علي أبو حميد
علي أبو حميد

مهد الحضارة.. مشروع من قلب الصعيد

حين نتحدث عن السياحة في مصر، تتجه الأنظار غالبًا إلى الأهرامات في الجيزة، أو إلى معابد الأقصر وأسوان، أو إلى شواطئ البحر الأحمر وسيناء، لكن بين القاهرة والأقصر يمتد إقليم كامل يحمل بين جنباته قصة الحضارة المصرية منذ بداياتها الأولى، ورغم ذلك لا يزال خارج الخريطة السياحية التي يستحقها.

هذا الإقليم هو المنيا وأسيوط وسوهاج.

وربما يكون السؤال الأهم: لماذا لا ننظر إلى هذه المحافظات الثلاث باعتبارها إقليمًا سياحيًا واحدًا؟.

فما تمتلكه هذه المحافظات لا يتمثل في مجموعة مواقع أثرية متفرقة، بل في سردية حضارية متصلة تمتد عبر آلاف السنين، تبدأ من الإنسان الأول الذي عاش على ضفاف النيل، مرورًا بالمجتمعات الزراعية الأولى، ثم نشأة الدولة المصرية، وصولا إلى العصور الفرعونية واليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية، وانتهاءً بمصر الحديثة وتراثها الحي.

إنها ليست رحلة بين أماكن مختلفة، بل رحلة عبر الزمن نفسه.

في سوهاج نجد آثار الإنسان الأول في نزلة خاطر، ونجد أبيدوس التي تمثل واحدة من أهم محطات نشأة الدولة المصرية القديمة، حيث تبدأ ملامح السلطة المركزية والملكية المصرية في التشكل.

وفي أسيوط نجد تاسا والبداري، اللتين ترتبطان ببدايات الاستقرار الزراعي وتكوين المجتمعات المنظمة، ثم نجد مقابر مير ودير المحرق، أحد أهم محطات رحلة العائلة المقدسة في مصر.

أما المنيا فتضم بني حسن، وتل العمارنة، وتونا الجبل، والأشمونين، وجبل الطير، وهي مواقع تمثل مراحل مختلفة من تطور الحضارة المصرية، من الدولة الوسطى إلى الثورة الدينية لأخناتون، وصولا إلى التراث القبطي العريق.

لكن قيمة هذه المحافظات لا تتوقف عند حدود الحضارة المصرية القديمة أو التراث القبطي فقط.

فالإقليم يحتفظ كذلك بتراث إسلامي غني يمتد عبر قرون طويلة، ويضم مساجد تاريخية ومراكز علمية وعمرانية وأسواقًا وموروثات اجتماعية وثقافية شكلت جزءًا أصيلا من هوية الصعيد، وهو تراث يمثل حلقة أساسية في استمرارية الحضارة المصرية، ويؤكد أن تاريخ هذه المنطقة لم يتوقف عند حقبة معينة، بل ظل يتطور ويتجدد عبر العصور المختلفة.

ولهذا فإن الحديث عن المنيا وأسيوط وسوهاج ليس حديثًا عن الآثار فقط، بل عن حضارة متصلة لم تنقطع.

وفي الوقت الذي تتنافس فيه دول العالم على تقديم قصص وتجارب سياحية مميزة، تمتلك هذه المنطقة قصة ربما لا تتكرر في كثير من الأماكن حول العالم.

قصة تبدأ من الإنسان الأول.

ثم الزراعة الأولى.

ثم نشأة الدولة.

ثم الحضارة المصرية القديمة.

ثم المسيحية المبكرة ورحلة العائلة المقدسة.

ثم الحضارة الإسلامية.

ثم المجتمع المصري الحديث.

سبعة آلاف عام أو أكثر من التاريخ المتصل في نطاق جغرافي واحد.

من هنا تبرز فكرة إنشاء إقليم سياحي جديد يحمل اسم:

“مهد الحضارة المصرية”

وهو ليس مشروعًا لتطوير بعض المواقع الأثرية أو إضافة فنادق جديدة فقط، بل رؤية تنموية متكاملة تهدف إلى إعادة اكتشاف وسط الصعيد، وربط السياحة بالاستثمار والثقافة والحرف التراثية والتنمية المحلية، وتحويل المنطقة إلى مقصد سياحي متكامل قادر على جذب الزائر المصري والأجنبي على حد سواء.

كما أن المشروع لا ينافس الأقصر وأسوان، بل يكملهما.

