في اليوم العالمي للطعمية.. وثائق التاريخ تنحاز إلى مصروتفند المزاعم الإسرائيلية “خاص”

في كل عام، وتحديدًا في 12يونيو، يحتفل العالم باليوم العالمي الفلافل أو الطعمية، ذلك الطبق الشعبي الذي تحول من وجبة بسيطة في شوارع الشرق الأوسط إلى واحدة من أشهر الأطعمة انتشارًا حول العالم.

لكن الاحتفال هذا العام أعاد إلى الواجهة جدلاً قديمًا حول أصل الطعمية، بعدما نشرت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي كابتن إيلا منشورًا اعتبرت فيه الفلافل جزءًا من المطبخ الإسرائيلي، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الانتقادات والرفض في الأوساط العربية.

 وبين الروايات المتصارعة، يبقي السؤال الأهم: ماذا تقول الوئاثق والتواريخ؟ وهل تمتلك مصر أدلة تاريخية تجعلها صاحبة الرواية الأقوى بشأن أصل الطعمية؟

بداية الحكاية.. أين ظهرت الطعمية؟

تجمع غالبية الدراسات المتخصصة في تاريخ الغذاء على أن مصر تمثل الأصل الأكثر ترجيحًا للطعمية، وتشير المراجع التاريخية إلى أن أقدم الروايات المرتبطة بهذا الطبق تعود إلى المجتمع المصري، حيث ترتبط استخدام الفول كغذاء رئيسي بالحياة اليومية للمصريين عبر قرون طويلة.

وتذهب إحدى الروايات التاريخية الشهيرة إلى أن الأقباط في مصر ابتكروا الطعمية كبديل للحوم خلال فترات الصيام الطويلة، فاعتمدوا على القول المطحون والأعشاب والتوابل لإعداد وجبة نباتية مشبعة، ورغم عدم وجود وثيقة قاطعة تحدد تاريخ اختراعها، فإن هذه الرواية تظل الأكثر تداولاً بين مؤرخي الطعام.

ماذا تقول الوئاثق ؟

عند البحث في المصادر التاريخية؛ لا تظهر أي وثائق تنسب نشأة الطعمية إلى إسرائيل وعلى العكس، تشير المراجع المتخصصة إلى أن أقدم الإشارات المكتوبة المعروفة للطعمية ارتبطت بمصر خلال القرن التاسع عشر، أي قبل قيام دولة إسرائيل بعشرات السنين.

كما تؤكد الدراسات الخاصة بتاريخ الفلافل أن الطبق كان معروفًا ومتداولاً في مصر قبل انتقاله إلى مناطق أخرى من الشرق الأوسط، وهو ما يجعل الرواية المصرية الأقدم من الناحية الزمنية.

هل عرفها الفراعنة؟

كثيرًا ما تتردد روايات شعبية تزعم أن الطعمية تعود إلى العصر الفرعوني، إلا أن المؤرخين لا يمتلكون حتى الآن أدلة أثرية تثبت وجودها بشكلها الحالي في مصر القديمة.

لكن الثابت تاريخيًا أن المصريين القدماء عرفوا زراعة الفول واستهلاكه منذ آلاف السنين، وكان أحد أهم مكونات غذائهم، ولهذا يرى الباحثون وفقا للمعلومات المتداولة أن جذور الطبق مصرية، حتى  وإن لم يكن من الممكن إثبات أن الفراعنة تناولوا الطعمية بصورتها الحديثة.

من مصر إلى بلاد الشام 

تشير الدراسات إلى أن الطعمية بدأت رحلتها خارج مصر خلال العقود الأولى من القرن العشرين، خاصة عبر مدينة الإسكندرية التي كانت واحدة من أهم موانئ المنطقة.

وفي عام 1933 سجلت المصادر وجود محال متخصصة في بيع الفلافل في بيروت، وهو ما يعد من أقدم الأدلة على انتقال الطبق من مصر إلى بلاد الشام، ومع هذا الانتقال بدأت الوصفة تتغير، فاستبدلت بعض الدول القول بالحمص بينما المصريون بالوصف التقليدية القائمة على الفول.

وبمرور الوقت انتشرت الفلافل في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق واليمن وشمال أفريقيا، قبل أن تتجاوز حدود المنطقة إلى أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا.

متى دخلت الفلافل إلى إسرائيل ؟

تؤكد مراجع تاريخ الغذاء أن الفلافل أصبحت شائعة في إسرائيل بعد عام 1948م مع وصول موجات من المهاجرين اليهود القادمين من الدول العربية والشرق الأوسط.

وبالتالي فإن وجود الفلافل داخل إسرائيل جاء بعد عقود طويلة من انتشارها في مصر وبلاد الشام، ويفرق الباحثون  بين “أصل الطبق” و”تبنيه داخل مطبخ وطني”، فانتشار الفلافل في إسرائيل لا يعني أنها نشأت هناك.

لماذا تتمسك إسرائيل بنسبة الفلافل إليها؟

وفقا للمعلومات المتداولة، يرى باحثون في التراث الغذائي أن الفلافل أصبحت جزءًا من الهوية الغذائية الإسرائيلية خلال العقود الأخيرة، وهو ما دفع بعض الجهات إلى تقديمها باعتبارها أكلة إسرائيلية، غير أن هذا الطرح يواجه اعتراضات واسعة من مؤرخي الطعام الذين يؤكدون أن شهر الطبق داخل دولة معينة لا تمنحها بالضرورة حق نسب اختراعه إليها.

بين الرواية المصرية والادعاء الإسرائيلي 

عند مقارنة الروايتين؛ تبدو الكفة التاريخية أكثر ميلاً نحو مصر، فالرواية المصرية تستند إلى وجود الطبق قبل قيام إسرائيل بعقود طويلة، وإلى ارتباطه بالمجتمع المصري واستخدام الفول كمكون أساسي له، إضافة إلى وجود إشارات تاريخية أقدم من أي رواية أخرى.

أما الرواية الإسرائيلية فترتكز أساسًا على انتشار الفلافل داخل إسرائيل خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وليس على وثائق تثبت نشأتها هناك.

الخلاصة

ربما لا توجد وثيقة تحدد اليوم أو السنة التي وُلدت فيها الطعمية لأول مرة، لكن مراجعة التسلسل التاريخي المتاح تكشف أن مصر تمتلك أقدم وأقوى رواية موثقة عن هذا الطبق الشعبي، فقبل أن تعرفه إسرائيل بعقود طويلة، كانت الطعمية حاضرة على موائد المصريين، ثم انتقلت إلى بلاد الشام ومنها إلى العالم.

لذلك، وبينما يبقى الجدل مفتوحًا أمام الباحثين، فإن الوثائق والتواريخ المتاحة حتى الآن تنحاز بوضوح إلى الرواية المصرية، وتضع الطعمية المصرية في موقع الأصل الأكثر ترجيحًا في تاريخ واحد من أشهر أطعمة الشارع في العالم.