة، وأسباب عزوفه عن خوض الانتخابات الأخيرة، ورؤيته لمناخ الاستثمار، مؤكداً أن البرلمان أقر منذ عام 2015 قواعد صارمة لمنع تضارب المصالح بين النواب وأنشطتهم الاقتصادية.

وإلى نص الحوار:-

بصفتك رجل صناعة وسياسة، كيف تنظر إلى العلاقة بين المال والسلطة؟ وهل نجح البرلمان في الحد من تضارب المصالح؟

 بعد دستور 2014 وإقرار قانون مجلس النواب، تم وضع ضوابط واضحة لمعالجة قضية تضارب المصالح، حيث ألزم القانون كل نائب يمتلك شركات أو أنشطة خاصة بالاحتفاظ بملكيته فقط، مع التخلي الكامل عن إدارة هذه الشركات طوال فترة عضويته بالمجلس.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل نص القانون على عدم جواز نقل الإدارة إلى أحد الأقارب حتى الدرجة الرابعة، منعاً لأي شبهة تضارب مصالح، كما منح مجلس النواب سلطة مساءلة العضو، وقد تصل العقوبة إلى إسقاط عضويته إذا خالف هذه الضوابط.

 لكن كثيرين يرون أن هذه النصوص لا تُطبق عملياً؟

 هناك فارق بين النص القانوني وآليات تطبيقه. القانون واضح وصريح، أما التنفيذ فيرتبط بدور مجلس النواب ومكتبه وهيئاته. وخلال الفصل التشريعي 2015-2020 شهد المجلس بالفعل إسقاط عضوية عدد من النواب لأسباب مختلفة، بما يؤكد وجود آليات للمحاسبة.

وبالنسبة لي، بمجرد دخولي البرلمان تخليت تماماً عن إدارة جميع شركاتي وأسندتها إلى أشخاص لا تربطني بهم صلة قرابة، التزاماً بالقانون.

لماذا لم تترشح لانتخابات مجلس النواب الأخيرة؟

أؤمن بأن تداول الأدوار وتجديد النخب السياسية أمر ضروري لأي نظام سياسي ناجح. قضيت سنوات طويلة تحت قبة البرلمان، وأرى أن الوقت حان لإفساح المجال أمام أجيال جديدة تمتلك أفكاراً مختلفة.

أنا ضد فكرة البقاء في المواقع العامة مدى الحياة، لأن التغيير يمنح المؤسسات قدرة أكبر على التطور، وهو ما تؤكده التجارب الديمقراطية في كثير من دول العالم.

مناخ الاستثمار أهم من القوانين

لماذا لم تنجح التشريعات الاقتصادية في حل مشكلات الصناعة والاستثمار؟

 لأن الاقتصاد لا يُدار بالقوانين وحدها. لدينا تشريعات جيدة، لكن المشكلة الحقيقية في بيئة الاستثمار وآليات التنفيذ.

الاستثمار يحتاج إلى مناخ يشجع الإنتاج والعمل، وليس إلى الاكتفاء بمعالجة المشكلات بعد وقوعها. فإذا نجحنا في توفير البيئة المناسبة، ستستفيد جميع القطاعات؛ الصناعة والزراعة والسياحة والتجارة.

 وما الذي ينقص مناخ الاستثمار في مصر؟

 أولاً الإرادة في تغيير فلسفة الإدارة الاقتصادية. للأسف ما زالت كثير من القوانين تقوم على العقوبات أكثر من الحوافز، بينما اتجهت الاقتصادات المتقدمة إلى تشجيع المستثمر ومنحه التيسيرات اللازمة بدلاً من إرهاقه بالإجراءات.

كلما توسعت الدولة في الحوافز زادت معدلات النمو، أما الإفراط في القيود والعقوبات فيؤدي إلى تراجع الاستثمار وإحجام القطاع الخاص عن التوسع.

هل لديك مثال يوضح الفجوة بين التشريع والتطبيق؟

 أفضل مثال هو “الرخصة الذهبية” التي تضمنها قانون الاستثمار الصادر عام 2017، وكان الهدف منها منح المشروعات الكبرى جميع الموافقات خلال فترة قصيرة. لكن بعد مرور ست سنوات على صدور القانون، كان عدد الرخص الممنوحة محدوداً للغاية، وهو ما دفع رئيس الوزراء إلى نقل سلطة إصدارها إلى مكتبه مباشرة لتجاوز التعقيدات الإدارية. وهذا يؤكد أن المشكلة لم تكن في القانون، وإنما في التطبيق والبيروقراطية التي عطلت تحقيق أهدافه.