فإذا كانت الأقصر وأسوان تمثلان ذروة الحضارة المصرية وعظمتها الإمبراطورية، فإن المنيا وأسيوط وسوهاج تمثل الجذور الأولى التي خرجت منها هذه الحضارة.

هناك تبدأ الحكاية.

وهنا تكمن الفرصة.

لكن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن فقط في عدد السائحين الذين يمكن جذبهم، ولا في حجم الإيرادات السياحية المتوقعة، بل في قدرته على إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية والتنموية لوسط الصعيد.

فمصر لا تواجه فقط تحديًا في زيادة مواردها السياحية، بل تواجه أيضًا تحديًا أكبر يتمثل في التركز الشديد للسكان والاستثمارات والفرص الاقتصادية في القاهرة الكبرى وبعض المناطق المحدودة، وهو ما أدى على مدار عقود إلى استمرار موجات النزوح الداخلي من المحافظات إلى العاصمة بحثًا عن العمل والخدمات وفرص الحياة الأفضل.

ومن هنا تبرز أهمية مشروع “مهد الحضارة المصرية” باعتباره مشروعًا للتنمية الإقليمية بقدر ما هو مشروع سياحي.

فإذا نجح الإقليم في التحول إلى مقصد سياحي متكامل يضم فنادق ومراكز زوار ومراسي نيلية ومشروعات تراثية وحرفية وخدمات نقل وإقامة وترفيه، فإن ذلك سيخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة لأبناء المنيا وأسيوط وسوهاج، ويجذب استثمارات جديدة إلى المنطقة بدلًا من استمرار تمركزها في القاهرة وبعض المحافظات الأخرى.

وتشير التقديرات الأولية إلى أن مشروعًا بهذا الحجم يمكن أن يجذب على المدى الطويل عشرات المليارات من الجنيهات في صورة استثمارات مباشرة وغير مباشرة، وأن يساهم في توفير عشرات الآلاف من فرص العمل في قطاعات السياحة والخدمات والنقل والحرف والصناعات الصغيرة والمتوسطة.

والأهم من ذلك أنه يمنح مئات الآلاف من أبناء الصعيد سببًا اقتصاديًا حقيقيًا للبقاء والاستثمار والعمل داخل محافظاتهم، بدلًا من الاضطرار إلى الهجرة الداخلية بحثًا عن الفرص.

ولهذا فإن نجاح المشروع لا يجب أن يقاس فقط بعدد الزائرين أو الليالي السياحية، بل بقدرته على خلق مراكز نمو جديدة خارج القاهرة، وتعزيز التنمية المتوازنة بين أقاليم الدولة، وتحويل وسط الصعيد من منطقة طاردة للاستثمار والسكان إلى منطقة جاذبة للفرص ورؤوس الأموال.

فالقاهرة لن تُحل مشكلاتها من داخل القاهرة وحدها، وإنما من خلال بناء أقاليم قوية قادرة على توفير فرص العمل والاستثمار والحياة الكريمة لمواطنيها.

ومن هنا فإن مشروع “مهد الحضارة المصرية” ليس مجرد مشروع سياحي، بل مشروع وطني لإعادة اكتشاف قلب مصر، وإعادة توجيه جزء من مسار التنمية نحو واحدة من أغنى مناطقها تاريخيًا وأكثرها احتياجًا إلى فرص النمو والاستثمار.

إن إنشاء إقليم “مهد الحضارة المصرية” ليس مجرد فكرة سياحية، بل مشروع تنموي يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار، ويوفر آلاف فرص العمل، ويعيد الاعتبار لواحدة من أغنى مناطق مصر تاريخيًا وثقافيًا.

ولهذا فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون إعداد دراسة استراتيجية متكاملة ترصد الإمكانات الحقيقية للإقليم، وتحدد الفرص الاستثمارية المتاحة، وتبني رؤية مستقبلية واضحة حتى عام 2040، بحيث تتحول الفكرة من مجرد تصور نظري إلى مشروع وطني قابل للتنفيذ.

لقد آن الأوان لأن ننظر إلى وسط الصعيد بطريقة مختلفة.

لا باعتباره منطقة تقع بين القاهرة والأقصر.

بل باعتباره المكان الذي بدأت منه الحكاية.

مهد الحضارة المصرية.

فإذا كانت الحضارة المصرية قد بدأت من هنا، فربما يكون من حق هذه الأرض أن تبدأ منها أيضًا قصة جديدة للتنمية في مصر الحديثة.