جهاز “مستقبل مصر”.. هل يحل أزمة الإدارة

أثار قانون “جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة” جدلاً واسعًا بين مؤيد ومعارض، كيف تنظر إلى هذه التجربة؟

 القضية ليست في اسم الكيان أو الصلاحيات التي يحصل عليها، وإنما في الفلسفة التي يقوم عليها. فمنذ سنوات تحاول الدولة الخروج من دائرة البيروقراطية من خلال إنشاء كيانات جديدة، بداية من الصندوق السيادي، ثم وحدات وهيئات مستقلة، والآن جهاز “مستقبل مصر”، لكن السؤال الحقيقي هو: هل نجحت التجارب السابقة في تحقيق أهدافها؟

في تقديري، المشكلة ليست في إنشاء كيانات جديدة، وإنما في كيفية إدارة هذه الكيانات وآليات تنفيذ السياسات على أرض الواقع.

هل تقصد أن المشكلة إدارية أكثر منها تشريعية؟

 بالتأكيد، قبل التفكير في إنشاء مؤسسة جديدة يجب تقييم التجربة السابقة وقياس نتائجها. الصندوق السيادي، على سبيل المثال، كان الهدف منه تعظيم الاستفادة من أصول الدولة، لكن بعد سنوات من إنشائه كان من الضروري إجراء تقييم حقيقي لما تحقق وما لم يتحقق.

لهذا أرى أن أي تجربة جديدة يجب أن تُبنى على مراجعة دقيقة للتجارب السابقة، حتى لا نكرر الأخطاء نفسها بأسماء مختلفة.

وهل تؤيد تجميع الأصول الاقتصادية للدولة داخل كيان واحد؟

 لا أؤيد ذلك من الناحية الاقتصادية، لأن تجميع كل الأنشطة والأصول داخل جهة واحدة يعيدنا إلى فلسفة القطاع العام القديمة، التي أثبتت التجربة أنها ليست النموذج الأمثل لتحقيق النمو.

الاقتصاد يحتاج إلى تنوع في الإدارة، ومنافسة، ومرونة، وليس إلى مزيد من المركزية.

الصناديق السيادية والهيئات الاقتصادية

كنت من النواب الذين ناقشوا ملف الصناديق الخاصة والهيئات الاقتصادية.. ما تقييمك لها؟

 بالفعل، ناقشنا هذا الملف لسنوات داخل البرلمان، وقدمنا توصيات بضرورة إحكام الرقابة على الصناديق الخاصة وتقليل عددها، لكن ما حدث هو العكس، إذ شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في إنشاء الهيئات والصناديق.

أنا لا أعترض على وجودها من حيث المبدأ، لكن لابد من وجود حوكمة كاملة، وقياس واضح للعائد الاقتصادي الذي تحققه.

 كثير من المواطنين لا يعرفون طبيعة الهيئات الاقتصادية.. كيف تشرحها؟

 الهيئات الاقتصادية مثل هيئة قناة السويس، والهيئة العامة للبترول، وهيئة المجتمعات العمرانية، تمتلك موازنات مستقلة عن الموازنة العامة للدولة.

واللافت أن إجمالي موازنات هذه الهيئات أكبر من الموازنة العامة نفسها، ولذلك فإن إدارة هذه الموارد بكفاءة تمثل قضية شديدة الأهمية للاقتصاد المصري.

وهل تحقق هذه الهيئات أرباحًا لصالح الدولة؟

 الصورة أكثر تعقيدًا مما يتصور البعض. هناك هيئات تحقق أرباحًا، وأخرى تحقق خسائر، وفي النهاية يتم النظر إلى إجمالي أداء جميع الهيئات.، حتى الآن، لا تزال العلاقة المالية بين هذه الهيئات والموازنة العامة لا تحقق الفائض المأمول، لأن الهيئات الخاسرة تلتهم جانبًا كبيرًا من أرباح الهيئات الرابحة.

ولهذا كنت أطالب بإعادة هيكلة الهيئات الخاسرة وفق برنامج زمني واضح، بدلاً من استمرار نزيف الخسائر.
الاقتصاد يحتاج إلى إدارة ناجحة

إذن المشكلة ليست في إنشاء مؤسسات جديدة؟

 إطلاقًا. يمكن إنشاء أي عدد من الهيئات أو الصناديق، لكن إذا ظلت الإدارة كما هي فلن تتغير النتائج.

لدينا مشروعات قومية ضخمة في النقل والبنية الأساسية، وهي مشروعات مهمة، لكن السؤال الأهم دائمًا هو: هل تحقق العائد الاقتصادي الذي يسمح بسداد تكلفتها وتحقيق الاستدامة المالية؟

لهذا كنت أطالب دائمًا بإجراء دراسات دقيقة لقياس الأثر الاقتصادي لكل مشروع، ومراجعة النتائج بصورة دورية، حتى نستطيع تصحيح المسار إذا لزم الأمر.

وكيف تنظر إلى تجربة تطوير شركات قطاع الأعمال؟

 هناك نماذج نجحت بالفعل، مثل مشروع تطوير صناعة الغزل والنسيج، الذي شهد تحديثًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة.

لكن في المقابل كانت هناك قرارات لم أكن مؤيدًا لها، مثل تصفية شركة الحديد والصلب، لأنني كنت أرى أن الحفاظ على الصناعات الاستراتيجية وإعادة هيكلتها أفضل من إنهاء نشاطها بالكامل.

ولهذا تقدمت داخل البرلمان برؤية متكاملة لإعادة هيكلة الشركة، وبعد مراجعة الملف تم وقف إجراءات البيع، وهو ما اعتبرته تصحيحًا للمسار.

الديون والضرائب.. من يتحمل فاتورة الاقتراض؟

 تؤكد دائمًا أن الاستثمار أفضل من الاقتراض.. لماذا؟

 لأن الاقتراض يفرض أعباءً مستمرة على الدولة والمواطن، عندما بدأت مصر برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 2016 كان حجم الدين الخارجي يدور حول 50 مليار دولار، ثم ارتفع تدريجيًا خلال السنوات التالية إلى مستويات أعلى بكثير، بينما لم يكن نصيب قروض صندوق النقد الدولي سوى جزء من إجمالي الاقتراض الخارجي.

المشكلة ليست في الحصول على القرض، وإنما في كيفية سداد تكلفته. فإذا لم يولد الاقتراض موارد وإيرادات جديدة، فإن الدولة تضطر إلى تعويض هذه الأعباء من خلال زيادة الضرائب والرسوم أو رفع أسعار الخدمات والطاقة.

كيف انعكس ذلك على المواطن؟

 هنا يجب التفرقة بين اقتصاد الدولة واقتصاد المواطن. قد تبدو مؤشرات الاقتصاد الكلي مستقرة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحسن مستوى معيشة المواطنين.

ما حدث خلال السنوات الأخيرة هو اتساع الفجوة بين المؤشرين؛ فالدولة تسعى للحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي، بينما يتحمل المواطن جانبًا كبيرًا من تكلفة الإصلاح والاقتراض.

في النهاية، لا يمكن اعتبار أي تجربة اقتصادية ناجحة إذا كانت تحقق مؤشرات جيدة للدولة بينما يعاني المواطن من تراجع قدرته الشرائية.

ذكرت أن الضرائب أصبحت المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة.. كيف ذلك؟

 إذا نظرنا إلى الموازنة العامة، سنجد أن الضرائب أصبحت تمثل النسبة الأكبر من الإيرادات الحكومية.

في الماضي كانت الضرائب تمثل نحو ثلثي الإيرادات تقريبًا، أما الآن فقد ارتفعت مساهمتها بصورة كبيرة، بينما تراجعت مساهمة الإيرادات الأخرى، وهو ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على الضرائب في تمويل الإنفاق العام.

وفي المقابل، يذهب جزء ضخم من المصروفات العامة لسداد فوائد الديون، وهو ما يقلص المساحة المتاحة للإنفاق على الخدمات أو الاستثمارات الجديدة.

 وهل هذا يفسر استمرار الاقتراض؟

 بالتأكيد، لأن الدولة عندما تخصص جانبًا كبيرًا من مواردها لسداد فوائد وأقساط الديون، تصبح بحاجة إلى تمويل جديد لتغطية احتياجات أخرى، مثل إنشاء المدارس والمستشفيات أو تنفيذ مشروعات جديدة.

ولهذا كنت دائمًا أقول إن الاستثمار المنتج أكثر جدوى من الاقتراض، لأنه يخلق دخلاً مستدامًا، بينما القروض تخلق التزامات مالية مستمرة.

رأس الحكمة والاستثمار الأجنبي

 كنت من المؤيدين لصفقة رأس الحكمة بينما عارضت تصفية الحديد والصلب.. أليس في ذلك تناقض؟

 إطلاقًا، لأننا نتحدث عن ملفين مختلفين تمامًا.

أنا أؤيد الاستثمار الأجنبي المباشر لأنه يمثل بديلاً صحيًا عن الاقتراض الخارجي، ولا توجد دولة حققت تنمية حقيقية دون جذب استثمارات. أما في حالة الحديد والصلب، فاعتراضي لم يكن على الشراكة أو الاستثمار، وإنما على إغلاق نشاط صناعي استراتيجي تحتاج إليه الدولة.

 إذن لا ترى مشكلة في دخول المستثمر الأجنبي؟

 على العكس، أرحب بالاستثمار الأجنبي طالما يخضع لضوابط واضحة ويحافظ على المصلحة الوطنية.

لدينا نماذج ناجحة في القطاع السياحي والعقاري قامت على استثمارات عربية وأجنبية وأسهمت في تنمية مناطق كاملة مثل شرم الشيخ والغردقة، المهم هو التمييز بين الاستثمار الذي يضيف قيمة للاقتصاد، وبين أي تصرف قد يمس الأمن القومي أو الأصول الاستراتيجية للدولة.

وما هي الحدود التي يجب ألا يتجاوزها الاستثمار؟

 هناك مناطق وملفات ترتبط مباشرة بالأمن القومي، مثل المناطق الحدودية أو بعض المواقع ذات الطبيعة الاستراتيجية، وهذه تحتاج إلى ضوابط خاصة.

كما أنني كنت متحفظًا على بعض التشريعات المتعلقة بمنح الجنسية مقابل الاستثمار، لأن لكل دولة اعتبارات أمن قومي تختلف عن غيرها، ولا يجوز نقل تجارب دول أخرى دون مراعاة خصوصية الحالة المصرية.

أسباب نجاح الصين

 كثيرون يستشهدون بالتجربة الصينية.. ما الدرس الأهم منها؟

 الصين لم تحقق نهضتها في سنوات قليلة، بل بنت تجربتها على مدى عقود، وأعطت أولوية مطلقة للإنتاج والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. ورغم أن النظام السياسي هناك مختلف، فإن الاقتصاد الصيني اعتمد على تشجيع المبادرات الفردية، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتحويل الورش الصغيرة إلى مصانع كبيرة، وهو ما خلق ملايين فرص العمل ورفع معدلات النمو بصورة مستدامة.

وكيف يمكن الاستفادة من هذه التجربة في مصر؟

 نحن بحاجة إلى توفير تمويل حقيقي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بشروط ميسرة، لأنها القادرة على خلق فرص العمل وتحريك الاقتصاد المحلي.

ولهذا كنت قد اقترحت إنشاء بنك متخصص لتمويل هذه المشروعات، يقدم أسعار فائدة وآليات تمويل تتناسب مع طبيعة هذا القطاع، بدلاً من إخضاعه لنفس الشروط التي تطبق على الشركات الكبرى.

معدلات النمو.. بين الطموح والواقع

 الحكومات المتعاقبة تحدثت عن استهداف معدلات نمو تتراوح بين 7 و8%.. هل كانت هذه المستهدفات واقعية؟

 تحقيق معدلات نمو مرتفعة ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى دراسات دقيقة، واحتساب جميع عوامل المخاطرة قبل إعلان المستهدفات. في الاقتصاد لا يكفي أن تضع رقماً طموحاً، بل يجب أن يكون مبنياً على افتراضات واقعية وقابلة للتحقق.

للأسف، كثير من الدراسات كانت تبني توقعاتها على سيناريوهات متفائلة دون احتساب المتغيرات الاقتصادية العالمية أو التغيرات المحلية، وهو ما أدى إلى وجود فجوة بين المستهدفات والنتائج الفعلية.

 هل لديك مثال على ذلك؟

 نعم، هناك مشروعات عديدة بُنيت دراساتها على توقعات لم تتحقق في التوقيت المحدد.

فعلى سبيل المثال، عندما تمت دراسة بعض مشروعات النقل الحديثة، بُنيت التقديرات على توقع انتقال أعداد كبيرة من المواطنين إلى العاصمة الإدارية خلال فترة زمنية قصيرة، ثم جاءت النتائج الفعلية مختلفة، وهو ما أثر بطبيعة الحال على الحسابات الاقتصادية للمشروع.

لذلك أؤكد دائماً أن قياس الأثر يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي مشروع، وأن تتم مراجعة الدراسات بصورة دورية وفقاً للمتغيرات الجديدة.

المشروعات الصغيرة.. الحلقة المفقودة

 كيف يمكن إعادة بناء قاعدة الإنتاج في مصر؟

 البداية تكون بالاهتمام الحقيقي بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، لأنها تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد ناجح.

وقد سبق أن تقدمت بمقترح لإنشاء بنك متخصص لتمويل هذا القطاع، على غرار تجارب ناجحة في دول آسيوية، بحيث يحصل أصحاب المشروعات الصغيرة على تمويل ميسر يتناسب مع طبيعة نشاطهم، بعيداً عن أسعار الفائدة المرتفعة التي لا يستطيع المشروع الناشئ تحملها.

كما يمكن توجيه جزء من الأموال منخفضة التكلفة داخل الجهاز المصرفي لتمويل هذه المشروعات، مع وجود رقابة صارمة تضمن وصول التمويل إلى مستحقيه.

دعم نقدي بشروط

 ما تقييمك لفكرة التحول إلى الدعم النقدي؟

 من حيث المبدأ، التحول إلى الدعم النقدي ليس فكرة خاطئة، لكنه يحتاج إلى تنفيذ شديد الدقة.

المشكلة ليست في قيمة الدعم فقط، وإنما في قدرة المواطن على الحفاظ على قوته الشرائية في ظل تغير الأسعار بشكل مستمر، لذلك أرى أن التحول يجب أن يتم تدريجياً، وليس دفعة واحدة.، من خلال التطبيق على السلع التموينية أولاً، مع استمرار دعم رغيف الخبز لفترة انتقالية تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى يتم تقييم التجربة عملياً.

كما أرى أن يكون التحول اختيارياً للمواطن في البداية، مع منح قيمة نقدية أعلى قليلاً من قيمة الدعم العيني لتشجيع المواطنين على التجربة.

والأهم من ذلك كله، أن تكون هناك منظومة إلكترونية مستقرة لا تتعرض للأعطال، حتى لا تتأثر حياة المواطنين أو تتعطل مصالحهم.

هناك من يرى أن بناء دولة قوية يبرر تحمل المواطنين أعباء اقتصادية مؤقتة.. كيف تنظر إلى هذه المعادلة؟

 لا أرى تعارضاً بين قوة الدولة وتحسين حياة المواطن، في الدول الديمقراطية، رضا المواطن هو المعيار الحقيقي لنجاح الحكومات، لأنه ينعكس في النهاية على الاستقرار السياسي والاقتصادي.

أما إذا أصبحت كل المؤشرات الإيجابية تقتصر على الاقتصاد الكلي فقط، بينما لا يشعر المواطن بتحسن في مستوى معيشته، فلابد من مراجعة السياسات المتبعة.

نجاح الدولة لا يُقاس فقط بحجم الاحتياطي النقدي أو مؤشرات النمو، وإنما أيضاً بمدى انعكاس ذلك على حياة المواطنين.

هل تتوقع تحسن الأوضاع الاقتصادية خلال الفترة المقبلة؟

 نعم، أعتقد أن الاقتصاد المصري يمتلك فرصاً حقيقية للتحسن خلال العامين أو الثلاثة أعوام المقبلة، إذا التزمنا بعدة أمور أساسية، في مقدمتها ضبط أولويات الإنفاق العام، والحد من الاقتراض الخارجي غير الضروري، ومراجعة نتائج المشروعات بصورة دورية، مع وضع مؤشرات أداء واضحة لكل وزارة وجهة تنفيذية.

كما يجب تقليل الاعتماد على الضرائب كمصدر رئيسي للإيرادات، والتوسع بدلاً من ذلك في جذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج.

روشتة الخروج من الأزمة

 لو طُلب منك تقديم روشتة مختصرة لإنعاش الاقتصاد المصري.. ماذا ستتضمن؟

 أعتقد أن الأولوية يجب أن تكون لأربعة قطاعات رئيسية، هي الصناعة، والزراعة، والتجارة، والسياحة، لأنها القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص العمل وزيادة الناتج المحلي.

كما يجب فتح المجال بصورة أكبر أمام القطاع الخاص، وتوفير أدوات تمويل متنوعة للمشروعات بمختلف أحجامها، مع تبسيط الإجراءات، وإزالة العقبات البيروقراطية التي ما زالت تعرقل الاستثمار.

وأرى أن الدور الأساسي للدولة يجب أن يتركز في التنظيم والرقابة ووضع السياسات العامة، بينما يتولى القطاع الخاص قيادة النشاط الاقتصادي والإنتاج، لأن التجارب العالمية أثبتت أن الاقتصادات التي تمنح مساحة أكبر للمبادرة والعمل الحر تكون أكثر قدرة على تحقيق النمو والاستدامة.